بدأ الربيع العربي من تونس الخضراء أواخر 2010، وبعدها في ليبيا ومصر، ثم اليمن، وسط ذهول العالم وترقبه للأحداث المتسارعة، وإلى أي طرف ستكون الغلبة. الناس في سوريا لم تزل تراقب وتنتظر بعيون مليئة بالخوف والحذر، وأخرى مفعمة بالأمل والخلاص.

أخيرًا فعلتها الشعوب العربية وهبت لنيل حريتها وكرامتها. نعم الكرامة التي كدنا ننساها بعد مرور العقد الرابع على الحكم العسكري الجبري لآل الأسد سلطة الحديد والنار، سلطة المقاومة الكاذبة المقاولة المفضوحة مع الصهاينة وأذنابهم. أود أن أعترف بأني كدت أفقد الأمل في انتقال عدوى ثورة الحرية إلى بلدي، وذلك لمعرفتي المطلقة بأن سلطة الحديد والنار لن ترحم طفلًا أو شيخًا أو امرأةً أو شابًا، حتى مجرد التفكير بثورة كان مجرد حلم أو ضرب من الخيال. إنه حكم آل الأسد الديكتاتوري الطائفي.

أذكر مرة بأني كنت أتابع مجريات الأحداث مع الوالد؛ فسألته: «يا أبتي متى دورنا نحن؟ متى تنطلق شرارة الثورة في سوريا؟». فأطرق قليلًا ثم التفت إليّ وقال: «راحت علينا يا ولدي لم يعد هناك أمل سنبقى تحت حكم بشار وولد بشار من بعده. مستحيل الخلاص إلا بمعجزة من ربنا»، هكذا قالها لي. ولكن المسلم الحق يؤمن بقضاء الله جل جلاله، وأنه لن يسمح بدوام الظلم والطغيان للأبد، فله حكمته سبحانه وتعالى. الله تكفل بنصر دينه وحفظ قرآنه. قال تعالى «وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ» (القصص).

في عام 1871، الجنرال الماسوني ألبرت بايك، وكان معروفًا بدمويته، يبعث برسالة خطيرة محتواها افتعال الحروب العالمية الأولى والثانية والثالثة، والسيطرة على العالم. الهدف من الأولى إسقاط الخلافة الإسلامية وإسقاط حكم قيصر روسيا، بعدها إشعال الحرب العالمية الثانية وبروز الشيوعية ودعمها في مواجهة الدول الأوروبية التي تتبنى النظام العلماني الرأسمالي، وتهيئة الظروف لإنشاء دولة إسرائيل -وقد حدث-، بعدها ينشغل العالم بالحرب الباردة بين القطبين الروسي والأمريكي بين الشيوعية والعلمانية الغربية.

في عام 1990، نشبت حرب الخليج الثانية وبدأنا ندخل في مخطط الحرب العالمية الثالثة، وتجلى ذلك بعد إسقاط برجي التجارة العالمية في أمريكا، واحتلال أفغانستان والعراق، وعندها بدأ يظهر الشرخ الأمريكي بين أقطاب الدولة العظمى البنتاجون ورجاله من طرف، والدولة العميقة ولوبي البنك المركزي الأمريكي، واللذان يسيطران على أكثر من 50% من اقتصاد العالم، ويسمونهما الثلاث عشرة عائلة المتحكمة باقتصاد العالم، وعلى رأسهم عائلة روتشلد، من طرف آخر. سبب الصراع أن البنتاجون وترامب يريدون استمرار الهيمنة الأمريكية على العالم بقوة السلاح والدولار للمئوية القادمة، ولكن الدولة العميقة لها رأي آخر، وقد أصدرت الأمر وتخلت عن الدولار الأمريكي واتجهت نحو الصين. سقوط الدولار مسألة وقت لا غير، بشهادة الخبراء.

لو بحثنا خلف أصحاب أكثر شركات وبنوك الصين سنجدها مملوكة لهذه العائلات. وهذا تفسير التخبط وعدم التوازن في إدارة ترامب والبنتاجون. وأعتقد قضية خاشقجي وابن سلمان ليست بعيدة عن هذا الصراع. ومشروع التنين الصيني الاقتصادي (طريق الحرير) للمائة سنة القادمة، وكذلك ما يسمى blockchain، ومصطلح عصر الديجيتال والروبوت والعملة الرقمية العالمية مثل البتكوين وغيرها. وهنا أدعو الأخوة المهتمين بالتعمق أكثر وفهم المؤامرات التي تحيط بالإنسانية كلها ليس فقط العرب والمسلمين. ما أود قوله لا يوجد شيء صدفة كل ما يحدث حولنا هو نتيجة تخطيط ومؤامرات قد تكون لمائة سنة قادمة أو أكثر، وهذا دائمًا ما نغفل عنه للأسف الشديد في عالمنا العربي والإسلامي. المائة سنة الأخيرة كانت كارثية لمنطقتنا ولعالمنا الإسلامي.

لقد أشعلت أمريكا وأذنابها فتيل الثورات العربية بحجة شرق أوسط جديد؛ لزيادة التقسيم: وإضعاف المنطقة، وترسيخ الجهل، بل وتغريبنا عن ديننا ومعتقداتنا، ويمكن القول بأنهم نجحوا نجاحًا جزئيًّا، ومثال ذلك التخاذل العربي في قضية الأقصى وفلسطين، ومحاربة رمز المقاومة الإسلامية غزة، وحبس خيرة العلماء في بلاد الحرمين الشريفين، وغيره من مآس يندى لها الجبين.

ولكن في المقابل سيذكر التاريخ أن أمريكا والدولة العميقة قدمت لنا خدمة العمر من حيث لا تدري. وأعتقد أن هذا من لطف الله بنا؛ إذ ساهمت بإشعال ثورات الكرامة والحرية من جديد كما أسلفنا، ولكن لن تقف هذه المرة أبدًا بإذن الله حتى تنكسر الأصنام وتتحطم الطواغيت في الشام ومصر والحجاز وفي كل بلادنا العربية. نعم المصاب جلل، والشهداء بالملايين، ولكن وكما قيل على قدر المحن تكون المنح بإذنه تعالى. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد