قلوب مرتجفة، وأبصار شاخصة، وأفئدة حائرة! هذا الوصف الأبلغ لقواعد الجماعة الآن بل وقادتها، ويزيد القلب ارتجافا طبيعة المرحلة وحرجها، فنحن في أحلك ظروف الثورة سوادا، وعشرات الآلاف من المعتقلين في أوضاع مزرية، ودماء الشهداء لا تزال تسيل، والعدو المتمكن سيشمت، وينتشي فرحا بأي بوادر خلاف تظهر له، فكيف وإن تأكدت تلك الخلافات، وكانت على أعلى مستوى قيادي بالجماعة؟

شيء مهيب، شيء مخيف،شيء مرعب! أليس كذلك؟

الأمر مختلف، بالعقل والمنطق، وليس بالخرافات والأساطير، الجميع يعلم ثلاثة ثوابت عليها إجماع تقريبا، أما الأول: أن قدَر الثورة المصرية التي هي الملاذ الأخير للربيع العربى، يتمثل في الإخوان المسلمين، وأن الصراع أصبح بين: العسكر وحلفائه، والجماعة وأنصارها وفقط، وأن القلعة الأخيرة بالثورات هي الجماعة، وأن حراك الشعوب اختزل فيها وبها. وأما الثابت الثاني: أن المهمة أثقل بكثير من قدرة الجماعة البنيوية والتنظيمية؛ لعدم وجود كوادر ثورية، ورجال دولة تدير الصراع بكفاءة وحرفية، في وقت كانت جموع الإخوان من الرأس إلى القاعدة أساتذة جامعة وأطباء ومهندسين، إضافة إلى أن طبيعة تنظيم الإخوان الهرمي، يجعل من الضربات الأمنية الشديدة التي تعرضت لها الجماعة، وإجراءات التنقل والانتقال الوظيفي للقيادات الجديدة، والتموضع في أماكنها، أكثر صعوبة، وتحتاج إلى وقت أطول، مقارنة بالتنظيم الشبكي أو العنقودي مثلا.

ومع الثابتين الأول والثاني ندرك الخطورة، الجماعة هي مناط التكليف الثوري، ولكنها غير مؤهلة له بالقدر الكافي، ولهذا كان الثابت الثالث: أنه كان لا بد من تغيير حتمي جذري، تغيير يشمل الشخوص والأفكار والبُنية، لا يشمل اللوائح ومنظومة “أدبيات الجماعة” فقط فهذا شيء هزيل، إن المرونة التي تركها البنا للجماعة، ولم يلزمهم بمنهجية واضحة محددة، كشأن سائر التنظيمات، فهو الرجل الذى مارس السياسة حينا وتركها بالجملة أحيانا، ورفع السلاح ونزعه، وهكذا، فإن مهمة إسقاط المنهج على المنهجية لهو أمر لا يقوم به في المراحل الجديدة رجال متلبسون بمس تجارب الماضي يرون لأنفسهم حق القوامة والأبوية على هذه الجماعة وأنهم فقط من يرسمون المسارات الإستراتيجية، ويحددون المصائر الكبرى لها!

والثورة وما بعدها حتى الآن، جعلنا على قناعة بل واعتقاد أن القرارات السيئة للإخوان يتحملها الجميع إخوانا كانوا وغير إخوان، وأن قراراتهم الحسنة يستفيد منها الجميع، يكفيك أن تدرك أن نصف المعتقلين تقريبا من غير الإخوان، وثلثي الشهداء من غير الإخوان كذلك، فلا يصح البتة أن نقول إن الشأن الداخلي للجماعة يختص بأفراد الجماعة فقط بل حتى لا يحق له أن تصفه ب “الداخلي”، إن كان مجتمع “الربعاوية” يدفع ضريبة البذل والصراع معك كتفا بكتف، فعلى الأقل يجب أن تتناول أمور جماعتك على مسمع منهم ومشهد، لأنه ليس بينك وبينه بيعة، ولا سمع ولا طاعة، كأعضاء تنظيمك.

الجماعة مصممة وجدانيا وبنيويا على تناول الخلافات في السر وفي الغرف المظلمة، وتبادل وجهات النظر في همس وسكون، دون أن يسمع الناس، هذا أمر يصح في مرحلة مضت، كانت الجماعة فيها في مرحلة مكية تقوم فيها بالتكوين، أو يكون بين زوج وزوجة يتشاجران ويخافان سماع الجيران، أما جماعة نيط بها قيادة المشهد الثوري، ويتبعها فيه شعب بأكمله، يجب أن يكون لها شأن آخر، يجب أن نرى تحضرها في الخلاف، لا أن لا نرى خلافا أصلا! يجب أن نرى علنا تدافع الحجج والتضاحد فيما بينها، يجب أن نرى علنا التدافع المحترم بين رجالها، وبعد حسم الرأي نرى الجماعة جميعها مؤسسات وأفرادا مع الرأى المقطوع، إذا رأى غير الإخوان من الجماعة هذا بوضوح وبشفافية، احتراما لهم وتقديرا لعقولهم، فسيضعون أرواحهم على أكفهم، فداءً للقضية التي يحملها الإخوان، وكانوا أكثر إذعانا واطمئنانا، أما طريقة أن إخوانك فوق تشاوروا فيما بينهم وحزموا رأيهم على ذلك وعلينا التنفيذ، فلا أظنها طريقة تجدي مع أعضاء الإخوان أنفسهم في هذا الحين فكيف بغيرهم.

أعلم أن الأيام القليلة الماضية لم يتم فيها الأمر بهذه المثالية والنموذجية، ولكنها بداية الطريق للخروج إلى العلن، فإن التدافع والتراشق، لن يلبث إلا وأن ينعدل ويتزن وينضبط؛ ليكون على النحو المأمول.

كان محاضن الإخوان المربون وقادتهم يقولون دائما: إن هذه الجماعة ليست ملكا لأحد، وكان هذا كلاما غير صحيح، الجماعة مملوكة بكل ما فيها ومن فيها لكيان واحد وهو “الأمة”، والأمة إن فوضت ملكيتها لأحد، فسيكون صك الملكية يملكه عوام الإخوان وقواعدها، هذا المعنى كان غائبا تماما في أذهان الجماعة قيادة وجندا.

فيجب على القواعد أن تفهم أنهم وحدهم هم من يضعون الإستراتيجيات، والمسارات الطويلة، ويحددون المصائر الكبرى للجماعة، ثم يختارون منهم قيادات ينفذون رؤية القواعد، ولا يحيدون عنها ثم يُحاسبون في نهاية المطاف، وهذا المفهوم الغائب بدأ يأخذ مساحات في أذهان القواعد، ظهر ذلك جليا حين ضجرت “العامّة” ببيان محمود حسين.

وظهر في بيان المكتب الإداري لشرق وشمال القاهرة، باختصار إن يقظة حس القواعد ووقوفها كالرقيب على أداء القيادات، ووضعها قبل ذلك للرؤى العامة، والأطر الإستراتيجية، بصفتهم ملاك التركة والإرث، ثم بعد ذلك يكون الحساب يوم الحصاد وفق قاعدة من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله العزل، كل هذا هو المعنى النموذجي للطاعة المبصرة، وهو دور القواعد الحقيقي وواجبها، كما فهمنا من قيم حضارتنا الإسلامية.

عموما إن ما يحدث على الساحة من شد وجذب، لهو خير عظيم للجماعة، ومن ثم للأمة والثورة بعد ذلك، فإن الإخوان والأمة كأنهما رجل تزوج امرأة جميلة ذات مطمع، وهو رجل قوي، لكنه لا يحمي زوجته من جيرانه الباطشين، لأنه لا يفهم مواطن قوته، ويؤثر الموادعة، ولم يعد لخصومه عدته، فحان وقت الحسم، إما أن يقوم بواجبات الرجولة والفتوة ويأخذ بها، أو يطلقها ويسرحها سراحا جميلا، لترى فتى غيره يحميها! فعلى الإخوان صياغة أنفسهم من جديد، وأن يخرجوا على الأمة بثوب جديد، وحُلة جديدة، فإن فشلوا في تغيير جلدتهم، فسيخرجون أيضا على الأمة بثوب جديد، وهو كفن الموت ليودي بهم في قبر سحيق، ليكونوا صفحة من صفحات التاريخ الحائرة، ويبدأ المخلصون منهم الطريق من جديد تحت راية جديدة وتنظيم جديد..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد