هارب من السجن على قوائم الترشيح؟

في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011 انتفض المصريون كالعنقاء من تحت الرماد، في مظاهرات عارمة على النظام، وعلى مدى اليومين التاليين حاول النظام وأد المظاهرات في منبتها قبل أن تتحول إلى ثورة تطيح بالدولة العميقة، خصوصًا وسط الدعوات المستفيضة لمظاهرات جمعة الغضب المرتقبة.

وفي محاولة للسيطرة على مشاركة أعضاء الجماعة، ألقى النظام القبض على بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين مساء يوم الخميس 27 يناير، ثم كانت مظاهرات جمعة الغضب النقطة الفاصلة في تحول مسار الثورة، وفي اليوم التالي ووسط الأحداث الساخنة، تمكنت قيادات الجماعة صباح السبت 29 يناير من الهرب من سجن وادي النطرون، قبل أن تذيع قناة الجزيرة الفضائية تسجيلًا صوتيًّا للسجين الهارب محمد مرسي، ينفي فيه أنه قد فر من محبسه بسجن وادي النطرون عنبر ثلاثة في الكيلو 97 طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، قائلًا: «نحن لا نفر»، وادعى أن الأهالي قد فتحوا السجون لتهريب باقي السجناء، ومن بينهم 34 عضوًا من أعضاء جماعة الإخوان، ومن ثم فهو يعلن عن وجوده، ويدعو أيًّا من المسئولين للاتصال به قائلًا: «التليفون موجود»، وعندما سأله مذيع الجزيرة عن هؤلاء الأشخاص الذين فتحوا لهم السجن لتهريبهم، نفى مرسي أي معرفة بهم وقال: «هؤلاء لا نعرفهم البتة» (28).

عقب عودته إلى السجن، وبعد أسبوع من اقتحام السجون أثناء الأيام الأولى للثورة، تلقى اللواء عدلي عبد الصبور، مأمور سجن وادي النطرون في ذلك الوقت، اتصالًا من المسئولين بمباحث أمن الدولة، أخطروه خلالها بتسوية ملفات جميع المعتقلين السياسيين والإفراج عنهم جميعًا، وبموجب ذلك أفرج عن خمسة معتقلين سياسيين ظلوا في السجن بعد اقتحامه، وسرى ذلك القرار على جميع المعتقلين السياسيين بمن فيهم قيادات الإخوان الذين هربوا، والذين كان من بينهم الرئيس السابق محمد مرسي، وقد أكد ذلك في حواره مع صحيفة الشروق في 2013 (29).

في لقاء وزير الداخلية محمد إبراهيم مع الإعلامي خيري رمضان في برنامج «ممكن» على قناة CBC بتاريخ 8 مايو (أيار) 2013 (30) قبل خلع الرئيس محمد مرسي بـ50 يومًا تحديدًا، وجه خيري رمضان سؤالًا مفحمًا لوزير الداخلية قائلًا: «ليه قالوا إن وزارة الداخلية لما بعتت قوائم المسجونين ليلة 29 مكانش فيها اسم الدكتور محمد مرسي؟»، فأجابه الوزير الذي بدا وكأنه لم يكن مستعدًا لهذا السؤال قائلًا: «لأن فعلًا مفيش في كافة، أنا كنت مساعد السجون، تمام؟ ولما الدوشة ديه حصلت والكلام ده.. أنا سألت مساعد السجون: يا بني أوعى يكون عندك حاجة وبتاع ده ومدرج عندك، أصلي كل السي في بتاعه، وكل المدرجين دول على الكمبيوتر في قاعدة البيانات اللي موجودة، قالي: لا والله اسمه مش موجود، معندناش في توقيتنا الحالي أي شيء يقول إن سيادة الرئيس كان موجود في السجن الفلان الفلاني، بالأمانة يعني مش…».

فقاطعه خيري رمضان الذي بدا وكأنه لم يقتنع بالإجابة: «طيب حضرتك بتفسر بإيه وحضرتك كنت مساعد السجون، إن مفيش اسم موجود بس هو كان موجود، وإن الأسماء اللي كانت معاه في نفس التوقيت وهما اتقبض عليهم يوم الخميس، كل الأسماء موجودة إلا اسم الرئيس محمد مرسي؟ اسمه ميبقاش موجود على الكمبيوتر، ومش موجود في الكشوف.. هذا يعني إيه؟». فتلعثم محمد إبراهيم للمرة الثانية وهو يقول: «ما أؤكده لحضرتك إن حاليًا مفيش أي ورقة في قطاع السجون تقول إن السيد الرئيس محمد مرسي كان في سجن وادي النطرون»، فأجابه خيري رمضان بنفاذ صبر قائلًا: «أنا بحاول أخرج من إن هو السيد الرئيس الآن، أنا بحاول أقول إنه في هذه الفترة كان المعتقل المقبوض عليه السجين محمد مرسي»، هنا انتفض الوزير محمد إبراهيم وقاطع خيري رمضان قائلًا: «أقول لحضرتك على حاجة، هو لو أنا عندي أنه كان متواجد وليه قرار اعتقال، طيب ما أنا هاطلعه، هاقول إنه كان معتقل»، فأجابه رمضان: «أليس هذا أمرًا يستحق التحقيق بمعنى إزاي 10 داخلين مع بعض يبقى تسعة موجودين؟ وهذا الاسم اللي أصبح رئيس بالصدفة (ثم تراجع مرتبكًا).. أأ مش بالصدفة في الرئاسة، بالصدفة إن اسمه يتشال؟» فبدأ محمد إبراهيم يتراجع رويدًا عن موقفه قائلًا: «لأن مكنتش متواجد في الحدث عشان أقول لحضرتك إيه اللي حصل، تمام؟ ولكن يمكن حصل لم (جمع) بلا أوراق»، فاستنكر رمضان الرد «للدكتور مرسي تحديدًا؟!».

وللمرة الثالثة لا يجد محمد إبراهيم إجابة شافية يرد بها فيقول: «تأكد.. أن لو فيه ورقة عندي بتقول إنه سيادته كان في سجن وادي النطرون، أنا بنفسي هقدمها»، فحدق به خيري رمضان لثوانٍ لا يجد ماذا يقول إزاء هذا التناقض والإفلاس في الحجج المنطقية، ثم عاجله بالضربة القاضية قائلًا: «طيب برضه مسئولية حضرتك، ألا تبحث أين ذهبت هذه الورقة؟ أو لماذا…»، فقاطعه محمد إبراهيم قبل أن يسأله قائلًا: «سألت والله»، فتساءل رمضان مؤكدًا: «سألت؟!»، فأكد محمد إبراهيم: «والله سألت»، فتساءل رمضان: «وكان الرد؟»، فأجاب إبراهيم: «قال والله ما عندهم حاجة، والله العظيم تلاتة مفيش حاجة في قطاع السجون بتقول إن في هذا التوقيت كان موجود. أنا بحلفلك أهو، ومستعد تشكلوا لجنة»، فقاطعه خيري رمضان ساخرًا: «سيادة الوزير حضرتك اللي تشكل لجان، احنا بنسأل بس»، فضحك الوزير بعصبية.

ويبقى السؤال الحائر حتى الآن، كيف خلت الكشوف وقواعد بيانات وزارة الداخلية من اسم المعتقل محمد مرسي تحديدًا؟ وكيف تغاضى السيد عمر سليمان عن حقيقة هروب السجينين محمد مرسي ومحمد سعد الكتاتني من السجن ليجتمع بهما مع باقي النخبة السياسية في ما عرف باجتماعات الحوار الوطني صباح الأحد 6 فبراير (شباط) 2011؟ وكيف تغاضت المخابرات العسكرية ومديرها في ذلك الوقت اللواء عبد الفتاح السيسي، ووزارة الداخلية ووزيرها في ذلك الوقت اللواء محمد إبراهيم يوسف، ولجنة شئون الأحزاب ورئيسها في ذلك الوقت المستشار فاروق سلطان، عن حقيقة كون السيد محمد مرسي مسجونًا هاربًا من سجن وادي النطرون، حتى لو لم تحمل السجلات والكشوف اسمه؟

أسئلة حائرة تحتاج إلى إجابة.

سنقاتل

أعلن الفريق أحمد شفيق، المرشح المحتمل لانتخابات رئاسة الجمهورية، أنه قرر الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، لأن لديه الخبرة في الحفاظ على علاقات طيبة مع القادة العسكريين، وضمان تسليم سلس للحكم المدني، لأن مصر تحتاج إلى أن يتولى الرئاسة شخص لديه معرفة بطبيعة كل من الحياة العسكرية والمدنية؛ لتحقيق انتقال سلس بعد تولي عسكريين الرئاسة طوال 60 عامًا، مؤكدًا إنه بعد أن كان الجيش مصدرًا لرؤساء مصر منذ عام 1952، بعد الإطاحة بالنظام الملكي، فإن من غير المرجح أن يكون هناك انفصال حاسم، وسيستمر الجيش في السعي للسلطة، حيث إن بعض المدنيين ربما يكونون في عجلة من أمرهم، ويعتقدون أنه بمجرد انتخاب رئيس فإنه سيتصرف بحرية بعيدًا عن الجيش، هذا ليس صحيحًا ولا واقعيًا، وأكد شفيق أنه سيغير الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع الجيش، مضيفًا أنه سيجعل الجيش يدفع ضرائب على الأرباح التي يحققها من مشاريعه، شأنه شأن أي شركة مدنية أو مستثمر في البلاد (31).

وفي تصريح يحتمل أن يكون ردًا قاطعًا على تصريحات شفيق، صرح اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع للشئون المالية، وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة قائلًا: «سنقاتل على مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها، العرق الذي ظلينا 30 سنة لن نتركه لأحد آخر يدمره، ولن نسمح للغير أيًّا كان بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة» ردًّا على دعوات تطالب بضم بعض أرباح مشاريع الجيش للموازنة العامة، وبإخضاع النشاط الاقتصادي للجيش لرقابة برلمانية كجزء من المال العام، أو حتى دفع الضرائب عنها، وعلى مدى عدة ساعات، استفاض اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع للشئون المالية، ضمن ندوة «رؤية للإصلاح الاقتصادي» التي عقدها المجلس يوم 26 مارس (آذار) 2012، في الدفاع عن المجلس العسكري، ضد تحميلهم مسئولية تدهور الأوضاع الاقتصادية، ولم يكتف نصر بذلك، بل حمل جموع المصريين المسئولية قائلًا: «الشعب هو السبب في ما يحدث، الناس ما بتشتغلش ليه؟ مابتشتغلش ليه؟».

وأثنى نصر على دور القوات المسلحة في إنقاذ الاقتصاد المصري من الانهيار، ودعم الاقتصاد عبر فوائضها من مشروعاتها التي رأى أنها «تحقق نجاحًا كبيرًا»، وأشار نصر إلى إن القوات المسلحة قدمت لأجهزة الدولة قروضًا قائلًا «لقد قوينا احتياطي البنك المركزي عبر قرض بقيمة مليار دولار أعطى المركزي ما يعادله بالجنيه لوزارة المالية»، مؤكدًا أن هذه ليست «أموال الدولة، وإنما عرق وزارة الدفاع من عائد مشروعاتها»، وأشار محمود نصر إلى مشروعين دخلت فيهما القوات
المسلحة في الكويت لتطهير الألغام والمشاركة في إحدى عمليات الأمم المتحدة قائلًا: «إنهما درتا ملايين الدولارات، وهذه الأموال ليست من أموال الدولة، ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها لأنه سيخربها، وهذا جهد مخلص أمين وندفع ضرائب عنه، ومن يتعرض لهذا الموضوع يتعرض للأمن القومي المصري»، معتبرًا أن هذا النشاط «لا يخلق دولة داخل الدولة»، وإنما هو «نوع من التفاعل مع مشكلات المجتمع، وضريبة وطنية نقوم بها دون أن يطلب منا»، قبل أن يوزع على الحضور بلوك نوت، يحمل غلافها شعار المجلس الأعلى للقوات المسلحة والآية 55 من سورة يوسف، والتي تقول: «قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ». (32)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد