في لحظة تأمل طويلة كنت أنظر حينها إلى هذا المنظر البديع، سبحان من أبدعه!

سماء زرقاء صافية، جبال شامخة مهيبة تُطل على نهر أزرق جارٍ، لا شيء أمامي سوى طبيعة غنية بكل شيء، شردت بذهني بعيدًا أتفكر فيمن أبدع كل هذا الجمال، أعتقد أن هناك شفرة كونية في هذا الكون العظيم.

أناس كثيرون يعتقدون أن هناك رسالة حقيقية في هذا الكون أرسلها أحد ما، وأن وجود الشفرة هو دليل على وجوده، ومحتوى الرسالة يُخبرنا شيئًا عنه، لكن مَن هو واضع تلك الشفرة، هل هو الإله أم أنه أحد الكائنات الفضائية، أراكم تضحكون من حديثي.

إذا تخيلنا أن الإله هو الذي وضع شفرة الكون نجد أن الغريب في الأمر أن الإله قد كتب نفسه خارج هذه الشفرة، إنها رسالة غريبة دون دليل على شيء غريب، قولوا لي ماذا تعتقدون: هل الإله هو الرسالة، أم أنه كاتب الرسالة؟ أم أن الرسالة قد كتبت نفسها؟

أعتقد أن قوانين الطبيعة هي الرسالة، وأن الإله هو الذي أرسل الرسالة، وعلى الرغم من ذلك فإن وجود قوانين الطبيعة أهم بكثير من وجود المادة التي خُلقت منها الطبيعة، لكن لو أننا استبعدنا فكرة الإله، سُيصبح وجود القوانين سرًّا عميقًا.

حينها سنبدأ في التساؤل من أين يا تُرى تأتي القوانين؟ ومَن أرسل الرسالة؟ فهل القوانين موجودة هنا بكل بساطة عائمة حرة؟ الغريب بحق هو أن هذه القوانين تُطبق في كل مكان من الكون، وفي جميع فترات التاريخ الكوني، ولا تسمح باستثناءات، أليس هذا غريبًا؟

على الرغم من ذلك، فإن هناك قوانين أخرى مختلفة لم نستطع بعد أن نكتشفها، مثل صور الأحلام مثلًا، فهي الأخرى موجودة على الأقل بالنسبة للحالم، كذلك الأفكار، والعواطف، والذكريات، والأحاسيس، لا يمكننا أن نستبعدها ونقول عنها إنها ليست موجودة، على الرغم من أن طبيعتها مختلفة عن قوانين المادة، فهي الأخرى لها قوانين، لكننا لم نكتشفها بعد.

إذا نظرنا إلى الموسيقى والأدب، فهناك السيمفونيات والروايات الأدبية التي لا يمكن مساواتها بكل بساطة مع المخطوطات التي كُتبت عليها، فهذه أشياء لها وجود ذهني وغير ملموسة، وهناك أيضًا الرياضيات التي تحتل مكانة مرموقة في العلم، فعندما نقول إن هناك نظرية ما حول الأعداد الأولية مثلًا، فإننا لا نعني أنه من الممكن الإمساك بهذه النظرية، لا أحد يُنكر أن لها وجود من نوع ما.

يعتقد العلماء أن القوانين الفيزيائية لها وجود متعال؛ فهم دومًا يتحدثون عن اكتشاف قوانين، وأن هذه القوانين كانت موجودة في مكان ما، وأن أحدًا ما قد وضعها.
لكن إذا كنتم في حيرة من الأمر، فإن الإله هو القوة المسببة الأولى، والطبيعة هي القانون، والمادة هي المنفذ، لكن السؤال هو أي إله؟ ذاك الذي تتساوى قدرته مع إرادته؟
النظام في الطبيعة هي حقيقة لا يجادل فيها أحد، أليس كذلك؟
وقوانين الطبيعة ما هي إلا محاولات حتى نفهم الكون المنظم هذا، لذا فحتى نفهم نظام الكون علينا تشريحه، أليس كذلك؟ لكن كيف ذلك؟ إننا لا نستطيع أن نفهم جميع أنظمة الطائرة، لكن كل جزء منها مفهوم من قبل شخص ما، وإننا سعداء لأننا نفهم سلوك الطائرة ككل، الوضع نفسه ينطبق على العلم؛ فلولا تشريح أنظمة الطبيعة ما كنا سنصل إلى هذا، لذا فإن نظام معقد مثل الجسم البشري بالإمكان فهمه من خلال معرفة سلوك الجينات والخلايا وغيرها، وبالتالي نحن قد جزأنا الجسم كي نفهمه، لكن ما علاقة هذا بالقوانين؟

سأوضح لكم الأمر، فعلى سبيل المثال هناك نظرية التطور التي تقول إن أحد الدببة البنية بالمصادفة قد وُلد دبًّا أبيض، وقد تمكن هذا الدب الأبيض من أن يعيش لأنه استطاع أن يزحف إلى فريسته دون أن تلاحظه، لذا لقد عاش فترة أطول من منافسيه الدببة البنية، وما إن مضى وقت طويل حتى سيطرت الدببة البيضاء، وقد حصلت على كل الطعام، وغاصت الدببة البية في غياهب الانقراض.

يصعب أن نتخيل أن قصة كتلك التي قصصتها عليكم ليست قريبة من الحقيقة، لكن لا بد أن يوجد الكثير من الدببة كي تبدأ القصة، فأحد أفراد مجموعة الدببة يلد بمحض الصدفة دبة بيضاء، وبالتالي تُكتسب صفة وراثية عند الدببة الأخرى، وهذا كله يتوقف على الطبيعة؛ لأنها قادرة على الانتقاء بين الأفراد، لكن عندما يأتي الأمر إلى قوانين الطبيعة فلا يوجد مجموعة من المنافسين؛ فالقوانين يتفرد بها عالمنا، فإذا كانت تلك هي الحالة، أي وجود الحياة يتطلب وجود قوانين الفيزياء والشروط البدائية في الكون لكي تتناغم جيدًا، وبدرجة عالية من الدقة، عندئذ يبدو أن وجود تصميم أمر ملزم، وهو ما يتطلب وجود الإله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات