من أفرج عن الإسلاميين حقًّا؟ (12)

بعد ثورة يناير (كانون الثاني)، وخلع مبارك في فبراير (شباط) 2011، أعلن محمود وجدي، وزير الداخلية الجديد في حكومة شفيق، عن سياسة جديدة للوزارة، تقضي بإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، بناء على توجيهات علنية من شفيق، وبمباركة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وكأنها محاولة لتهدئة الشارع الغاضب، والإيحاء ببدء عهد جديد، فيما يخص سلوك الشرطة، الذي كان سببًا للثورة على مبارك، بالتوازي مع التوافق في المصالح الذي شهدته الفترة الانتقالية بين المجلس العسكري من ناحية، والإخوان المسلمين وغيرهم من التيارات الإسلامية من ناحية أخرى، إذ اعتمد عليهم المجلس العسكري في تهدئة الأوضاع في الشارع، بسحب أنصارهم من الميدان، وفي تأييد التعديلات الدستورية والاستحقاقات الانتخابية التي دفع بها المجلس العسكري؛ لأن «المجلس العسكري كان في بداية توليه الحكم ضعيفًا نسبيًّا، ويلقى معارضة بارزة من القوى الثورية، مقارنة بالتناغم الذي ساد علاقته بالحركات الإسلامية» بحسب تصريح المحامي الإسلامي البارز منتصر الزيات لموقع مدى مصر (13).

في عصر مبارك كان أغلب الإسلاميين المسجونين خاضعين لقرارات اعتقال إدارية، وفقًا لحالة الطوارئ المفروضة دون انقطاع منذ اغتيال السادات، وكان هذا يعني احتجازهم وفقًا لمدد مفتوحة دون اتهام أو محاكمة بموجب قرار من وزير الداخلية، لاعتبارهم خطرًا على الأمن العام، وأغلب هؤلاء المعتقلين الإداريين كانوا يطعنون على قرارات اعتقالهم، ويحصلون على أحكام بإخلاء سبيلهم من محاكم أمن الدولة المنشأة بموجب قانون الطوارئ ذاته، غير أن وزارة الداخلية كانت تسارع بإصدار قرار اعتقال جديد بحق هؤلاء دون إخلاء سبيلهم، لذا فإن إطلاق سراح تلك الفئة من المعتقلين بعد الثورة لم يكن ليمثل أي عقبة، لكن المشكلة الأكبر التي واجهت المجلس العسكري تمثلت في العدد الأقل من الجهاديين الذين كانت قد صدرت أحكام قضائية بإدانتهم وسجنهم، بل في بعض الأحيان بإعدامهم شنقًا دون أن تنفذ تلك الأحكام، في إطار التفاهمات بين الأجهزة الأمنية والجماعات المسلحة التي أعلن أغلبها مبادرة لوقف العنف في نهاية التسعينات، وفي بعض هذه الحالات، أصدر النائب العام فجأة قرارات بوقف تنفيذ عقوبة بعضهم لأسباب صحية، وسمح المجلس العسكري لبعضهم الآخر بتقديم تظلمات ضد أحكام كانت قد صدرت بسجنهم أو إعدامهم من محاكم الطوارئ أو من محاكم عسكرية «بعد محاكمات غيابية في الكثير من الأحيان»، وهي تظلمات قبلها المجلس العسكري بسرعة، ومنح مقدميها الحق في إعادة محاكمتهم، وانتهت المحاكمات الجديدة عمومًا بتبرئتهم وإخلاء سبيلهم، وعملت المحاكم العسكرية بنشاط طوال عامي 2011 و2012، فراجعت أحكامًا قديمة، وقبلت طعونًا، وأصدرت أحكامًا بالبراءة على متهمين، كانت قد صدرت أحكام بسجنهم أو إعدامهم عن محاكم عسكرية أيضًا.

على مدى الأعوام العشرين الأخيرة من حكم مبارك، مثل محمد الظواهري، شقيق زعيم تنظيم القاعدة، والذي كان حكم قد صدر بإعدامه غيابيًّا من محكمة عسكرية عام 1999 في القضية التي عرفت باسم «العائدون من ألبانيا»، بتهم التآمر بتنفيذ أعمال إرهابية والسعي لقلب نظام الحكم، وكان الظواهري قد جرى القبض عليه في الإمارات، حيث كان يعمل مهندسًا عام 1999، وجرى ترحيله إلى مصر بعد أن قضى في سجون الإمارات قرابة أربعة أشهر، وفي عام 2011 أخلي سبيله بعد أن سمح له فجأة بالطعن على الحكم، ثم قررت محكمة عسكرية قبول طعنه وأمرت بإلغاء الحكم في يونيو (حزيران) من العام نفسه(14) ، أو محمد شوقي الإسلامبولي من تنظيم الجهاد، وهو شقيق خالد الإسلامبولي الذي اغتال السادات(15) ، ومصطفى حمزة القيادي في الجماعة الإسلامية، والمحكوم عليه بالإعدام بتهمة التخطيط لمحاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995، ورفاعي طه، وهو قيادي آخر بالجماعة الإسلامية حكم عليه بالإعدام غيابيًّا عام 1992 في قضية «العائدون من أفغانستان» بتهمة الانتماء لتنظيم محظور والسعي لقلب نظام الحكم.

وفي الأول من مارس (آذار) 2011 وبعد ثلاثة أسابيع من تنحي مبارك، أصدر المجلس العسكري قرارًا بالإفراج الصحي عن خيرت الشاطر وشريكه حسن مالك، بعد قضاء ما يقرب من أربع سنوات وربع السنة من الحكم عليهما بسبع سنوات في القضية 2 لسنة 2007 جنايات عسكرية، والمعروفة إعلاميًّا بقضية ميليشيات الأزهر (16).
بعد إطلاق سراح معتقلي الطوارئ، وإعادة محاكمة وتبرئة القيادات المحكوم عليها، وجد المجلس العسكري في سجونه أكثر من 100 سجين ينفذون أحكامًا نهائية غير قابلة للطعن، فصدرت أولى قرارات العفو الرئاسي في 10 مارس 2011 بتوقيع المشير حسين طنطاوي، وشمل القرار 60 مسجونًا، جميعهم من الإسلاميين، ووصفهم القرار بـ«المحكوم عليهم سياسيًّا»، في اعتراف نادر من الدولة بتسييس محاكمات الإرهاب في عهد مبارك، وكان أشهر السجناء الستين الحاصلين على العفو بموجب قرار مارس 2011، الشقيقين طارق وعبود الزمر، المحكوم عليهما في قضية اغتيال السادات، والمحسوبين وقتها ضمن أقدم السجناء الإسلاميين وأهمهم، وقد تداولت وسائل الإعلام قبل العفو عنهما رواية تقول إنهما رفضا الهروب من سجن ملحق مزرعة طرة أثناء الثورة مع غيرهم من السجناء الهاربين.

اللافت للانتباه أن إجراءات إعادة المحاكمات العسكرية وتبرئة القيادات التاريخية للجهاد والجماعة الإسلامية استمرت أمام القضاء العسكري، حتى بعد تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، وبالتالي بعد تولي عبد الفتاح السيسي منصب وزير الدفاع المسئول عن التصديق على كافة الأحكام العسكرية، وصاحب سلطة إلغائها أو تعديلها أو الأمر بإعادة المحاكمة، فقد قامت وزارة الداخلية في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 بإخلاء سبيل أحمد سلامة مبروك، أحد مؤسسي تنظيم الجهاد في السبعينات، ولم يكن لهذا القرار أن يصدر ـبعد مرور ثلاثة أشهر على تولي السيسي للقيادة العامة للقوات المسلحة- دون موافقة مباشرة من السيسي شخصيًّا.

لم يكتف المجلس العسكري بسعيه الحثيث إلى الإفراج عن الجهاديين بكل الطرق الممكنة، بداية من إلغاء قرارات الاعتقال الإدارية التي صدرت بحق بعضهم، ومرورًا بقرارات النائب العام المفاجئة بوقف تنفيذ الأحكام القضائية التي صدرت بحق بعضهم، وسماح المجلس العسكري لبعضهم الآخر بتقديم تظلمات ضد أحكام كانت قد صدرت بسجنهم أو إعدامهم من محاكم الطوارئ، أو من محاكم عسكرية، وانتهت المحاكمات الجديدة عمومًا بتبرئتهم وإخلاء سبيلهم، وانتهاءً بقرارات العفو الرئاسي التي أصدرها المشير طنطاوي بحق 60 مسجونًا، وجد المجلس العسكري أنهم ينفذون أحكامًا نهائية غير قابلة للطعن، فلجأ إلى منحهم العفو الرئاسي، وإنما فتح الباب لعودة 3 آلاف جهادي إلى مصر من أفغانستان، والشيشان، والبوسنة والهرسك، والصومال، وكينيا، وإيران، ولندن، بعد رفع أسمائهم من قوائم ترقب الوصول (17).

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد