أولًا الحسد

الحسد هو شعور قلبي؛ فيتمنى الحاسد زوال النعمة عن المحسود، أما العين فهي: نظر مشوب بحسد ينتج عنه ضرر للمحسود([1])

لا ينكر عاقل وجود الحسد؛ فكلنا يعرف مرضى النفوس الذين يكرهون أن ينعم غيرهم، أما العين، هل هي حق؟ هل يستطيع الحسد أن يؤثر في الواقع بلا وسيلة؟ مجرد نظرة تقتل وتُمرِض؟

القرآن:

ذكر القرآن الحسد صراحة في أربعة مواضع:

1. (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ)

2. (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)

3. (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا)

وكلها تفيد أن الحسد شعور قلبي فقط دون أي إشارة لوجود أثر مادي لهذا الشعور.

4. أما في سورة الفلق، فذكر الاستغاثة من (شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، وتشير الاستغاثة إلى وقوع ضرر، وإلا لم نستغيث منه؟

تشير الآية إلى الاستعاذة من شخص الحاسد وليس فعل الحسد، فقالت (شر حاسد إذا حسد)، ولم تقل (شر الحسد)، وبذلك فالمضر هو الشخص الحاسد؛ إذ معلوم أن الحاسد كاره للمحسود، فيتلمس الحيل والخدع ليضره، فشر الحاسد في تدبيره المادي ضد المحسود، وليس مجرد شعور الحسد.

يقول القرطبي: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه، ويطلب عثراته.([2]وهو ما اتفق عليه ابن عطية، والزمخشري، وابن عاشور، والمراغي.

آيات أُخَر فسَّرها البعض على أنها تثبت تأثير الحسد: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ)

فسر البعض تدبير يعقوب بأنه خوف من أن يصيبهم عين، ولا نجد دليلًا على ذلك، فوارد أن يعقوب كان يخشى شيئًا آخر، فقد نقل الرازي، والمراغي، وابن عاشور تخوفًا آخر ليعقوب: نهاهم أن يدخلوها من باب واحد خشية أن يسترعي عددهم أبصار أهل المدينة وحراسها، خاصة وأزياؤهم أزياء الغرباء، فيوجسوا منهم خيفة من تجسس أو سرقة، فربما سجنوهم أو رصدوا الأعين إليهم، فيكون ذلك ضرًا لهم وحائلًا دون وصولهم إلى يوسف .. ولما كانت إقامة الحراس على أبواب المدينة، اقتصر على تحذيرهم من الدخول من باب واحد دون أن يحذرهم من المشي في سكة واحدة من سكك المدينة.([3])

المهم أن الآية لم تُظهِر سب تخوف يعقوب، بل أظهرت تخوفه فقط لتستشعر حبه لابنه الأصغر الذي أخذوه معهم هذه المرة تحديدًا بعد إلحاح شديد.

(وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ)

فسر البعض (يزلقونك بأبصارهم) أي يوقعونك بعيونهم، مما يثبت تأثير الحسد! إلا أنه تعبير شائع تستخدمه العرب للتعبير عن شدة نظرتهم وغيظهم([4])، كما قال الشاعر:

يتقارضون إذا التقوا في موطن .. نظرًا يزل مواطئ الأقدام

السنة

وردت أحاديث تفيد أن العين حق، والعين تُدخِل الرجل القبر والجمل القِدر، وإن أكثر هلاك أمتي في العين.

إلا أن كلها أحاديث آحاد، (أي رواه واحد أو اثنان فقط)، والآحاد قد يطرأ عليه الكذب، أو السهو، أو تحريف لفظ، أو سوء فهم، وبالتالي لا يفيد اليقين، فلا يُؤخذ به في الاعتقادات. وهو ما أقره المعتزلة، والماتريدية، ومحمود شلتوت، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحمد عماره، وسيد قطب([5]).

وقد عبَّر النبي عن الغبطة بلفظ الحسد في قوله: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسُلط على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلمها”([6])، فلا مانع أن يكون قد عبَّر عن الحسد بلفظ العين، باعتبار العين أداة الحسد.

وقيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ قال: أنسيت إخوة يوسف؟ نعم، ولكن غمَّة في صدرك، فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدًا ولا لسانًا.([7])

ويقول الغزالي: ولعلك تقول ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسد. وهذا غاية الجهل؛ فإنه بلاء تشتهيه أولًا لنفسك، فإنك أيضاً لا تخلو عن عدو يحسدك، فلو كانت النعمة تزول بالحسد لم يبق لله عليك نعمة ولا على أحد من الخلق، ولا نعمة الإيمان أيضًا، لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الإيمان. (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) .. إذ ما يريد الحسود لا يكون.([8])

ثانيًا السحر

يقول البعض أن السحر قادر على قلب طبيعة الأشياء؛ فيقلب العصا حصانًا، ويستطيع أن يحرك شيئًا بلا وسيلة، ويستطيع أن يُمرِض ويقتل ويؤذي بأن يعقد الساحر عقدة ويرميها في مكان مهجور، أو يقرأ قرآنًا بنية إيذاء أحد .. الخ!

أدلة القائلين بالسحر

1. (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)

قالوا في تفسير الآية أنه لما كثر فساد بني آدم عيَّرتهم الملائكة، فقال الله لهم: لو كنتم مكانهم وركبت فيكم ما ركبت فيهم لعملتم مثلهم. فقالوا: سبحانك، ما ينبغي لنا. فاختار الله منهم مَلَكَين، وركَّب فيهما الشهوة، وأنزلهما الأرض، ففُتنا بامرأة وقتلا رجلًا، فخيَّرهما الله بين العقاب في الدنيا أو الآخرة، فاختارا الدنيا، فمسخهما الله، وهما يُعذبان في بابل.

ومن هذه الرواية خرجت رواية أخرى: أنه بعد وفاة النبي جاءت امرأة إلى عائشة تسألها عن التكفير عن أعمال سحر ارتكبتها كانت قد تعلمتها في بابل، فكانت لا تريد شيئًا إلا يحدث، ولم تجد النبي، فرحلت.

وهذه، كما ترى، روايات لا تصح سندًا ولا متنًا، وما هي إلا خزعبلات تقر أن الملائكة كذَّبوا الله! وأن الله يحول الملائكة إلى بشر لأسباب تافهة! وأن الملائكة تُمسخ، وأنها تُخير بين عقاب أخروي أو دنيوي، وهو مالم نرَ له مثيلًا أو أصلًا! وأنه ليس لنواميس الكون التي وضعها الله أي قيمة أو ثبات! وأن حفنة من السحرة تدير الكون كما تريد!

والآن نتطرق للجمل التي أثارت أفهام خاطئة ..

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) .. هل تثبت أن البشر تتصل بالجن وتسمعهم؟

الشيطان هو كل متمرد خارج عن طاعة الله من الجن أو الإنس، (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ)، والتلاوة: التتابع. وبذلك فمعنى الآية: أنهم اتبعوا شياطينهم من الإنس في الكذبة تلو الكذبة عن ملك سليمان.

(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) .. هل تقر الآية أن هاروت وماروت كانا مَلَكين أنزلهما الله بتعاليم السحر؟

الآية تنقل ادعاء اليهود الباطل: أن سليمان كفر، وأن هاروت وماروت مَلَكَين أُنزل عليهما تعاليم السحر! لكن الآية لا تقر هذا المعنى.

ولو كان المقصود أنهما مَلَكَين أنزلهما الله ليعلمان الناس السحر، لما ذكر الإنزال بلفظ (أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ)، وكان الأوفق أن يقول: (أُنزل مع الملكين) أو (أُنزل به الملكين)، أما التعبير (أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) يفيد أنهما من أهل الأرض.([9])

ويقول محمد عبده: قيل: هما رجلان صاحبا وقار وسمت، فشُبها بالملائكة، وكان يؤمهما الناس بالحوائج الأهلية ويجلونهما أشد الإجلال، وشُبها بالملوك.([10])

(فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) .. هل يدل على قدرة السحر على التفريق بين الزوجين؟

صيغة المضارع لتصوير الماضي كأنه يحدث حالًا، والكلام تصوير للقصة لا حكم بمضمونها؛ أي أنهم كانوا يتعلمون ما وُضع لأجل التفريق بين الزوجين، وليس في العبارة ما يدل على أن ما يتعلمونه يضر أو لا يضر.([11])

أما معنى الآية إجمالًا، فيقول القاسمي: “اليهود كذَّبوا القرآن، ونبذوه وراء ظهورهم، واعتاضوا عنه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه، وزعموا أنه كفر، وهو لم يكفر، ولكن شياطينهم (أئمة الكفر) هم الذي كفروا وصاروا يعلمون الناس السحر، ويدَّعون أنه أُنزل على هاروت وماروت اللذين سموهما ملكين، ولم يُنزل عليهما شيء، وإنما كانا رجلين يدعيان الصلاح.”([12])

2. (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) والمراد الساحرات، فقالوا: طالما ذُكر الاستغاثة من الساحرات، فهو يثبت قدرتهن على الضرر!

والرد نفس ما ذكراه في آية (من شر حاسد إذا حسد)؛ فذكرت الآية الاستعاذة من الشخص لا من الفعل، يقول ابن عاشور: “جُعلت الاستعاذة من النفاثات لا من النفث، للإشارة إلى أن نفثهن في العقد ليس بشيء يجلب ضرًا بذاته، وإنما يجلب الضر النافثات، وهن متعاطيات السحر؛ لأن الساحر يحرص على الاحتيال لإيصال ما يعمل لأجله، فربما وضع له في طعامه أو شرابه عناصر مفسدة للعقل أو مهلكة.”([13])

ثالثاً: هل يستعين الساحر بجن؟

يدَّعي البعض أن بعض السحرة يرافقون جنًا ويعرفون منهم الغيب، ويستدلون بسيطرة سليمان على الجن، (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)

الآية حجة عليهم لا لهم؛ إذ تثبت الآية أن تحكم سليمان في الجن كان معجزة فريدة، لا ينبغي لأحد من بعده أن يتمكن منها، فقال سليمان: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)، وبذلك فالآية دليل ينفي سيطرة الإنس على الجن من بعد سليمان، ولو استطاع البشر العاديين تسخير الجن، فما قيمة معجزة سليمان؟

واستدلوا بآية أخرى ليثبتوا أن الساحر يستخدم الجن لمعرفة الغيب: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)

تشير الآية إلى أن الكهان كانوا يعتمدون على الجن ليخبروهم بالغيب، أما الآن فقد أقر القرآن أن اطلاع الجن على الغيب قد انتهى، (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا).

ولو افترضنا تعسفًا أن الجن يعلم الغيب، فالبشر لا يمكن أن يروا الجن، فكيف يستعينون بهم؟! (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ)، وقد أنكر الجصاص استعانة البشر بالجن([14])، ويقول الشافعي: من ادعى أنه يرى الجن، ويستعين بهم، فإنا نرد شهادته، ونتهمه بالكذب.([15]).

رابعاً: هل سُحر النبي؟

ورد حديث يفيد أن النبي قد سُحر، وأنه كان يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله. إلا أن في سنده هشام بن عروة، وهو مدلس.

ومن حيث المتن، هذا الحديث آحاد، وقد وضع العلماء شروطًا لقبول حديث الآحاد، أهمها: أنه لا يعارض القرآن، وهذا الحديث يتعارض مع قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)؛ إذ لو تمكَّن أحد أن يؤذي النبي بالسحر، فأين عصمة الله لنبيه؟!

ويتعارض الحديث أيضًا مع قوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا)؛ وبذلك وبخ الله الكافرين لادعائهم الكاذب أن رسول الله مسحور، وبهذا التوبيخ يؤكد القرآن قطعًا أن النبي لم يُسحر، وإلا لم وبخهم؟!

ومن يثبت تأثير السحر يدَّعي أن آيات وأذكار إذا قيلت، تعصم المرأ من السحر، فكيف عجز النبي عن حماية نفسه من السحر؟!

وقالوا أن النبي قد سُحر ثم نزل بعدها سورة الفلق، إلا أن سورة الفلق مكية وقصة السحر قالوا حدث في المدينة!([16])

الأدلة النافية لتأثير السحر:

1. (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)

بالرغم من وصف الله لسحرهم بأنه (عظيم)، إلا أنه وصف تأثيره بقوله: (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ)، وبذلك فمجال عمل الساحر – مهما كان عظيمًا – هو أعين الناس وليس قلب الحقيقة، فالسحر ما هو إلا خدع باستخدام العلم أو خفة يد لا تؤثر في الواقع، لذا سماه إفكًا، أي كذبًا، (فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)، ولذلك حين أكلت حية موسى عصيهم، أدرك السحرة أن فعل موسى ليس سحرًا خياليًا يخدع أعينهم، وإنما هو حقيقي يؤثر في الواقع، إذن فهو معجزة من عند الخالق، فخروا سجدًا.

وقال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)، وهو تعبير دقيق يفيد أن سحرهم خيال لا واقع حقيقي.

2. لو استطاع الساحر قلب حقيقة الأشياء، فجَعَل العصا ثعبانًا، والماء يتصلب، فما الفارق بين السحر والمعجزة إذن؟ ولو تساوى السحر مع المعجزة لأصبحت المعجزة غير بينة في ذاتها، وما أصبح للرسل حجة على الناس!

(وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)

هنا يتهكم الله على الكافرين الذين يقولون لما لمسوه بأيديهم أنه سحر، ويظهر أن نزول كتاب ملموس لا يمكن أن يكون مما يلتبس على الناس، لماذا؟

لأنهم حين يلمسوه بأيديهم، فهو بلا شك واقع حقيقي، وليس تخيلات بصرية، وكل ما هو واقع حقيقي يستحيل أن يكون سحرًا، بل معجزة يقينًا.

وبذلك تقر الآية حدًا صارمًا بين السحر والمعجزة؛ المعجزة تستطيع قلب الأعيان وتغيير الواقع، ملموسة، تغير نواميس الكون. أما السحر فهو تخيلات بصرية، لا يستطيع أن يغير في الواقع المعتاد ونلمس أثره، فما بالك بمن يدَّعي قدرته على قلب نواميس الكون؟!

3. لو استطاع الساحر الاستعانة بالجن ومعرفة مكان عقدة سُحرت لي، أو مكان مسروقاتي، فهو يستطيع معرفة الغيب عمومًا، وبالتالي لا يصعب عليه معرفة نتائج انتخابات، ونتائج حروب، واقتصادات العالم! ولو استطاع قلب حقيقة الأشياء لاستطاع أن يخلق ذهبًا، ويقتل جيوشًا! وبذلك لو صدق وجود قدرة للساحر، لترك البشر أعمالهم ونسـتأجر سحرة تدير حياتنا وتتحدى قوى الطبيعة ونواميس الكون!

يقول القاضي عبد الجبار: لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب، لكن نرى من يدعي السحر متوصلًا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد، فعلمنا كذبه.([17])

4. فرض الله على البشرية إقامة العدل؛ وأنزل رسلًا، وكتبًا، وشرائع، وحدودًا، وفرض الجهاد لإقامة العدل، لكن كل هذا التدبير لن يستقيم لو افترضنا وجود تأثير للسحر والحسد؛ لأن حينها سيكون بيننا حاسد وساحر يطيح في الدنيا الفساد دون رقابة أو حساب، فبنظرة يُدخِل الرجل القبر، وبتعويذة يفرق بين المرأ وزوجه، وبقدرته يسلب الرجل عقله، كل هذا ولا نعرف من هو، ولا نستطيع عقابه! فأي فوضى وهمجية التي تمكِّن حاقد/فاسق/مريض نفسي من سلاح مدمر يملك به رقاب الناس، ودون رقابة أو حساب؟!

وإن قلت أنه يوجد آيات تعصمنا من تأثير الحسد والسحر .. هل من الحكمة أن تعطي سلاحًا بيولوجيًا لمريض نفسي، ثم توزع على الناس أقنعة، وتحذرهم: من ينسى قِناعه يستحق ما يلقاه؟!

وقد أنكر كثير من العلماء قدرة السحر في تغيير الواقع، منهم محمد عبده([18])، والبوطي([19])، وعبد المتعال الصعيدي([20])، وسيد قطب([21]).

منطقيًا

يقول هو: رأينا حالات كثيرة يطرأ عليها أعراض عجيبة، لا نجد لها تفسيرًا غير أنه محسود أو مسحور!

أولًا: كي نقول أن (أ) هو المسبِب الذي أدى لحدوث (ب)، يجب التأكد أن في كل مرة يحدث (أ) يحدث بعدها (ب). هل هذا ينطبق على الحسد/السحر؟ هل في كل مرة يُعجب الحاسد بشيء يتضرر المحسود؟ وهل كل ما يريده الساحر يحدث؟ مؤكد لا، وإلا أصبح الحاسد/الساحر قوة تدميرية أكثر فتكًا من الأسلحة النووية!

لذلك لا نملك علاقة دائمة بين الحسد/السحر والضرر، بل الحسد والسحر أصلًا قوتان غير قابلتان للاختبار، لا نملك أداة لرصدهما، فكل من ينسب فعلًا للحسد كمن يقول أن سوء الحظ هو المسبِب لفشله، كلها مسبِبات لا يمكن اختبارها، وبلا دليل، فلا معنى لها!

ثانيًا: إذا لم تجد علاجًا لمرضك، هل تأخذ بأقرب علاج أمامك باعتباره هو المتاح؟! بعض الناس يتعامل بهذا المنطق مع مشكلاته؛ إن لم يجد تفسيرًا لما يحدث أمامه، يختار أي تفسير سهل، وطبعًا ليس أسهل من التفسيرات غير القابلة للاختبار: سحر/حسد/إرادة الله/إغواء الشيطان/مؤامرة!

نحن نعترف أن بعض الحالات المرضية غريبة وشاذة بحيث يعثر علينا تفسيرها، إلا أن ذلك لا يعني قبول أي تفسير، هنا يلزم التوقف حتى يكشف العلم عن سبب يرتضيه، (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)، فإن لم نجد تفسيرًا يرتضيه الشرع، ويقبله العلم، ويبلعه المنطق، فلا سبيل غير التوقف.

ختامًا ..

لا نكتفي بالقول أن القرآن لم يثبت تأثيرًا للحسد والسحر، بل نقول أنه أبطل كل مفهوم خيالي/وهمي/خرافي للتغيير، وحمَّل الإنسان مسئولية تغيير واقعه، ولا سبيل للتغيير في الكون إلا بتغيير مادي/ملموس/مؤثر/موافق لنواميس الكون. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، فالله نفسه، بقدرته وعظمته، حين يتدخل في حياتنا، لا يغير نواميسه وقوانينه، فما بالنا بحاسد مغلول أو ساحر مخبول؟!


المصـــادر:
[1]. (فتح الباري) ج10 ص210

[2]. (الجامع لأحكام القرآن) ج10 ص232

[3]. (التحرير والتنوير) ج14 ص20

[4]. (تنزيه القرآن عن المطاعن) ص378، وراجع تفسير (الكشاف)

[5]. (في ظلال القرآن) ج30 ص4008

[6]. (صحيح البخاري) رقم (73) ص31

[7]. (إحياء علوم الدين) ج3 ص189

[8]. (إحياء علوم الدين) ج3 ص197

[9]. (حقيقة السحر بين الموروث والمنصوص) ص35

[10]. (تفسير المنـــار) ج1 ص332

[11]. (تفسير المنــار) ج1 ص333

[12]. (محاسن التأويل) ص366-367

[13]. (التحرير والتنوير) ج31 ص629

[14]. (المنــار) ج9 ص42-51

[15]. (بيني وبين حامد الفقي) ص23 نقلًا عن البيهقي في مناقب الشافعي، (تفسير المنـار) ج8 ص328

[16]. ذكره القاضي عبد الجبار، ومحمد عبده في (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج5 ص542-545، وسيد قطب في (في ظلال القرآن) ج30 ص4008

[17]. (تفسير القاضي عبد الجبار) ص81

[18]. (المنــار) ج1 ص334

[19]. (فقه السيرة) ص364-365

[20]. (مجلة الرسالة) العدد 500 (الحضارات القديمة في القرآن) بتاريخ 1/2/1943

[21]. (في ظلال القرآن) ج30 ص4007

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد