لقد ضقنا ذرعًا بالحروب والخلافات، وحان الوقت لنجتمع على دين الحب والإنسانية. صرنا دائمًا نسمع هذا الكلام الحالم الجميل الذي بدأ يدغدغ عواطف السُّذَّج والبسطاء، خصوصًا ممن لا حظ لهم في معركة الوعي الطاحنة؛ فصاروا لا يترددون في أن يلقوا بعقولهم الواهنة الضعيفة تحت رحمة سفسطائيي الكلام، ومحترفي الثرثرة المنمقة؛ ممن استطاعوا أن يرفعوا مفهوم الإنسانية الفضفاض إلى مقام شبه قدسيٍّ، وكأنها دينٌ جامع قائم بذاته، بلا كتب، ولا شعائر، ولا تعاليم؛ وكأنها دين جديد اهتدى له البعض فجأة، سيخلص العالم من شرور الحروب، وينشر المحبة والسلام

 لكن هل يستطيع من تبنوا هذا المفهوم الغامض أن يشرحوا على أي بساط سحري جامع، سيطير البشر جميعًا في عوالم المحبة والسلام؟ هل لهذا المفهوم الغامض والعائم حقًّا تعريف محدد يجتمع الناس عليه؟ فما هي الإنسانية؟ وكيف ستجمعنا؟ وفي أي عالم إنساني أفلاطوني خيالي، سيجتمع الناس على اختلاف أديانهم وأعراقهم؟ بل أكثر من هذا؛ أليس حتى تاجر السلاح، وبائع المخدرات، ومحترفة الدعارة قد يحتمون بمفهوم الإنسانية لتبرير أفعالهم؟ بل حتى الحروب قد بُررت بنشر الحرية والقيم الإنسانية.

   فالإنسانيّة تُعرّف تارة على أنّها صفة تجمع جميع أبناء الجنس البشري، وتارةً هو مفهوم قد يرتبط بالصفات التي تميّز الإنسان عن غيره من المخلوقات من القدرة على الحبّ والرحمة وإبداء المشاعر المختلفة، وفي اللاتينية؛ فإن الإنسانية تدل على اللطف والمشاعر اللطيفة في تعامل الناس بين بعضهم؛ كالتكافل وتقديم المساعدة للآخرين ودعمهم، وقد يُستعمل مفهوم الإنسانية في الإشارة إلى علوم النفس والاجتماع والآداب وغيرها، و قد يطول الكلام ويتوه المرء وهو يبحث عن تعريفٍ محددٍ للإنسانية؛ فلا يجده لا عند الفلاسفة ولا عند الأدباء ولا عند غيرهم.

في الحقيقة هو الكبرياء الأزلي الذي لازم العقل البشري؛ فجعله في تحدٍّ دائمٍ للوحي السماوي؛ محاولًا باستمرار الاستغناء عنه، هذا العقل البشري المغترُّ التائه، سليل العقل الفلسفي اليوناني الروماني؛ الذي كان يقسِّم الإنسانية إلى إنسانيتين : إنسانية المواطن الحر الذي يتمتع بكل حقوق السيادة، وإنسانية العبيد؛ الذين لهم فقط حق البقاء في الحياة، ماداموا يطيعون السيِّد.

تطور هذا العقل فاغتر به من بَنِي جلدتنا من المسلمين؛ ممن أصابهم اليأس من بحور الدماء، التي غرقت فيها بلدان العرب والمسلمين؛ فوجدوا في هذه الكذبة السفسطائية السمجة خشبةَ الخلاص؛ يتمسكون بها، علَّها تعفيهم من مواجهة الحقيقة المؤلمة؛ وهي هزيمتنا الحضارية، التي جعلت من يصدِّرون لنا أكاذيب الحرية الإنسانية، هم أنفسهم من يقصفون الأطفال الأبرياء بطائراتهم المتطورة.

صحيحٌ أن هناك عقولًا متطرفة، خربت فهم الدين الإسلامي، ونشرت العنف والدماء وبررت الحروب، لكن هل تنسينا أن الإسلام رحمة للعالمين، وأنه إن كان هناك من شيء يجمع البشرية فهو هذه الرحمة؛ التي جعلت العقل البشري متدثرًا بالوحي الإلهي لا متحديًا له، مستنيرًا بكلام الخالق، لا مستخفًّا أو ناكرا لوجوده. هل سنحتمي بكذبة الإنسانية تجمعنا لننسحب من معركة الوعي، ونستسلم للعقل الغربي؛ الذي عمل فتفوق؛ أم نلتحق بها مخبرين مدَّعي كذبة دين الإنسانية السمجة أن الوحي الإلهي أخبر العقل المغترَّ؛ أن من قتل نفسًا واحدةً؛ فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الإنسانية لن يفهمها العقل البشري العاري إلا بدثار الوحي.

هي معركة الوعي التي انسحب منها العرب والمسلمون؛ فعادوا يصنعون أصنامًا، ويصدقون خرافاتٍ ويحتمون بأي شيء يعفيهم من المواجهة في معركة لا تنفع فيها السذاجة الحالمة، ولا المثالية الأفلاطونية؛ بل معركة جديدة لتفاعل العقل المسلم مع الوحي، وكما كسر الإسلام الأصنام الحسِّيَّة والمعنوية خطوةً خطوةً، ونقل العقل الإنساني من الولاء للأوثان إلى الولاء لله؛ يمكن لأوثان المفاهيم أيضًا أن تكسر؛ فلا يمكن لعقل مسلم خرج من المسجد، أن يصبح خاضعًا لعقلٍ خرج من ساحات السفسطة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد