رغم إسلامية المصطلح إلا أننا سنجد أن معناه يصدق على ما تقدمه معظم الأديان سواء السماوية أو الأرضية ، والكثير من الأفكار الفلسفية ، حيث نجد أن الصراط المستقيم دائما هو أسلوب الحياة التي فيه يعيش الإنسان محققا القيم والمثل العليا والمبادئ القويمة والتي هي في الأساس متطابقة تماما مع شفرة الإنسان التي اصطبغ بها والتي تعد المادة الخام للإنسان والتي اصطلحنا على تسميتها بالفطرة .

ولأن الإنسان كائن مركب شديد التعقيد فإن الأمور لا تبدو له واضحة دوما ، وقد يختلف البشر على مصدر الخير أو الشر فيرتكب أحدهم الفعل باعتباره خيرا في حين يراه غيره شرا ، وبالتالي قد نشوه الصراط المستقيم ، ويصبح لكل دين أو كل فكرة أو كل مبدأ بل وكل فرد الصراط المستقيم الخاص به فيتعدد الصراط المستقيم بعدد أنفاس الخلائق حيث تتداخل الكثير من المؤثرات التي تؤثر في نظرة الإنسان تجاه الأفعال والمشاعر حتى ربما تخرج عن مقتضيات الفطرة السليمة في الوقت الذي يرى فيه فعله هو عين الفطرة .

ولكن الحقيقة أن ذلك لا يعيب الصراط المستقيم ، ولا يشكك في وجوده أو وجود الفطرة لأن الصراط المستقيم يخضع في الأساس إلى مبدأ واحد إذا تحقق تحقق معه سير المؤمن به على الصراط المستقيم حتى ولو رأينا أفعالا وأفكارا ومشاعر متناقضة وكلها تدعي أنها تعبر عن الصراط المستقيم ، وهذا المبدأ هو الصدق ، حيث يكون السائر في الصراط المستقيم صادقا مع نفسه ومع غيره ومع ما يؤمن به ، متطابقا أو شبه متطابق مع إيمانه وتصديقه ، معترفا ومدركا لأوجه القصور والضعف التي تعتريه ، فيقبل ضعفه ولا يجلد ذاته وإنما صدقه يدفعه لتقويم نفسه ، أو بمعنى آخر يعمل على تزكية نفسه وتطهيرها .

فإذا ما رأى الإنسان رأيا أو فعل فعلا يخرج عن الصراط المستقيم الحق فإن الفيصل حول اعتباره من المغضوب عليهم أو من الضالين هو مدى صدقه مع نفسه ومع المعطيات التي شكلت عقله ونفسه وروحه ، فإن أدرك الحق وخرج عليه فإنه فقد قيمة الصدق لأنه علم الصراط المستقيم وخرج عن مقتضاه ، وإن لم يدرك الحق وكان صادقا مع المعطيات التي أثرت على عقله ونفسه وروحه ففعل ما يراه صوابا ( حتى وإن كان ذلك مناقضا للصراط المستقيم الحق ) فإنه من الضالين الذين ضلوا عن الصراط المستقيم وهو في معركة دائمة بين الحق والباطل ، ولذا فعليه أن يسعى دوما نحو الصدق ربما يتبين يوما ملامح الصراط المستقيم الحق فيتبعه .

ونخلص من هذا إلى أن الله هو الوحيد القادر على تقييم الفرد لأن الأمر كله راجع إلى الصدق الذي هو عمل قلبي لا يستطيع سوى الله أن يقيمه ، فليس لنا أن نقيم أحدا أو نحكم عليه مهما بدا لنا من أخطائه لأن الخطأ في حد ذاته لا يدنس الإنسان وإنما ما يدنسه أن يخالف ما وقر في ضميره ، وقد اصطلح على ذلك مصطلح ( النية ) ، والتي لا يعلمها إلا الله

ويتعرض الإنسان إلى العديد من المؤثرات التي تؤثر على فطرته ومن ثم على رؤيته للطريق المستقيم حتى يصبح من الضالين الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا صدقا ، فإذا ما نظرنا إلى في هذه المؤثرات لوجدنا أنــها :

أولا : الشهوات..
حيث ينبع من داخل الإنسان رغبات تدفعه لإشباعها ؛ منها ما هو جسدي كالحاجة للطعام والجنس ، ومنها ما هو لا جسدي كالحاجة للانتماء والتقدير والتميز وغيرها من الاحتياجات والرغبات ، ولا تعد الشهوات في حد ذاتها نقمة يجب على الإنسان التخلص منها ، فهي صفات طبيعية في كل إنسان يحسن له أن يشبعها ، ولكن المتعة التي تحققها هذه الشهوات لصاحبها فإنها تدفعه إلى مزيد من الإشباع فلا يشعر بالتخمة أو الزهد فيها وإنما يسعى إلى مزيد من الإشباع والمتعة ، فإذا ما تعارض إشباع الشهوة مع الصراط المستقيم أصبح على المرء الاختيار بين الطريقين .. وشتان بينهما .. ولأن الإنسان لا يرغب في الاعتراف بما يقع فيه من أخطاء فإنه يلجأ عادة للتبرير والتحايل ليثبت لنفسه أولا ثم لم حوله أنه لا يزال سائرا على الصراط المستقيم ، فتصبح الخيانة الزوجية حبا ومشاعر إنسانية ومقاومة للزوج المسيئ إلى زوجته الخائنة ، ويبرر عشيق الزوجة لنفسه فعله باعتباره يقف بجوار مظلومة .

ثانيا : العقل..
فرغم أن العقل والتعقل أمور محمودة إلا أن الشطط العقلي يورد المهالك ويخرج عن الصراط المستقيم وذلك عندما نجعل من العقل وسيلة تحليل وحكم على الأمور المتجاوزة للعقل والتي لا تخضع للقياس العلمي أو العقلي كمن يرغب في إثبات وجود الملائكة والجن يقينيا وحسيا باستخدام الأدوات العلمية .

ثالثا : الضمير..
والذي هو دائما أداة محمودة إلا أن الضمير إذا استند على أفكار مغلوطة لا تحترم حاجات الإنسان وعقله يصبح أداة خطرة في يد صاحبه إذ يبيح له الوقوع في أفظع الأعمال معتقدا أنه يحسن صنعا ، كالذي يفجر نفسه في مدنيين أبرياء دفاعا عن دينه ومواجهة لعدو .

وهذه المؤثرات تخرج الإنسان عن فطرته بالإضافة إلى أنها تعطي للإنسان غطاء يشعر معه بأن خطواته لا تزال تدب على الطريق المستقيم رغم أنها قد فارقته ، فلا يشعر بتأنيب ضمير أو عدم عقلانية أو دناءة نفس مما يرتكب ويفعل ، ولذلك لابد من مقياس للإنسان يمكنه من معرفة مدى تمكن هذه المؤثرات من نفسه ، ومعرفة كيفية الثورة عليها والخروج من قيودها ، وهذا المقياس يتكون من :

أولا : الصدق..
وهو العمود الفقري لهذا المقياس ، حيث يصدق الإنسان مع نفسه أولا فلا يتركها نهبا للتبرير والإنكار وغيرها من الحيل الدفاعية التي يدافع بها الإنسان عن أفعاله كي لا يرى قبحها ، فالصدق يجعل من الإنسان قادرا على مواجهة أخطائه بشجاعة ليعترف بها ، ثم عليه بعد ذلك أن تتوفر له صفتان مكملتان للصدق هما المرونة والإرادة ، فالمرونة هي التي توفر له القدرة على الاعتراف بالخطأ والقابلية للتغير والخروج على النمط المألوف الذي يبقيه في قيد الأخطاء ، ثم الإرادة التي توفر له القدرة على الفعل والقدرة على التغيير بما يصاحبها من آلام .

ثانيا : قيد الضمير..
حيث لا يترك للضمير العنان كي يقود صاحبه وإنما يخضع الضمير للكثير من القيود الصحية التي تجعل الإنسان قادرا على إدراك الحقيقة التي يسعى خلفها ضميره ، ومن هذه القيود الصحية الخضوع لحقائق العلم والعقل اليقينية ، والحكم على الأفعال والآراء بمقياس الإنسانية حيث يفكر في صالح بقية البشر لا نفسه أو فئته أو طائفته فقط ، وعدم تقديس الأشخاص والآراء حتى يستطيع قبول الاختلاف ليتعايش المتناقضون في سلام ومحبة .

ثالثا : الحب..
حيث يجعله الإنسان مقياسا يختار به مواقفه ، فما ناقض الحب طرحه وما وافقه أخذ به ، مطبقا ذلك على انتماءاته وأفكاره ومعتقداته ، وبالتالي تتوافق فطرته مع الصراط المستقيم الذي ما استقام إلا بالحب ، فكل من أخذ طريقا متعرجا هو بالضرورة خارج على طريق الحب ، خارج على الصراط المستقيم .

ولكي يستطيع الإنسان أن يطبق هذه الأدوات في تنقية فطرته وعدم الخروج على مقتضى الصراط المستقيم فعليه أن يعيش في جهاد متواصل للنفس ، فينقيها بالتأمل والعبادات بأنواعها المختلفة والرياضات النفسية على اختلافها ، وبقضاء الوقت في الخلوات للتفكر والتحليل ، وأن يعلم المعنى الحقيقي للزهد فلا تستميله الحياة الاستهلاكية ورغبات التسليع المجنونة ، كما عليه قضاء الأوقات في محاسبة النفس وسؤالها عن الأصل وراء رغباتها وأفعالها وأفكارها وعقائدها .

ملحوظة : يمكن العودة لكتاب الوادي المقدس للأستاذ محمد كامل حسين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد