ولأن المصريين شعب لا يتعلم من التاريخ، لذا فقد ابتلعوا الطعم ذاته، وبنفس الطريقة المخزية.

لم تكن الأمور بهذا الوضوح يوم 14 فبراير (شباط)، حينما قرر المجلس العسكري تجاهل أهم طلبات الثورة بتعطيل العمل بدستور 1971 وكتابة دستور جديد، وأصر على القيام بتعديل محدود على الدستور القديم، وكطعم للقوى الإسلامية لحثهم على الموافقة على تلك التعديلات، اختار المجلس العسكري المستشار طارق البشري، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة الأسبق، ورئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع لعدة سنوات، ذا التوجه الاسلامي المتشدد، على رأس لجنة التعديل.

وضمت لجنة البشري عدد من فقهاء القانون وهم د. عاطف البنا، أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، والمعروف بتوجهه الإخواني الصريح، والذي اشتهر بمقولته: شرعية الإخوان المسلمين موجودة سياسيًا وقانونيًا، ومكتسبة من الشارع ومن تأييد الناس، وحسنين عبد العال العميد السابق لحقوق القاهرة، ود. محمد باهي يونس وكيل كلية حقوق إسكندرية، والمستشار ماهر سامى يوسف المستشار الفني لرئيس المحكمة الدستورية العليا، والمستشار حسن البدراوي نائب رئيس المحكمة الدستورية، والمستشار حاتم بجاتو رئيس هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، وأخيرًا صبحي صالح، وهو محامي نقض مغمور بلا أي خبرة في القانون الدستوري، اختير عضوًا باللجنة كونه قياديًا بجماعة الإخوان المسلمين، في مغازلة صريحة للتيار الاسلامي، لم يستوعب الشارع الثوري غرضها، إلا لاحقًا بعد ظهور نتيجة الاستفتاء.

وبعد 10 أيام خرجت اللجنة معلنة طرح تعديلات معيبة لبعض مواد دستور 1971، وطُرحت التعديلات للاستفتاء في 19 مارس (آذار) 2011، وكانت أخطر مادة تضمنتها التعديلات المقترحة هي المادة 189 مكرر، والتي نصت على أنه يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى تاليين لإعلان نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور لاختيار الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد مشروع الدستور الجديد خلال ستة أشهر من انتخابهم، وذلك كله وفقًا لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 189، أي أن الفصيل السياسي الذي سيتمكن من حصد الأغلبية البرلمانية ستكون له اليد العليا في وضع الدستور الجديد لاحقًا، وبالطبع كانت جماعة الإخوان المسلمين أول من أعلن تأييده على التعديلات الدستورية المقترحة، وفي محاولة هزلية لتطمين الشعب المصري من سيطرة الجماعة أكد د. عصام العريان أن نسبة مشاركة الجماعة في الانتخابات البرلمانية المقبلة ستكون ما بين 30% و35% على المقاعد.

كانت أولى التفاهمات بين العسكر والإخوان هي مسألة التعديلات الدستورية، والتي بواسطتها سيتمكن المجلس العسكري من بسط هيمنته بشكل شرعي على البلاد، واستحضر التيار الإسلامي المادة الثانية من الدستور، بالرغم من أنها لم تكن مطروحة أصلًا ضمن المواد التسع، لكنها كانت وسيلة عبقرية لاستثارة البسطاء والعوام للأقبال على التصويت بـنعم، وكأنها معركة من أجل العقيدة، وابتلع الإخوان الطعم العسكري، والبتلعه الشعب من خلفهم، والنقمست مصر إلى فسطاطين: فسطاط إسلامي وآخر علماني(6).

على الجانب الآخر أعلنت أحزاب الوفد والتجمع والجبهة والناصري والغد وائتلاف شباب الثورة رفضها للتعديلات، ودعا د. محمد البرادعي إلى تشكيل لجنة لوضع دستور جديد، واشترك عدد من الشخصيات العامة مثل عمرو خالد، ومعز مسعود، والمذيع أحمد العسيلي، والسيناريست محمد دياب، والمخرج عمر سلامة، والكاتب عمر طاهر، وعمرو موسى، ود. محمد البرادعي، ود. عمرو حمزاوي، وم. نجيب ساويرس، والفنانين بسمة، ومنى زكي، وأحمد حلمي، والمخرج شريف عرفة، في إعلان مصور لحث الشعب على رفض التعديلات، لكن لم تكتف الجماعة بشق الصف الوطني كعادتها، لكنها اتهمت ضمنيًا المعارضين للتعديلات بالعمالة، ونشر موقع الجماعة الرسمي (إخوان أون لاين) يقول:

تورط عدد من الرافضين للتعديلات الدستورية في اللعب برأس المال في حملتهم، حيث دشنوا حملات إعلانية مدفوعة الأجر للترويج لرفض التعديلات الدستورية في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية، وفي لقائه مع مجدي الجلاد يوم الخميس 17 مارس، تحدث عصام العريان عن تأييد الجماعة للتعديلات الدستورية وحرصها على دفع المواطنين للإدلاء بنعم، وأكد أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من رفض التعديلات، والتي تعني إقصاء الإخوان من الصورة، وكرر المعنى ذاته في حواره مع الصحافية نشوى الحوفي على موقع المصري اليوم في اليوم التالي 18 مارس وملوحًا بفزاعة إسرائيل، وأنها المستفيد الأول من رفض التعديلات، وإقصاء الإخوان (7).

وفي نفس الوقت بدأ التيار السلفي حملة منظمة لإقناع الشعب وتجييشه للموافقة على التعديلات، وعلى طريقة الحزب الوطني وزع الإخوان والسلفيون حقائب تحتوي على مواد تموينية ولحوم؛ لاستمالة المواطنين في المناطق الشعبية والقرى، أما خطباء المساجد التابعة للتيارات السلفية فقد أعلنوا على المنابر أن (نعم معناها تضامن مع الله)، و(نعم معناها الإسلام)، و(التصويت بنعم هو طريقك إلى الجنة)، و(الموافقة على التعديلات الدستورية واجب شرعي، أما لا فهي الكفر والتحالف مع الشيطان)، ووُزعت منشورات تقول: إن التصويت بلا معناه إلغاء المادة الثانية من الدستور وبهذا يسقط الإسلام.

إحدى المنشوارت التي تم توزيعها قالت: من قال لأي دستور نعم، فقد قال للقرآن لا؛ لأن شرع الرحمن وشرع الإنسان لا يتساويان، فكلاهما عدو للآخر، ومن جمعهما أو حكمهما معًا فقد أشرك؛ لأنه (لا يشرك في حكمه أحدًا)، (إن الحكم إلا لله وحده)، منشور آخر قال: الأمن والأمان في تطبيق شرع الله، الإسلام دين ودولة، تهون الحياة وكل يهون ولكن إسلامنا لا يهون. بإمضاء الدعوة السلفية، منشور آخر قال: لا مدنية، لا علمانية، بل إسلامية، الدولة المدنية: هي التي لا دين لها، أي فصل الدين عن الدولة، ليست كما يفهم الكثير أنها عكس عسكرية، الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله، والدين ما شرع. بإمضاء الدعوة السلفية.

لافتة انتشرت في الشوارع كُتب عليها: نعم للتعديلات الدستورية، التصويت على التعديلات الدستورية، والموافقة عليها واجب شرعي بحسب فتوى الشيخ المحلاوي. بإمضاء الإخوان المسلمين، منشور آخر: مصر إسلامية، لن نسمح بالاقتراب من المادة الثانية من الدستور.. إسلامية.. لا مدنية، منشور آخر: نعم للتعديلات الدستورية. بإمضاء الجمعية الشرعية الرئيسة لتعاون العاملين بالكتاب والسنة، ودعا الشيخ الزغبي الشعب للموافقة على الاستفتاء: قولوا نعم لتعديل الدستور، لماذا؟ لأن الذين يقولون لا، إنما يريدون تغيير الدستور بأسره، حتى تمحى المادة الثانية من الدستور، وخرج الداعية السلفي محمد حسان على شاشة قناة الرحمة يدعو الشعب للتصويت بنعم على الاستفتاء قائلًا: من باب تحقيق المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، أحث المجتمع على أن يشارك في هذا الاستفتاء بنعم.

وكل ذلك وسط رضا ومباركة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي كان يسعى في الاتجاه ذاته للموافقة على التعديلات بأية طريقة ممكنة، وتكرر ظهور اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكرى في برامج التوك شو المسائية للترويج للتعديلات المقترحة، وتكرر نشر إعلانات على صفحات كاملة في الصحف القومية تبدو في ظاهرها دعوة للمشاركة في الاستفتاء، وفي باطنها دعوة حثيثة لدفع المواطنين للموافقة على التعديلات المقترحة، فكان نص الإعلان يقول: نعم للاستقرار.. انزل وشارك برأيك، وكأن الإدلاء بلا سيؤدى إلى الفوضى، ونعم سيحقق الاستقرار.

صباح يوم 19 مارس 2011 توافد نحو 18 مليون ناخب من أصل 45 مليون للاستفتاء على التعديلات المقترحة، وكان الآلاف من السلفيين وشباب جماعة الإخوان المسلمين متواجدين أمام اللجان لإقناع المواطنين بالتصويت بنعم، وكما هو متوقع، فقد رجحت كفة المؤيدين للتعديلات بنحو 14 مليون ناخب (77%)، مقابل نحو 4 مليون ناخب (23%) رفضها.

وفي خطبة ألقاها الداعية السلفي محمد حسين يعقوب بمسجد الهدى في إمبابة، وصف الاستفتاء بأنه غزوة الصناديق، وقال: كان السلف يقولون بيننا وبينكم الجنائز، واليوم يقولون لنا بيننا وبينكم الصناديق، وقالت الصناديق للدين: نعم، ودعا الحضور إلى ترديد تكبيرات العيد احتفالًا، ثم عاد يعقوب مؤكدًا أن (الدين هيدخل في كل حاجة، مش ديه الديمقراطية بتاعتكم؟ الشعب قال نعم للدين، واللي يقول البلد مانعرفش نعيش فيه انت حر.. ألف سلامة، عندهم تأشيرات كندا وأمريكا)، و(القضية ليست قضية دستور.. انقسم الناس إلى فسطاطين، فسطاط دين فيه كل أهل الدين والمشايخ، كل أهل الدين بلا استثناء كانوا بيقولوا نعم، الإخوان والتبليغ والجمعية الشرعية وأنصار السنة والسلفيين، وأمامهم من الناحية التانية ناس تانية.. شكلك وحش لو ماكنتش في الناحية اللي فيها المشايخ)، واختتم كلمته قائلًا: (ماتخافوش خلاص البلد بلدنا).

وفي 30 مارس 2011 أصدر المجلس العسكري إعلانًا دستوريًا من 63 مادة لم يتم الاستفتاء عليها، متضمنة المواد التسع التي تم الاستفتاء عليها، في انقلاب حقيقي على إرادة الشعب.. والفضل للإخوان الذين مهدوا للمجلس الطريق وفرشوه بالورود وسط رضا التيار الإسلامي وصمته (8).

تضمن الإعلان الدستوري تعديل بعض صلاحيات المجلس العسكري، وتقليص بعض صلاحيات رئيس الجمهورية والبرلمان المنتخب، وأعطى المجلس لنفسه من خلال المادة 56 حق تولى إدارة شئون البلاد، ويكون من ضمن سلطاته التشريع، إقرار السياسة والموازنة العامة للدولة، حق إصدار القوانين، تمثيل الدولة في الداخل والخارج، إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، تعيين رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم، وإعفاؤهم من مناصبهم، والسلطات والاختصاصات الأخرى المقررة لرئيس الجمهورية، أما المادة الأكثر خطورة على الإطلاق فكانت المادة الـ60 والتي نصت على أن يجتمع الأعضاء غير المعينين لأول مجلسي شعب وشورى في اجتماع مشترك، بدعوة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال ستة أشهر من انتخابهم، لانتخاب جمعية تأسيسية من 100 عضو، تتولى إعداد مشروع دستور جديد للبلاد في موعد غايته ستة أشهر من تاريخ تشكيلها، ويُعرض المشروع خلال خمسة عشر يومًا من إعداده على الشعب لاستفتائه في شأنه، ويعمل بالدستور من تاريخ إعلان موافقة الشعب عليه في الاستفتاء.

مما يعني أن الجماعة أو الحزب صاحب نصيب الأغلبية من مقاعد البرلمان القادم، سيكون له نصيب الأغلبية من أعضاء الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور الجديد، وهو ما لا يتفق مع أي من المفاهيم الدولية لكتابة الدساتير في العالم، وشن الدكتور ثروت بدوى الفقيه الدستوري انتقادات حادة على اللجنة المكلفة بتعديل الدستور، وما آلت إليه من تعديل بعض المواد، قائلًا عنها: إن هذه المجموعة التي ألقت إلينا بتلك التعديلات افترضت فينا الغباء، كما افترضت أنها تستطيع إقناعنا بالباطل، وذهبت إلى ضرورة الاستفتاء على تعديلات ساقطة، وهو ما يدل على جهل اللجنة بالشعب المصري (9)، وفي مجمل الأمر لم يرحب بالإعلان الدستوري سوى جماعة الإخوان المسلمين، وتيار الإسلام السياسي.

وفي بيان وجهه المجلس العسكري عبر صفحته على فيسبوك، للشعب المصرى بعد الاستفتاء، تقدم فيها بالشكر للشعب المصري الذي رفض الانصياع للعصيان، ويقصد بالعصيان الدعوة لرفض التعديلات الدستورية.

وجاءت الموافقة على التعديلات الدستورية لتعطي المجلس العسكرى شعورًا بالشرعية، فيؤكد اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري في مداخلة هاتفية مع الإعلامية ريم ماجد عبر برنامج (بلدنا بالمصري) على قناة (أون تي في): (الشعب قد قال نعم للمجلس العسكري في الاستفتاء، المجلس الأعلى أصلًا واخد شرعية من 77.2% من الشعب، معايا حضرتك 14 مليون، و4 مليون هما اللي قالوا لأ على الاجراءات اللي بيقوم بيها المجلس العسكري)، فقاطعته ريم ماجد محتدة بقولها (هو الاستفتاء كان على التعديلات الدستورية مش على المجلس العسكري!)، فأجابها شاهين مستنكرًا (الاستفتاء كان على التعديلات الدستورية، وعلى شرعية المجلس، وعلى ما يقوم بيه من إجراءات) (10).

وفي لقاء نظمه (معهد الولايات المتحدة للسلام) في واشنطن، وردًا على سؤال بشأن لماذا لا يقوم المجلس بتسليم السلطة لهيئة مدنية تتشكل بطريقة يتفق عليها، قال اللواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة: أشك في أن السائل يعلم نتيجة الاستفتاء على الدستور الذي تم منذ أشهر، لقد جاءت النتيجة بأن 77% من المصريين يؤيدون المجلس العسكري، وإذا جئت إلى مصر ستجد أن هناك معارضين للمجلس صوتهم مرتفع، لكن هناك أغلبية مؤيدة للمجلس أيضًا.

في لقاء مصطفى بكري مع الفريق أحمد شفيق (11)، أكد هذا الأخير أنه لم يكن متفقًا مع المجلس العسكري في فكرة تعديل بعض مواد الدستور، وأنه أخبر المشير طنطاوي عدة مرات بضرورة وضع دستور جديد وإلغاء مجلس الشورى، لكن لم يُؤخذ باقتراحه، واستعجب شفيق من تشكيل لجنة تعديل الدستور، لم يستغرب من وجود المستشار البشري على رأس اللجنة لأنه قيل إن له ميول إخوانية، لكنه رجل معروف عنه الاتزان والاعتدال، على حد قوله، لكن شفيق تعجب من وجود المحامي الإخواني صبحي صالح كعضو في اللجنة.

ومع نهاية الفترة الانتقالية وقبيل الانتخابات الرئاسية 2012 بوقت قليل، عاتب شفيق المشير طنطاوي في مكتب هذا الأخير، وأخبره أن (المشوار مشي من الأول غلط)، وذكره بالتأثير النفسي السلبي الذي مُورس على الناخبين للضغط عليهم في سبيل الموافقة على التعديلات المقترحة، بداية من تلوين علامة الموافقة باللون الأخضر وعلامة الرفض باللون الأسود، إلى جانب تأثير الإعلام الرسمي للدولة وعلى رأسها قنوات ماسبيرو، والذي عمل على تحفيز وتوجيه المواطنين للموافقة على التعديلات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد