الجنرال

في الساعة الأخيرة في اليوم الأخير، وفي تمام الساعة 01:35 دقيقة ظهرًا، الثامن من أبريل (نيسان)، وقبل أقل من نصف ساعة على إغلاق باب الترشح، ووسط تعزيزات أمنية مشددة أشرف عليها اللواء حمدي بدين قائد الشرطة العسكرية، وفي ظل تواجد مكثف لمؤيديه وأنصاره، وعدد كبير من رجال الصحافة والإعلام، وبرفقة العقيد أركان حرب حسين شريف، مدير مكتبه، قدم الجنرال الغامض عمر سليمان، نائب المخلوع مبارك، ورئيس جهاز المخابرات العامة الأسبق، أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة مع توكيلات قرر أنها تتجاوز الـ100 توكيل، محدثًا زلزالًا في أرضية المشهد السياسي.

وبدا ترشح سليمان وكأنه دفع بورقة الجيش أمام جماعة الإخوان، وكردة فعل من قبل المجلس العسكري تجاه قرار جماعة الإخوان المسلمين بالدفع بمرشح رئاسي، ومخالفتها لوعودها السابقة، خاصة أن سليمان قد سبق وأعلن صراحة رفضه التام لفكرة الترشح للمنصب، ليحتدم الصراع بين حلفاء الأمس: الإخوان، والمجلس العسكري، على السلطة. وصرح سليمان أنه لم يقرر النزول إلى حلبة المنافسة في الانتخابات الرئاسية، إلا بعد إقدام جماعة الإخوان على ترشيح الشاطر، وأنه اتخذ قراره نزولًا على خشيته من هيمنة التيار الإسلامى بصفة عامة، وجماعة الإخوان المسلمين بصفة خاصة، على جميع مفاصل السلطة في مصر. وبمجرد أن استشعرت الخطر، وأدركت فشل الصفقة مع المجلس العسكري، عادت الجماعة مرة أخرى إلي الميدان، هذا الذي تبرأت منه منذ شهور عندما تأكدت من التمكين والسيطرة، ورفضت المشاركة في مظاهرات (محمد محمود)، و(مجلس الوزراء)، وهاجمت شباب الثورة، والآن تطلب دعم الميدان من أجل مطالب خاصة، فلم تعد المظاهرات الآن تعطل عجلة الإنتاج، ولا الداعيين إليها دعاة الفوضى، وفي 13 أبريل شارك عشرات الآلاف من أنصار جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفى والجماعة الإسلامية في مليونية حماية الثورة، للمطالبة بمنع رجال النظام السابق، وعلى رأسهم اللواء عمر سليمان، والفريق أحمد شفيق، من الترشح لرئاسة الجمهورية وتطبيق قانون العزل السياسى عليهم، وبدت هتافات شباب الجماعة ضد العسكر – حليفهم السابق – مسرحية ومضحكة.

قانون العزل السياسي

وبمجرد إعلان سليمان الترشح، وفي اليوم التالي 9 أبريل تقدم عصام سلطان نائب رئيس حزب الوسط، بمشروع قانون لمجلس الشعب، لتعديل أحكام قانون أنتخابات الرئاسة، لمنع سليمان وشفيق من الترشح، ونص مقترح القانون أنه لا يجوز لمن عمل خلال الخمس سنوات السابقة على تنحي الرئيس السابق في 11 فبراير (شباط) 2011، بأي وظيفة سياسية أو استشارية في الوزارة أو مؤسسة الرئاسة، أو في عمل نيابي، ممثلًا للحزب الوطني الديمقراطي المنحل، أو معينًا بقرار من الرئيس المتنحي، أن يرشح نفسه رئيسًا للجمهورية، أو أن يعمل نائبًا للرئيس أو رئيسًا للوزراء أو وزيرًا لمدة خمس سنوات، تحتسب ابتداءً من تاريخ التنحي المشار إليه، وفي حال الترشح قبل صدور هذا القانون، تلغي جميع إجراءات ترشحه، وتعتبر كأن لم تكن، وفي اليوم التالي مباشرة 10 أبريل أحال النائب محمد عبد العليم داود وكيل المجلس مشروع القانون إلى اللجنة التشريعية، بالرغم من وجود شبه عدم الدستورية بالقانون المقترح؛ لأنه يتعارض مع المادة 19 من الإعلان الدستوري التي تنص على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الافعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون، فحتى لو تم إقرار قانون العزل السياسي لما أمكن العمل به بأثر رجعي.

وفي جلسة مجلس الشعب بتاريخ 12 أبريل، وافق المجلس من حيث المبدأ على تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، ومساء الاثنين 23 أبريل صدق المشير حسين طنطاوي على تعديل القانون المقترح، والمعروف باسم قانون العزل، وفي اليوم التالي مباشرة قررت لجنة الانتخابات الرئاسية في اجتماعها مساء الثلاثاء 24 أبريل، برئاسة المستشار فاروق سلطان رئيس اللجنة، استبعاد المرشح أحمد شفيق رئيس الوزراء الأسبق، من قوائم المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة، بموجب التعديل الذي طرأ على قانون مباشرة الحقوق السياسية، وبعد لحظات كان سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب يعلن للمجلس أثناء جلسته المسائية قرار اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بأستبعاد المرشح أحمد شفيق من الانتخابات الرئاسية، بينما أكد المشير محمد حسين طنطاوى، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أن تصديقه على مشروع قانون بتعديل أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، المعروف باسم العزل إيمانًا منه بأنه صدر من برلمان جاء بإرادة شعبية (24)، قبل أن يعود للسباق الرئاسي مرة أخرى بحكم المحكمة الدستورية العليا، والتي قضت في 14 يونيو (حزيران) 2012 بعدم دستورية قانون مباشرة الحقوق السياسية، المعروف باسم العزل السياسي؛ لأنه خالف مبدأ المساواة أمام القانون؛ إذ تضمن النص المطعون عليه حرمانًا لفئة من المواطنين من مباشرة حقوقهم السياسية، استنادًا إلى سبق توليهم المناصب الواردة فيه قبل تاريخ تنحى مبارك بـ10 سنوات، وقد حصر تلك المناصب فى وظائف معينة دون غيرهم ممن شغلوا المناصب ذاتها خلال مدة سابقة للسنوات العشر المحددة فيه، وبذلك يكون قد تضمن تمييزًا تحكميًا، لا يستند إلى أسس موضوعية.

الشاطر وحازم أبو إسماعيل وسليمان خارج السباق (25)

في مفاجأة مدوية زلزلت المشهد السياسي، وأجبرت جميع القوى على إعادة حساباتهم مرة أخرى، قررت اللجنة العليا لانتخابات رئاسة الجمهورية، يوم 16 أبريل 2012، أستبعاد المرشح خيرت الشاطر من سباق أنتخابات الرئاسة، بالرغم من حصوله على عفو المجلس العسكري في القضية رقم 2 لعام 2007 عسكرية عليا في قضية الميليشيات؛ لأنه لم يرد إليه اعتباره على النحو الذى رسمه القانون في تلك القضية، طبقًا لقانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية، الذى ينص على جواز إصدار حكم من محكمة الجنايات، يقضي برد الاعتبار لمن صدر لهم العفو الرئاسى، على أن يمضي على صدور الحكم 6 سنوات كاملة، أما الشاطر فقد استنزف حقه في الحصول على رد الاعتبار فى القضية رقم 8 لعام 1995، الصادرة من المحكمة العسكرية العليا، ولا يجوز إصدار حكم برد الاعتبار لمواطن إلا مرة واحدة في حياته.

أما حازم صلاح أبو إسماعيل، فقد استُبعد من السباق لثبوت حصول والدته السيدة نوال عبد العزيز نور على الجنسية
الأمريكية، حيث تسلمت اللجنة العليا لانتخابات الرئاسة خطابًا من وزارة الخارجية المصرية، مرفق به صورة استمارة التصويت الخاصة بالسيدة نوال عبد العزيز نور، والواردة إليها من القنصلية المصرية في لوس أنجلوس، من مكتب السجلات التابع للمقاطعة نفسها، وهي الاستمارة التي يستحيل وجودها ما لم تكن صاحبتها مواطنة أمريكية.

أما الزالزال الحقيقي فكان استبعاد اللواء عمر سليمان، نائب الرئيس السابق، الذي قرر الترشح مع أنه قد سبق، وأعلن رفضه للفكرة (26)؛ لأن عدد التأييدات الشعبية الصحيحة المقدمة منه في محافظة أسيوط هو 969 تأييدًا فقط، ولما كانت هذه المحافظة هي المتممة لعدد المحافظات المطلوب منها ألف تأييد، كان فقط ينقصها 31 تأييدًا فقط، وهو ما يعني عدم
استيفاء العدد الضروري للترشح، وبالتالي خروجه من المنافسة، وكأن الرجل قد ترشح قصدًا كي يخرج ومعه خيرت الشاطر وحازم أبو إسماعيل (27).

لم يكن ليتخيل محمد مرسي رئيس حزب الحرية والعدالة، ولا في أقصى شطحات أحلامه، أن يصبح بين عشية وضحاها، مرشح جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات الرئاسة بعد استبعاد الشاطر، فـمرسى الذي لم يُعرف عنه غير السمع والطاعة، كان أشبه بموظف حكومي، بعيد كل البعد عن المناصب القيادية، سواء داخل الجماعة أو خارجها وبمجرد استبعاد مرشح الإخوان الاساسي من السباق، سلّم الشاطر راية الترشح إلى بديله محمد مرسي في مؤتمر عقده حزب الحرية والعدالة بمركز مؤتمرات الأزهر بمدينة نصر، مساء 18 أبريل، وتحولت وسائل الدعاية من الشاطر إلى مرسي، فحذف موقع الجماعة الرسمى صورة الشاطر ووضع مكانها صورة لمرسي، ونسى مسؤولو الموقع حذف جملة الشاطر رئيسًا أسفل الصورة الجديدة التى وضعت لمرسي، وبدلًا عن لقب مهندس النهضة الذى أطلقه الإخوان على الشاطر، استخدمت الجماعة لقب دكتور النهضة إشارة لـ محمد مرسي، وفي مؤتمر تدشين الحملة الانتخابية مساء 1 مايو (أيار) بالغربية، أعلن المرشد العام د.محمد بديع، إعفاء مرسي من البيعة، وأكد بديع أن مرسي لم ينقض عهده مع الله، بينما غير نقض عهده ولم يف بوعده، في إشارة لأبو الفتوح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(25) بالوثائق.. قرارات العليا للرئاسة باستبعاد المرشحين العشرة – موقع المصري اليوم بتاريخ 16 أبريل 2012
(26) (27) كتاب : الاخوان المسلمين بين الصعود والرئاسة وتاكل الشرعية - د.محمد حبيب، النائب الاول السابق لمرشد جماعة الاخوان المسلمين
عرض التعليقات
تحميل المزيد