لعلنا جميعًا، قراء سلسلة «ما وراء الطبيعة» للأديب الخالد أحمد خالد توفيق، قد انتظرنا بشغف شديد أن تخرج روايات السلسلة في عمل درامي، كما كان يحلم العراب، رحمة الله عليه، وكلنا يعلم كم كان يحب السينما بالتحديد، وقد حاول مرارًا أن يقدم سيناريوهات للسينما والتليفزيون، ولكن النجاح لم يكتب لتلك المحاولات لأسباب إنتاجية.

وحين توفي كاتبنا العزيز زادت شهرته لما أحدثته صدمة وفاته في نفوسنا جميعًا ومشهد جنازته المهيب، فتكالب الجميع كالعادة لينال حظ الشهرة ويتفاخر أو يدعي أنه كان صديقه، بل ربما كان يأخذ رأيه فيما يكتب! مستغلين في ذلك تواضعه الشديد ودماثة خلقه وخجله الجم في التعامل مع الجميع، وكل يدعي وصلًا بليلى كما تعلمون.

وكان بين مخرج المسلسل الذي صدر أخيرًا من إنتاج «نتفليكس» جلسات ووعود بإخراج «ما وراء الطبيعة» في عمل درامي، توقفت كذلك لأسباب إنتاجية إلى أن توفي كاتبنا العزيز.

هل كتب العراب شيئًا من سيناريو حلقات هذا المسلسل؟ بالتأكيد لا، اعتمد المخرج على ورشة كتابة أشرف عليها «إبداعيًّا» ليبني خطًّا دراميًّا يربط بين عدة أساطير من السلسلة الضخمة لتعرض في ست حلقات مضغوطة، تمكن فيها بقدراته اللوذعية أن يهدم الأفكار الأساسية التي كان يحرص عليها كاتبنا العزيز، وكل ذلك بحجة أن المعالجة الدرامية لا بد أن تختلف عن الرواية. هل كان ما فعله معالجة أم إمراضًا؟

 حسنًا، هذه رؤيته وهذا خياله وهو حر فيه، ولم نطالبه بأن ينقل الرواية بحذافيرها، فهو بالطبع يستهدف جميع الفئات وليس فئة قراء العراب فقط، ولذلك كان لا بد من وجود مثلث الحب، والأخت الكبرى التي تؤدي دور الأم وتعطي النصائح للخطيبة الساذجة التي لا تعرف كيف تفوز بقلب رفعت وتنسيه «الأرشانة» الأسكتلندية، يا إلهي، ألا ينتهي هذا الصراع العقيم أبدًا؟ هل المسلسل فعلًا ينقصه هذا الصراع الأحمق؟

ماذا ينقصنا أيضًا؟ صراع الإخوة، رفعت الدكتور المتعلم المثقف الذي تنكر لتضحيات أخيه الأكبر الذي كان يتلقى عنه الضربات، والذي أصيب في قدمه من جراء إنقاذ الجاحد الشقي، الذي تركه ليموت في أشد المشاهد سذاجة في المصرف المدهش العميق النظيف «الفلة» الذي غطس فيه البطل المريض لدقائق طويلة، ليخرج جثة النداهة ويوقف أسطورتها، ويخرج رفعت غير مبال بالأخ الذي تركه من ورائه، يقف باردًا في مشهد العزاء، يذهب إلى قبره مقرًّا بنذالته معه. صراع يليق بمسلسل آخر غير «ما وراء الطبيعة» وتشويه فج لشخصية رفعت الذي كان يحب عائلته، كان انطوائيًّا، ولكنه لم يكن نذلًا سمَّاويًّا مؤذيًا قليل الذوق والمروءة.

تحدث الكثيرون عن الجرافيك السيئ الذي لا يليق بإنتاج ضخم كهذا، والاستعجال في نهايات الحلقات، وأشياء أخرى كثيرة أفاضوا فيها وفي تفصيلاتها ولا داعي لذكرها، فما كتبت لأجله هذا المقال أنني لاحظت ظاهرة سيئة بعد عرض المسلسل وهي «ألتراس» الدفاع عنه والاستماتة في مهاجمة من ينقد المسلسل، ولو نقدًا صغيرًا فهو بذلك عدو الفرحة هادم اللذات، المحنك الذي لا يعجبه شيئًا، ويتمنى أن تفشل التجربة لأنه يختلف أيديولوجيًّا مع المخرج! وعلينا أن نقبل العمل كما هو ونشيد به ونعطيه تقييمًا عاليًا «عشان الناس متاكلش وشنا ونتفليكس تتكرم وتنتج أجزاءً أخرى»، وأيضًا «مش أحسن برضو من ظافر المصاص؟».

هذه آفة جمهورنا في كل المجالات، السياسة والأدب والفن وكرة القدم، إما أن تقدس السياسي أو الأديب أو الفنان ولا تنتقده أبدًا، وإما أن تكون محنَّكًا يتخذ النقد الهدام هواية مثل جمع الطوابع! هذا تطرف غير مقبول على الإطلاق، لا أحد كامل، والنقد البناء تطلع للأفضل، نحن نطالب باحترام عقولنا واحترام الأثر الذي تركه الرجل الذي كان يتقبل النقد البناء، وكان ينقد نفسه قبل الآخرين، ولكن مصادرة حق الآخرين في إبداء الرأي جين أصيل في تكوين البعض.

وبالرغم من كل ما سبق أحببت رفعت الذي تألق أحمد أمين في تجسيده، وسعدت كثيرًا واستمتعت برؤيته أمامي، عصا المكنسة الصلعاء، وهو يدخن كبرلين حين دخلها الحلفاء، وحين يخرج من أشد اللحظات توترًا وكآبة بجملة ساخرة تفجر الضحك غير المفتعل، سعدت برؤية اسم الدكتور أحمد خالد توفيق يملأ الدنيا ويشغل الناس ويشاهده العالم كله، وما نريده من نقدنا أن يرتفع مستوى العمل الدرامي ليصل إلى عظمة العراب ويحافظ على أهم ما أراد أن يوصله إلينا، فما شاهدناه هي رؤية صناع المسلسل الذين استفادوا أكثر من اسم الدكتور واعتمدوا على ذلك في دعايتهم كلها، هذه رؤيتهم وخيالهم، وليست رؤية العراب، أو خياله وفكره، ولكن يحسب لهم فقط أنهم حققوا حلمه، ولهم الشكر على ذلك، ولكن يجب أن يعرفوا أن أكثر من نصف نجاحهم يرجع للحنين الذي بداخلنا للعراب ولرفعت وعالمه، وتظل تجربة جيدة ليست مقدسة وليست فوق النقد، ويحق للجميع إبداء رأيه فيها، الفن والأدب أشياء موجهة للجمهور، الذي قال عنه العراب الذكي إنه سلاح ذو حدين يجب مخاطبته بذكاء، فليس من الحكمة تنفيذ رغباته بالحرف، وكذلك يجب ألا تتجاهله وتتعالى عليه، قدم أفكارك بذكاء وحكمة، فهو قادر على رفعك إلى السماء، وكذلك قادر على إنزالك أسفل سافلين. رحمة الله عليك يا خالد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد