تمر البشرية في مرحلتها التاريخية الحالية بحالة من الغرور والكبر في العقل الجمعي، حال شبيهة بحال فرعونِ موسى، في المرحلة التي بلغ فيها من السيطرة والملك والتكبر والتجبر ما أغراه حتى نازع الرب – جل وعلا – في سمائه، مناديًا أن «يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا».

تطورت البشرية في مجال العلوم الطبيعية في القرن الأخير تطورًا كبيرًا، يلاحظه العامِّي والمتخصص، ونأسف لغياب المجتمع المسلم عن المشاركة في صناعة هذا التطور، واكتفائه بالنمط الاستهلاكي، واللهث وراء القطيع العولميّ، مع هزيمة نفسية مكتسبة، تجري تغذيتها عبر كثير من الوسائل التابعة لكيانات عالمية.

ولسنا هنا بصدد توجيه اللوم، لأن هذا التراجع في اللحاق بركب العلم والصناعة والتقنيات وسط المجتمعات المسلمة؛ هو على أكثر الظن ناتجٌ من صراعٍ موجَّهٍ ومتعمَّدٍ ومتحكَّمٍ به من قِبَلِ «لوبيات» الكيانات العالمية غير المسلمة، والتي تأبى أن يقوم للعالم الإسلامي قيامة علمية تطورية؛ خوفًا منهم على بقائهم كمجتمع قائد للعالم، هذا العالمُ بشكله الحديث الرافض للتوحيد، المغرق في المادية، الجاحد للربوبية؛ فلا عجب أن تراهم داعمين، بل مشاركين فاعلين في استمرار الصراعات والنزاعات المحلية في شتى البقاع الإسلامية، والتي تراق فيها دماء ملايين المسلمين.

«يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ»

هنا تكمن الإشكالية، وهي أن الإنسان المعاصر قد مَلَكَ من أدوات العلم والتحكم بالكثير من التقنيات، ما غرَّهُ وجعله مستعدًّا لفكرة الاستغناء عن الخضوع لله الواحد، والحديث هنا عن الوسط الغربي المتقدم، وما يجري تصديره لنا من دعوة وتبشير بعقيدة جديدة قديمة، وهي عقيدة الـ«لا رب، لا إله، والحياة مادة وفقط»، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ولكن الأمر وصل من الانتشار والتفشي إلى درجة خطيرة من التأثر بانتشار وسائل التواصل بين البشر، وقدرة هذه الكيانات على التحكم وتوجيه الأفكار لكل مكان، حتى داخل البيت المسلم المحافظ.

ومع أن النمط المتوقع من الإنسان في أصل تكوينه الفطري السليم، أن يكون مجبولًا على الإيمان بخالقٍ ربٍّ مدبرٍ حكيمٍ، حتى إنه كلما زاد علمًا واطلاعًا واكتشافًا، زاده ذلك خشية وقربًا وإيمانًا «إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ»، وهو ما نراه على مستويات فردية من علماء كُثُر لم يجدوا مجالًا للمنطق والعقل بعد ما وصلوا له من تحصيل علمي واكتشافات دقيقة إلا أن يُسلِّموا بأن لهذا الكون خالقًا مدبرًا حكيمًا، لكن القُوى الدافعة للمغالطات الفكرية ومحاولة فرعنة العلم والتقدم الحديث أكبر من هذه الحالات الفردية، حتى إنها تصل لدرجة الممارسات الإرهابية تجاه من يسلك هذا الطريق في الوسط العلمي والبحثي في هذه البلدان.

وفي الوقت الذي ندرك فيه الدوافع التي تجعل قنوات ومحطات ومراكز بحث غربية تروج لهذه الأفكار الإلحادية الجاحدة لكل معاني الربوبية والوحدانية، لا نستطيع أن نَغُضَّ الطرف عن ممارسات الكثير من الكيانات والأفراد في المجتمعات المسلمة على مستويات كثيرة رسمية، ومؤسسية، وفردية في نشر هذا الفكر وهذا الجحود، وفي وصف الرسول – صلى الله عليه وسلم– «إن من البيان لسحرًا» توصيف دقيق لمدى خطورة الوسائل الإعلامية، فقد استغلت هذه الكيانات كل وسائل الإقناع الزائفة في نحت العقل الجمعي للأمة المسلمة ليزرعوا فيهم بذور الشكَّ والريبة في مصداقية رسالة التوحيد المحمدية، وإيهامهم بتعارضها مع التقدم والنمو والحداثة، وهي لا شك دعوى باطلة مردود عليها.

مشكاة نور على الطريق:

وفي الوقت الذي تخاذلت فيه المؤسسات الرسمية للمجتمعات المسلمة بشكل ملحوظ في الدعوة لهداية البشرية وإخراجها من ضلالها الكبير، انبرى لهذه الدعوة رجالٌ فرادى، حملوا عبء الرد على هذه المغالطات المنطقية، والنظريات الهشة للفكر الإلحادي، فاستغلوا وسائل التقنية التي يتسلح بها المضللون نفسها، فهبوا متطوعين للدعوة رغم ضعف الإمكانيات وقلة النصير، فقاموا بما هو واجب الأمة جمعاء، وسبب خيريتها، ورسالتها التي نزل بها التكليف، وهو حمل هذه الرسالة للعالم أجمع واستنقاذه من ضلاله وغيه، وبيان أن نجاته وفلاحه في الدارين مرتبط بمدى قربه من خالقه واستسلامه له: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون»، «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ».

وهذا التصرف على المستوى الفردي لهؤلاء الذابِّين عن الدين فيه امتثال للهدي النبوي المأمور به؛ ففي الحديث، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، مع رحمةٍ بالناس ورغبةٍ صادقةٍ في استنقاذهم من مستنقع الكفر وتبعات الضلال وجحود الربوبية، فهم يتمثلون في ذلك تمثيل الرسول للرحمة التي جاء بها في الحديث «مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذا الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحَّمن فيها، قال: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني تقحمون فيها».

دور المسلم:

– تحصيل العلم الضروري بأدلة أركان الإيمان، فالمسلم يجب ألا يكتفي بوراثة دينه عن آبائه دون علم وقناعة عقلية وقلبية يقينية ومكتسبة، تصمد أمام شُبَهِ الملحدين، وضلالات الضالين، وتَلَقِّي هذا العلم عن العلماء المعتمدين عند أهل السنة، وأنعم به إن كان من مؤسسة علم شرعي، وإلا ففي المكتبات الإسلامية ووسائل المحتوى الرقمي الحديثة ما يكفي من المصادر الشافية في هذا الباب.

– تعليم هذه الأدلة لمن تحت رعايته من أهل وذرية، وترسيخها واستذكارها معهم.

– دعم الوسائل والمؤسسات الدعوية التي تحمل هذا العبء دعمًا ماليًّا لمن يقدر إذا كان مطلوبًا، ودعمًا معنويًّا بالمساهمة في انتشارها.

فالله الله في دينكم أيها المسلمون، كلٌّ على قدر استطاعته، ووفق إمكانياته وما يملك من أدوات لمواجهة هذه الضلالات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد