في العادة تكون درجة حرارة الجو في مصر في مثل هذا الوقت من العام مرتفعة جدًّا إلى حد يصعب احتماله، إلا أن درجة الحرارة في الأسبوع الأخير من يونيو (حزيران) هذا العام، وتحديدًا يوم الأحد، الرابع والعشرين من يونيو من عام 2012 تضاعفت عدة مرات، وبلغت ذروتها مع اقتراب عقارب الساعة من الثالثة عصرًا، حيث لم يتبق إلا القليل من الوقت على بدء مؤتمر إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، بعد ثورة عظيمة قُدر لها الفشل، وبعد أشهر قاسية من التخبط والدم والنضال سميت بالفترة الانتقالية.

تأخر المؤتمر عن الموعد المقرر له بأكثر من ساعتين، وسط انحباس أنفاس، وضغط عصبي قابل للانفجار، وسجلت عدسات التليفزيون خلو الشوارع المصرية من المواطنين في وسط النهار، في سابقة لم ولن تتكرر قبل هذا اليوم وبعده. بدأ المؤتمر الصحفي العالمي لإعلان نتائج جولة الإعادة لانتخابات رئاسة الجمهورية، بمقر الهيئة العامة للاستعلامات بمدينة نصر، في حوالي الرابعة بعد ظهر اليوم، بعد القليل من وصول أعضاء اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، بكلمة مقتضبة للمستشار حاتم بجاتو، الأمين العام للجنة الانتخابات الرئاسية، ثم عُزف السلام الجمهوري، وبعدها بدأت كلمة المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة العليا للانتخابات، التي استمرت ساعة أو أكثر من الحديث المتكرر، قبل أن يعلنها صريحة: «ويكون الفائز بمنصب رئيس جمهورية مصر العربية، في الانتخابات التي جرت يومي 16 و17 من يونيو، هو السيد الدكتور محمد محمد مرسي عيسى العياط»، وبسرعة البرق انقلب الجميع على الثورة، متهمين إياها بأنها سبب وصول الإخوان المسلمين إلى حكم مصر، ولولا الثورة لما استطاعت الجماعة، ولو بعد قرون، الوصول إلى مقعد الرئاسة.
يتبقى هنا السؤال الأهم: كيف وصل الإخوان إلى الحكم حقًّا؟ كيف حدث ذلك؟

الخطية الأولى.. أحزاب على أساس ديني

لم يمر سوى أسبوع واحد تقريبًا على تنحي مبارك، حتى كان يوسف القرضاوي يخطب في ميدان التحرير يوم الجمعة 18 فبراير (شباط)، والتي سميت بجمعة النصر، وفي اليوم التالي مباشرة 19 فبراير، وبالمخالفة مع المادة الخامسة من دستور 1971، الذي ينص صراحة على «عدم جواز مباشرة أي نشاط سياسي أو قيام أحزاب سياسية على أي مرجعية أو أساس ديني»، وبالمخالفة الصريحة مع قوانين شؤون الأحزاب التي تنص صراحة على «عدم قيام الأحزاب في مبادئها أو برامجها أو في مباشرة نشاطها أو في اختيار قياداتها أو أعضائها على أساس ديني أو عقائدي»، وافقت لجنة شئون الأحزاب في مجلس الدولة على تأسيس «حزب الوسط الإسلامي الجديد»، الذي أسسه منشقون عن جماعة الإخوان المسلمين، وفي 22 فبراير صرحت جماعة الإخوان المسلمين أنها بصدد تأسيس أول حزب سياسي لها، باسم «حزب الحرية والعدالة»، تيمنًا بالحزب الحاكم في تركيا «حزب العدالة والتنمية»، وأكد سعد الحسيني عضو مكتب الإرشاد تمسك حزبه بالهوية الدينية قائلًا: «إن أبرز ما جاء في برنامج الحزب هو تمسك الجماعة برأيها الرافض ترشيح المرأة والقبطي لانتخابات رئاسة الجمهورية، ولم نغير موقفنا من هذه القضية(1)»، ولاحقًا وفي 6 يونيو 2011، أعلنت لجنة شؤون الأحزاب قبول أوراق حزب «الحرية والعدالة» المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم قيام الحزب رسميًّا، وتلاه الموافقة على قبول أوراق «حزب النور» السلفي في 12 يونيو 2011، ثم تلاهم عدد من الأحزاب الإسلامية مثل حزب «الفضيلة» و«الأصالة» و«البناء والتنمية»، و«الاستقلال»، و«النهضة».

وفي مداخلته التليفونية لبرنامج «على الهوا» على قناة أوربت في 28 مارس (آذار) 2011، أكد اللواء ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية والدستورية، أنه قد حذفت بعض البنود والعبارات من قانون الأحزاب السابق بشأن تأسيس الأحزاب، وطالب مساعد وزير الدفاع للشئون القانونية والدستورية بضرورة التفرقة بين الحزب ذي المرجعية الدينية، وبين إنشاء الحزب على أساس ديني، مشيرًا إلى أنه لا مانع أن يكون للحزب مرجعية دينية، واصفًا المرجعية بالفكر، ولكن يجب أن يكون الحزب مفتوحًا أمام الجميع، وغير مقتصر على فئة معينة»؟(2)، وفي حضور نحو 700 شخص من الوزراء، وقيادات الإخوان، والأحزاب، ونجوم الإعلام، والفن، والرياضة، أقام حزب الحرية والعدالة، المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين، احتفالًا ضخمًا مساء الرابع والعشرين من يوليو (تموز)، في أحد الفنادق الكبرى، بمناسبة تأسيسه، بحضور منصور عيسوي وزير الداخلية، د. علي السلمي نائب رئيس مجلس الوزراء، ود. عماد أبو غازي وزير الثقافة، ووصف عيسوي تأسيس حزب الحرية والعدالة بأنه خطوة مهمة في الطريق لبناء مستقبل مصر»!(3) (4)

شرعية على المحك.. استفتاء تعديل الدستور

بنهاية عام 1979 بدأ العد التنازلي للرئيس السادات، كي يترك مقعد الرئاسة كما ينص دستور 1971 صراحة، على أن مدة رئاسة الجمهورية فترتان لا ثالث لهما، ومدة كل فترة ست سنوات، وبهذا يضمن الدستور تداول السلطة، لكن جيهان السادات كان لها رأي آخر.

كانت جيهان السادات محاطة بحاشية من السيدات، على رأسهن المطربة الشعبية فايدة كامل، زوجة اللواء نبوي إسماعيل وزير الداخلية في ذلك الوقت، وبفضله أصبحت فايدة نائبة في المجلس الموقر عن حي الخليفة بالقاهرة، والدكتورة زينب السبكي، والأستاذة فاطمة عنان، والأستاذة نوال عامر، ولأن جيهان لم تكن لتتخيل الحياة بدون الرئاسة؛ فقد دبرت الخطة بذكاء منقطع النظير من خلف الستار، وتركت «الهوانم» ينفذون ما قد خططته هي سابقًا.

ومع بداية عام 1980، وقفت النائبتان فايدة كامل ونوال عامر، بصفتهما نائبتين عن الشعب، تطالبان بتعديل محدود للمادة 77 من الدستور، والتي تقضي بإطلاق مدد انتخاب رئيس الجمهورية بدون حد أقصى، حتى يصبح السادات رئيسًا لجمهورية مصر العربية مدى الحياة، «نظرًا إلى أيادي الرئيس السادات البيضاء على مصر» كما ذكر نصًّا في أسباب التعديل، وبالطبع كانت موافقة نواب الشعب مضمونة دون أدنى شك، لكن ماذا عن موافقة الشعب نفسه؟

تفتق ذهن «الهوانم» إلى طُعم يُلقى به للشعب المهووس بالدين، لضمان موافقتهم أفواجًا على الاستفتاء المزمع، ومن ثم فقد اقترح أحدهم تعديل نص مادة الشريعة الإسلامية بإضافة حرفي الألف واللام، لتكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع بدلًا من كونها مصدرًا رئيسيًا، لتجتمع الديكتاتورية والدين في حزمة واحدة، ولأن الشعب المصري يعشق السخرية، فقد أطلق على هذا التعديل «تعديل الهوانم».

وفي 22 مايو (أيار) 1980 استُفتي الشعب على التعديل، وبالطبع كانت النتيجة معروفة مسبقًا، وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1981، وبعد أقل من عام ونصف العام على تعديل الدستور، جاء أمر الله الذي لا يرد، ومات السادات بطلقات خالد الإسلامبولي، بينما تركت جيهان قصر الرئاسة مجبرة، وانزوت وابتعدت عنها الحاشية والأضواء، بينما عانت السيدة فايدة كامل من الوحدة ورتابة الحياة بعد رحيل شريك حياتها، حتى لحقت به في 2011، وكلهم لم يحصلوا على أي شيء يعد ثمنا لهذا التخريب المتعمد للديمقراطية.

هم لم يكسبوا شيئًا، بينما خسر الشعب(5).

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد