الشاطر رئيسًا

قبل يومين فقط من فتح باب الترشح لانتخابات الرئاسة، وفي 8 مارس (آذار) 2012 قضت المحكمة العسكرية العليا بإسقاط الأحكام السابقة عن اثنين من قيادات الإخوان: أسعد الشيخة، وأحمد عبد العاطى. واللذين كانا قد حكم عليهما بالسجن خمس سنوات غيايبًا في القضية التي عرفت إعلاميًا بقضية (ميليشيات الأزهر)، والتي سجن على إثرها خيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة، وحسن مالك رجل الأعمال الإخواني، ونحو 40 من قيادات الجماعة، وبعد أقل من أسبوع واحد، وفي 15 مارس 2012 أصدرت المحكمة العسكرية العليا حكمًا آخر برد اعتبار خيرت الشاطر من عقوبة الحبس خمس سنوات، في القضية رقم 8 لسنة 1995 جنايات عسكرية، المعروفة إعلاميًا بـ«قضية مجلس شورى الجماعة، وبالتالي سقوط كل العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم السابق، وسرت أخبار غير مؤكدة أن هذا الحكم جاء نتيجة لاتصالات أجراها محسن راضي عضو الجماعة ونائب مجلس الشعب السابق باللواء محسن الفنجري عضو المجلس العسكري، بدأت في مارس 2011، وطلب منه ضرورة إقناع المشير بإصدار عفو شامل عن الشاطر (19).

أثار حكم المحكمة العسكرية العليا الشكوك في نوايا المجلس العسكري، وكأن المجلس العسكري كان يدفع الإخوان دفعًا نحو الكرسي، حتى أن إحدى بنات خيرت الشاطر كتبت على حسابها الشخصي على فيسبوك تقول إن هذا الترشح جاء نتيجة اتصال المشير طنطاوي بوالدها (20)، على الرغم من أن المجلس لم يضيع فرصة إلا وأكد فيها أنه الحامي للدولة المدنية.

الأغرب أن الشاطر نفسه هو الذى قاد حملة شعواء ضد عبد المنعم أبو الفتوح، عندما أعلن هذا الأخير عزمه على الترشح، حتى قيل إن قيادة الجماعة قامت بإرسال وفد من اثنين أو ثلاثة من الإخوان إليه لإثنائه عن عزمه، لكن الوفد لم يوفق في مهمته، وحتى تبدو الجماعة أمام قواعدها ملتزمة بالحسم والحزم اللازمين، وأنه لا يوجد أحد مهما كانت قامته فوق المساءلة، انتهى المجلس في اجتماعه الدوري يوم 18 يونيو (حزيران) 2011 إلى اتخاذ قراره بفصل د. عبد المنعم أبو الفتوح من الجماعة، لمخالفته قرار مجلس الشورى العام، وخروجه عن نظم وقواعد الجماعة (21).

وكرد فعل سريع لحكم رد الاعتبار لخيرت الشاطر، وبعد أقل من أسبوع واحد على رد الاعتبار، تواردت أخبار عن زيارة وفد من الدعوة السلفية بقيادة ياسر برهامي نائب رئيس مجلس إدارة الدعوة السلفية في 21 مارس 2012، للمركز العام لجماعة الإخوان المسلمين، من أجل التوافق حول مرشح يدعمه الإخوان والسلفيون في انتخابات الرئاسة، وعرضت قيادات الدعوة على الجماعة ترشيح خيرت الشاطر، وأنهم سوف يدعمونه حال ترشحه، فخرج صبحي صالح مؤكدًا في بيان يقول: الإخوان لن ترشح الشاطر للرئاسة، ولا نريد أن نبعث رسالة استبداد واحتكار بالسيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأبو الفتوح وضعنا في محك بالغ الخطورة بإعلانه الترشح لانتخابات الرئاسة، ولن نضحي بتاريخنا ومستقبلنا من أجل واقع فرضه علينا فرد واحد.

في السابق رفضت قيادات مهمة داخل الجماعة، بمن فيهم محمد بديع شخصيًا، الإقدام على فكرة الدفع بمرشح إخواني للرئاسة، وتم استبدالها بفكرة تشكيل حكومة ائتلافية يقودها رئيس حكومة اخواني، الأمر الذى سيعطي الجماعة كل الصلاحيات الممكنة للتمكين، مع قدر محدود من المسئولية، يمكنها بسهولة التنصل منه إن ساءت الامور، لكن مسألة الدفع بمرشح إخواني للرئاسة فهو أمر خطير يمكن أن يهدد تاريخ الجماعة بأكمله؛ لأن وجود إخواني على قمة السلطة يجعل الجماعة، بل التيار الإسلامي كله، مسئول عن كل الفشل أو النجاح الذى ستلاقيه الدولة في عهدهم، كما أن أحد أهم الأسباب لتخوف الجماعة من الترشح، هو أن الجماعة تستمد شعبيتها بالأساس كونها تلعب دور ضحية النظام، الأمر الذي لم يعد موجودًا بعد الثورة، إضافة إلى إستحواذ الجماعة على مقاعد الأغلبية في مجلس الشعب ورئاسته، فذلك سيكون كفيلًا بالقضاء على شعبية الجماعة؛ كونها ستظهر أمام الشعب وكأنها تعيد إنتاج الحزب الوطنى مرة أخرى، بصورة جديدة إسلامية.

لكن وبدون مجهود يذكر، أتت الرياح بما تشتهى السفن، وأصبحت الساحة شبه خالية أمام الجماعة، في ظل عدم وجود مرشح قوي يمكن أن ينافسهم، وبات الأمر أشبه بلاعب كرة يقف منفردًا أمام المرمى الخالي من حارسه، ليسدد الكرة ويحرز الهدف الذي طال انتظاره، وأصبح الأمر مغريًا، فقد لا تأتى فرصة ذهبية مثل تلك الفرصة، وبالطبع سالت شهية الشاطر للكرسي.

وبسرعة عقد مكتب الإرشاد جلسة لمناقشة مسألة ترشح الشاطر، انتهت برفض 60% من المشاركين في الاجتماع، لتراجع الجماعة عن قرارها بعدم ترشيح أحد أعضائها للرئاسة، خاصة أن المرشح المحتمل للجماعة هو المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد، مقابل 40% أيدوا فكرة ترشحه، فكان أن تأجلت الجلسة بضعة أيام إلى جلسة أخرى، وما بين الجلستين، قام مكتب الإرشاد بممارسة الضغط على أعضاء مجلس شورى الجماعة لتغيير رأيهم، والتمهيد للرأي العام لفكرة المرشح الرئاسي الإخواني، في 22 مارس 2012 أكد غزلان أن ترشيح الإخوان أحد أفرادها للرئاسة وارد، وفي 25 مارس 2012 أكد محمد مرسي لقناة مصر 25 أن الظروف تغيرت وأصبح من الوارد أن يرشح الإخوان رئيسًا، وفي اليوم التالي 26 مارس أكد بديع الامر ذاته قائلًا: ندرس رغبة الأعضاء في الدفع بمرشح، ومجلس شورى الجماعة سيحسم قرار ترشح أحد أعضائها (22).

في 31 مارس انعقد مجلس شورى الجماعة للمرة الثانية برئاسة المرشد العام د. محمد بديع، وم. خيرت الشاطر، ود. محمود عزت نائبي المرشد، ود.محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، وأحمد سيف الإسلام نجل حسن البنا، وتم منع الصحافيين ووسائل الإعلام من الدخول إلى مقر الاجتماع، وجرى التصويت للمرة الثانية على مسألة ترشح الشاطر، لكن تلك المرة كانت النتيجة مختلفة تمامًا؛ إذ جاءت نتيجة التصويت بموافقة 56 عضوًا مقابل رفض 52 عضوًا، وهذا يدل على أن ما يقرب من نصف أعضاء مجلس الشورى كانوا مدركين لحجم التحديات الداخلية والخارجية التي يمكن أن تواجه الجماعة حال فوز مرشحها في انتخابات الرئاسة (23)، وفي مساء اليوم وبعد نهاية اجتماع مجلس الشورى، أعلنت الجماعة من خلال مؤتمر عام، اختيار خيرت الشاطر نائب المرشد مرشحًا عنها فى الانتخابات الرئاسية، وحفظًا لماء الوجه، أعلنت الجماعة أنه تم الدفع بالشاطر ردًا على رفض تشكيل حكومة ائتلافية بصلاحيات كاملة، وإقالة حكومة الجنزورى والتلويح بحل مجلسي الشعب والشورى، وأعلن بديع أن الشاطر قد تقدم باستقالته من منصب نائب المرشد، تمهيدًا لترشحه لمنصب الرئاسة، بعد علمه بقرار مجلس الشورى وحزب الحرية والعدالة، وتلا الأمين العام للإخوان محمود حسين بيانًا باسم الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة في بداية المؤتمر، برر فيه عودة الجماعة في قرارها بالتحديات التي واجهت الجماعة بعد أن وجدت أن هناك تهديدًا حقيقيًا للثورة وللديمقراطية، مؤكدًا أن الجماعة لا تسعى إلى سلطة من منطلق الوصول إلى منصب أو تحقيق مغنم أو جاه، وتضمن البيان تبريرات للتراجع مثل: محاولات إنقاذ الثورة المخطوفة، ومحاولات عرقلة تأسيس لجنة وضع الدستور من قبل التابعين للنظام البائد، وقال محمد مرسي، الذي لم يكن قد ترشح بعد احتياطيًا للشاطر: إن هذا الموقف ليس تغييرًا لمبادئ الاخوان، ولكن هذا القرار جاء وفقًا للمستجدات الداخلية والخارجية التي دفعت الجماعة لاتخاذه، وصرح المرشد العام محمد بديع بأن مصر تحتاج لمرشح رئاسة قوي، والجماعة اختارت الشاطر ليترشح عنها لرئاسة الجمهورية.

وكرد فعل قوي وبعد مؤتمر إعلان ترشح الشاطر بدقائق، أعلن د. كمال الهلباوى المتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا، استقالته على الهواء مباشرة، في مداخلة هاتفية مع برنامج العاشرة مساء على قناة دريم؛ اعتراضًا على ترشيح خيرت الشاطر، بعد 61 عامًا قضاها في خدمة الجماعة، بل حث شباب الجماعة على عدم التورط في التردد والفساد والتخبط داخل الجماعة، مؤكدًا أن هناك صفقات بين الجماعة والعسكري، وفي المقابل خرج محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد، ليؤكد أن كمال الهلباوي، المتحدث الرسمي السابق باسم التنظيم الدولي للإخوان في الغرب، ليس عضوًا بالجماعة حتى يستقيل منها، ومسألة استقالته ليست إلا فرقعة إعلامية!

وفي صباح اليوم التالي 1 أبريل (نيسان) أصدر خيرت الشاطر تصريحًا قال فيه: لم أتطلع يومًا لأي منصب، ولا أستطيع إلا قبول قرار الجماعة بالترشح لانتخابات الرئاسة.

صباح الخامس من أبريل، تقدم خيرت الشاطر بأوراق ترشحه إلى اللجنة العليا للانتخابات وبصحبته عبد المنعم عبد المقصود، محامى الجماعة، وسط حشد من أعضاء الجماعة والحزب، حاملين لافتات تحمل صورًا له مكتوبًا عليها مهندس النهضة خيرت الشاطر رئيسا لمصر.

في اليوم الأخير قبل غلق باب الترشح، وبعد ثلاثة أيام من ترشح الشاطر رسميًا في الانتخابات الرئاسية عن جماعة
الإخوان المسلمين، حمل د. محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة، أوراق ترشحه بكل هدوء ودون أي صخب إعلامي على الإطلاق، وبصحبة عبد المنعم عبد المقصود محامي الجماعة، ودلفوا من الباب الخلفي صباح الأحد 8 أبريل 2012 إلى مقر اللجنة العليا للانتخابات، باعتباره مرشحًا احتياطيًا من قبل الجماعة، التي خشيت أن تؤدي التهم التي أدين بها مرشحها الرئيسي خيرت الشاطر عام 2005 إلى استبعاده، وستثبت الأيام أنهم كانوا على حق في تخوفهم، ولم يهتم أحد بخبر ترشح مرسي، وربما لم يلتفت أحد لهذا الخبر أصلًا، ومن ثم فقد حمل مرسي منذ اليوم الأول اللقب الذي لقبه به التيار الثوري المدني عن جدارة (الاستبن) وما بين ترشح الشاطر ومرسي، وفي 5 أبريل، قدم الفريق شفيق أوراق ترشحه لرئاسة الجمهورية، إلى اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية، ترافقه سيارة ربع نقل تحمل 63 ألف و600 توكيل شعبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد