كان صدور رواية «ورثة آل الشيخ» للروائي المصري أحمد القرملاوي عن الدار المصرية اللبنانية، سببًا بالنسبة لي للرجوع إلى روايته الرابعة في مسيرته الأدبية «نداء أخير للركاب»، والتي اقتنيتها وعملًا آخر له يحمل عنوان «أمطار صيفية» في معرض القاهرة الدولي للكتاب الماضي، ولكن لم تتوفر فرصة قراءة هذين العملين على الرغم من تجربتي الجيدة مع الكاتب بعد قراءة أول أعماله الأدبية «أول عباس»، وهي مجموعة قصصية صدرت في يناير 2013 عن دار «الرواق للنشر والتوزيع».

الحقيقة أنّ التجربة الجيدة في القراءة للروائي أحمد القرملاوي تتكرر للمرة الثانية في روايته «نداء أخير للركاب»، هذا العمل الأدبي المحكم الذي قدمه الكاتب بسردٍ ذكيٍ، ولغةٍ رشيقةٍ، وعالمٍ روائي صاغه المؤلف في بناءٍ مُتقنٍ، على الرغم من اختلاف الأماكن التي دارت فيها أحداث الرواية، ومع ذلك التناغم لم يختفِ في أي فصلٍ من فصول الرواية.

بدون حرقٍ لأحداث عملنا الأدبي «نداء أخير للركاب» فأنت هنا أمام هاني رأفت عبد الصمد، بطل الرواية، القادم من أمريكا بعد وفاة والده، والذي يكتشف أنّ الأب الراحل وضعه في مأزقٍ شديدٍ لم يكن يتوقعه، وعليه تجاوزه لاستلام الميراث، من خلال تنفيذ إجراءاتٍ صارمةٍ في كل بلدٍ يحصل فيه على جزءٍ من «التركة»، وبترتيبٍ سالف الإعداد كما جاء في الرواية.

بعد هذا التمهيد القصير، تدرك أنك أمام «3» محطاتٍ عليك أن تتخيل ماذا سيحدث فيها لبطل «نداء أخير للركاب» الذي نكتشف منذ السطر الأول في الرواية أنّ علاقته بوالده لم تكن طبيعية؛ بل مُرتبكة، وغامضة، يقول البطل: «كنت قد نسيت أن لى أبًا حيًا، لا زال يتنفس فوق بقعةٍ من عالمنا مكوّر الشكل، حتى ذكرني موته».

لكن هوية الأب، وحكاياته، وكل أسراره سيتعرف إليها الابن «هاني» خلال رحلة تنفيذ إجراءات الحصول على «التركة» في الكويت، والنمسا، ثم العودة لمصر، وبالتحديد في «واحة سيوة» التي دُفن فيها والده، حيث تكون المشاهد الأخيرة في الرواية.

 «جميعنا تسوقه الحياة فيما يتصوّر في نفسه القدرة على تحويل المسار».

الجزء الأكبر من أحداث الرواية يتركز في الرحلة الأولى للبطل في دولة الكويت، لتنفيذ أول إجراءٍ اشترطه الأب، وهو العثور على شخص هندي اسمه «كريشنا»، واستئجار منزلٍ له بمواصفاتٍ خاصةٍ ذكرها الكاتب في الرواية، ومن خلال هذه الرحلة الصعبة للبحث عن هذا «الهندي» نتعرف إلى كثيرٍ من تفاصيل حياة «الأب» في الكويت، عمله في إدارة أمن الفنادق، وكيف أصبح قريبًا من دوائر صنع القرار والنفوذ في الكويت؟ والغزو العراقي للكويت، وجرائمه، في فصل ظهر من خلاله معرفة الكاتب الجيدة بهذه الدولة التي قضي فيها فترة مهمة من حياته.

أما الرحلة الثانية للبطل لتنفيذ وصايا الأب، فكانت بالنمسا، وهذا الجزء الثاني من الرواية، الأحداث فيه كانت هادئةً جدًا؛ أسلوبًا ولغةً، ولكن هناك حركة ذكية استخدمها الكاتب كانت عاملًا مهمًا في الإثارة، وأحدثت ما يشبه الانقلاب بالنسبة لي أثناء القراءة؛ وهي تلك الجزئية الخاصة بـ«هاني» واعتقاده أنه سيقابل محاميةً شقراء في ريعان شبابها، كان من المفروض أن يجدها بانتظاره عند وصوله إلى النمسا.

فقد ظل يتمنى لقاءها، ويتشوق لرؤيتها، ثم يفاجأ ونفاجأ نحن أنها أخته غير الشقيقة «نينا» من «لاريسا ماتيياس»، الزوجة النمساوية الثانية لوالده، ليبدأ معها الرحلة الثانية في إنهاء الإجراء الذي طلبه والده.

 «البشر تروس؛ تروس كبيرة تُحرك تروسًا أصغر فأصغر بلا نهاية، كبُرت أو صغُرت ستتآكل التروس، ستبصقها الماكينة وتستبدل بها تروسًا جديدة، وتستمر في الدوران».

أما الرحلة الثالثة فكانت قصيرةً أيضًا، وتشبه العودة إلى الجذور، فالبطل يسافر إلى واحة سيوة المدفون فيها والده، ومقابلة الشيخ مدني، الذي يمتد نسبه لـ«قبيلة أمازيغية»، وهناك سنتعرف على شروط الأب المُطالب «هاني» بتنفيذها للحصول على «التركة».

هذه هي الحبكة الأساسية التي تعتمد عليها رواية «نداء أخير للركاب» بدون حرقٍ لأحداثها من خلال هذا «الريفيو»، لكن بالطبع عالم هذا العمل الأدبي متسعٌ وممتددٌ، فضلًا عن أن هذه الرواية اشتبكت سريعًا مع عدة قضايا مثل تظاهرات انتفاضة الخبز، رفض التحولات السياسية التي شهدتها البلاد عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل، الانفتاح الاقتصادي، الالتفاف صوب المعسكر الغربي، تجاوزات السلطة مع النشطاء، وهذه القضايا ارتبطت بوالدي بطل الرواية؛ الأم «الثورية» أصلًا، والأب الذي كان رائدًا في القوات المسلحة، ثم استقال منها، بسبب رفضه الأمور السابقة، فضلًا عن أن الرواية كشفت عن تفاصيل دقيقة في ما يخص الحياة بالكويت.

على الرغم من أنّ والد «هاني» نعرف أنه رحل منذ السطور الأولى للرواية، إلا أنّه كان حاضرًا في كل صفحاتها؛ بل إن التفاصيل التي عرفها الابن عن والده في الكويت، تكشف عن أن هذا البطل/الراحل كان شخصًا قويًا ذا نفوذٍ هناك؛ وحسنًا فعل الكاتب باختيار مهنة الأب باعتباره قادمًا من الحياة العسكريةٍ، حيث كان رائدًا بـ«القوات المسلحة» منتميًا لـ«الصاعقة»، هذا السلاح المرتبط في أذهان الجميع بالقوة والبأس والاشتباك.

وكما كانت علاقة هاني «مرتبكةً» بالأب، فإنها يبدو كانت كذلك أيضًا مع زوجته وابنته؛ وربما يفسر هذا الأمر شيئًا لم أقتنع به ولم يعجبني في الرواية، ذلك الجزء الخاص بلهاث البطل وراء إقامة أي علاقةٍ مع الجنس الآخر حتى لو كانت هذه العلاقة سريعةً عابرةً مع «الحسناء الشامية» في الفندق خلال تواجده في الكويت، أو حتى أحلامه في رؤية فتاةٍ شقراء تنتظره بالنمسا والتي قلنا إنه سيكتشف لاحقًا أنها أخته غير الشقيقة.

وربما لجأ الكاتب إلى هذه الحيلة ليدلل على العلاقة المرتبكة بين بطل روايته وزوجته التي تبحث عن الطلاق بأي وسيلةٍ بحثًا عن المكاسب.

 «الزمن هو الماكينة الكبرى التي تأكل الجميع وتبصق هياكلهم، هو الوحيد الماضي دوما إلى الأمام، كل ما دون ذلك تروس».

أثناء القراءة في هذه الرواية، فإنني للمرة الثانية «أُصفق» للكاتب؛ كانت المرة الأولى في النقلة الخاصة الأكثر إثارةً عندما يكتشف البطل أنّ له أختًا غير شقيقة في النمسا، بينما المرة الثانية أثناء قراءة تفاصيل الرحلة الثالثة والأخيرة للبطل، وذلك عند هذا المشهد الذي تخيلت فيه أبطال الرواية واقفين على قبر والد هاني في «واحة سيوة»، مشهد يشع دفئًا وأصالةً وحنينًا للماضي.

يكتب «القرملاوي» على لسان بطله: «في المساء هاتفت نينا، ولاريسا، وأمي، وتايا، كانت ساندي نائمة، سألت تايا أن تبلغها رسالتي، حتى المحامي الكويتي دعوته، طلبت إليه أن يهاتف أنيشكا ورانهيتا، ويحمل إلىّ كريشنا بأية طريقة ممكنة، الجميع مدعوٌ لحضور افتتاح البيت بعد توسعته، موعدنا إجازة الكريسماس القادمة، الجميع هنا، في بيت أبي، وأمام قبره»، وأتصور أن هذه الرسالة هي «النداء الأخير للركاب».

من الأشياء الأخرى التي أعجبتني في هذه الرواية، تقسيمها لـ«فصولٍ قصيرةٍ»، أنجذب للروايات وكتّابها الذين يستخدمون هذه الطريقة في الكتابة، خاصة عندما تكون اللغة رشيقةًً، والسرد ذكي مُحكم، ففي «نداء أخير للركاب» أنت أمام 42 فصلًا قصيرًا تكشف لك تفاصيل الرحلة الكاملة لـ«هاني»، والماضي الغامض الذي يعود ويتكشف أمامه بقوة القانون؛ خاصة أن البطل مُجبرٌ هنا على تنفيذ الإجراءات التي طلبها والده، وصيغت في بنودٍ قانونيةٍ صارمةٍ.

رواية «نداء أخير للركاب» تقع في 221 صفحة، وصدرت عن دار الشروق، الطبعة الثانية 2019، بغلافٍ متميزٍ ومعبرٍ جدًا للفنان أحمد مراد.

ولد الكاتب أحمد القرملاوي في القاهرة عام 1978، وانتقل مع أسرته لدولة الكويت، ودرس هندسة التشييد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وكان الأول على دفعته عام 2001، وهو حاصل على درجة الماجستير من جامعة إدنبرة، باسكتلندا، ويعمل مديرًا لشركته الخاصة في مجال التصميم المعماري والتصميم الداخلي.

من أعماله: المجموعة القصصية «أول عباس»، ثم روايات «دستينو»، «أمطار صيفية»، «التدوينة الأخيرة»، «نداء أخير للركاب»، وتعد رواية «ورثة آل الشيخ» أحدث أعماله الأدبية.

حصلت روايته «نداء أخير للركاب» على جائزة أفضل رواية من الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب، وحصلت روايته «أمطار صيفية» على جائزة الشيخ زايد للكتاب فرع المؤلف الشاب لعام 2018.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد