المحطة الأخيرة

في الثالث والعشرين، والرابع والعشرين من مايو (أيار) من عام 2012، أقيمت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية للمرة الأولى بعد الثورة، بين 13 مرشحًا، بعد استبعاد بعض المرشحين المحتملين من قِبل اللجنة العليا للانتخابات، انتهت بحصول «محمد مرسي» على نسبة 24.78% من إجمالي الأصوات، وحصول «أحمد شفيق» على نسبة 23.66%، ولم يحصل أيّ منهم على الأغلبية المطلقة، بينما حل «حمدين صباحي» في المركز الثالث بنسبة 20.72% من إجمالي الأصوات، بينما أقيمت الجولة الثانية من الانتخابات يومي السادس عشر والسابع عشر من يونيو (حزيران) بين «محمد مرسي وأحمد شفيق»، في انتخابات شابها التزوير والتجاوزات الفجة، والتي كانت كفيلة بإلغاء الانتخابات بأكلمها، أو على الأقل تغييرها من النقيض للنقيض، لكن يبدو أن القائمين على الأمور كان لهم رأي آخر.

وفي تهديدات واضحة وصريحة، ضمنًا وعلنًا، باستخدام العنف، هددت جماعة الإخوان المسلمين، على لسان عدد من قياداتها، بـ«حرق مصر»، في حال خسارة مرشحهم وفوز «أحمد شفيق»؛ مما يعني ضمنًا في رأيهم أن الانتخابات قد شابها التزوير، ففي لقائه على برنامج «نادي العاصمة» على القناة الأولى المصرية مع «أسامة كمال»، أكد «محمد البلتاجي» أنه «لو حدث تلاعب وتزوير في الانتخابات من أجل إعادة إنتاج الماضي، فسنقدم أنفسنا بالآلاف شهداء لاستكمال مسيرة الثورة، ولن نقبل بتزوير الإرادة».(33)

وعلى الرغم أن القيادي الإخواني «خيرت الشاطر» لم يتلفظ بكلمة «حريق» في حواره مع الكاتب الأمريكي «دافيد أغناثويس» في الأيام السابقة لجولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، إلا أنه أكد أن «الثورة المقبلة ستكون أقل سلمية، وأكثر عنفًا في حال فاز شفيق»، ثم تبعه آخرون من أنصار الجماعة وأتباعها، ملؤوا السمع والآذان والأبصار حديثًا في تلك الأثناء عن حرق مصر لو فاز «شفيق»، مستخدمين كل تصريفات الكلمة من «سنحرق مصر» و«سيُحرق المصريون» و«ستحترق مصر» و«ستحرق مصر» في حال فاز «شفيق».(34)

وفي صعيد مصر قام أعضاء منتمون لجماعة الإخوان المسلمين بمنع الناخبين الأقباط في محافظات المنيا وخاصة قرية دير أبو حنس، وسوهاج، وأسيوط، والقرى التابعة، من ممارسة حقهم الانتخابي؛ عن طريق التهديد بالسلاح، والتهديد بحرق منازلهم، ومزارعهم، وتهجيرهم؛ حتى لا يستطيعوا الذهاب إلى مراكز الاقتراع للتصويت لصالح الفريق «أحمد شفيق»(35)، وسط لا مبالاة تامة من السلطات والقوات المسلحة، التي كانت تحكم مصر في ذلك الوقت، والتي من المفترض أنها المسئولة عن تأمين العملية الانتخابية برمتها، ولم تكترث اللجنة العليا للانتخابات لهذه الوقائع، ولم تنظر بعين الدقة في الطعون المقدمة من الفريق «شفيق» في هذا الشأن، وفي 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2014 أمر النائب المصري السابق «هشام بركات» بحظر نشر أي مواد إعلامية تتعلق بالتحقيقات التي تباشرها النيابة، في بلاغات تتهم جماعة «الإخوان المسلمين»، بتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2012، لصالح الرئيس الأسبق «محمد مرسي».(36)

وبالتوازي مع منع الأقباط من الوصول للجان في بعض قرى الصعيد، تسرب إلى المجلس العسكري معلومات تفيد بطباعة حوالي مليون و800 ألف بطاقة انتخابية جرى تزويرها في المطابع الأميرية لصالح المرشح «محمد مرسي»، وتسربت تلك البطاقات إلى اللجان الانتخابية في نحو 16 محافظة، وبالتوازي أبلغ أحد القضاة بمحافظة الشرقية اللجنة العليا للانتخابات بنفس الواقعة، وتلك البطاقات لو تم حذفها من مجموع الأصوات التي حصل عليها «مرسي»، لكانت كفيلة بتقدم «شفيق» وإحرازه للمنصب، فطلبت اللجنة العليا من أجهزة الأمن أن تقوم بتحرياتها في هذا الشأن، لكن لم تستجب سوى جهة أمنية واحدة، وتقاعست باقي الأجهزة الأمنية عن التحقيق بشأن الواقعة، وأن التحريات التي أجرتها تلك الجهة الأمنية، قد فشلت أيضًا في كشف المتورطين في تلك الواقعة، فاكتفت اللجنة العليا للانتخابات بشطب 2154 صوتًا مزورًا لصالح «محمد مرسي»، كما تغاضت اللجنة عن بقية الملاحظات التي تضمنها تقرير الأمن العام. (37) (38)

بعد فوز «مرسي» وفي لقاء الإعلامي «إبراهيم عيسى» مع المستشار «عبد المعز أحمد إبراهيم»، عضو اللجنة العليا للانتخابات، ورئيس محكمة الاستئناف السابق، في برنامجه «هنا القاهرة»، على قناة «القاهرة والناس» (39)، سأله «إبراهيم عيسى» عن واقعة منع الأقباط من التصويت في بعض محافظات الصعيد، فنفى المستشار «عبد المعز» الواقعة وبررها أن الأمر لم يتعد سوى لجنة واحدة، كانت للسيدات فقط، والمنع أتى من الأزواج الذين منعوا زوجاتهم من الانتخاب، والأمر ليس له علاقة بالإخوان من قريب أو من بعيد، فضيق عليه «عيسى» بالسؤال، فعاد المستشار «عبد المعز» مؤكدًا أن اللجنة قد أقتنعت بعدم حدوث واقعة منع الأقباط من التصويت في تلك اللجان، مبررًا تلك القناعة «أن اللجنة العليا للانتخابات قد سألت الأمن»، فبدا على «إبراهيم عيسى» عدم الاقتناع، ثم عرض على المستشار «عبد المعز» جزءًا من كلمة المستشار «فاروق سلطان» من مؤتمر إعلان النتيجة، والخاصة بواقعتي منع الأقباط من التصويت، وتسويد أوراق اقتراع الأميرية لصالح «مرسي»، وتأكيد المستشار «فاروق سلطان» أن اللجنة قد طلبت كافة المعلومات المتاحة المتعلقة بالواقعتين من الأجهزة الأمنية، بيد أنه «لم يصل للجنة سوى تحريات جهة واحدة، حين قعد الباقون عن إمدادها بأي معلومات»، وعاد «إبراهيم عيسى» معقبًا وسأله قائلًا: «سيادة المستشار فاروق سلطان وهو بيحكي عن طلبه من جهات أمنية ولم تستجب إلا جهة واحدة.. إيه الجهات اللي طلب منها ولم تستجب»؟، فتملص المستشار «عبد المعز» قائلًا: «إحنا بنطلب من كل الجهات»، فضيق «عيسى» عليه الخناق قائلًا: «إحنا عندنا الأمن القومي، والأمن الوطني، عندنا المباحث الجنائية… »، فأجاب «عبد المعز» محاولًا التملص مرة أخرى قائلًا: «إحنا بنطلب من كل الجهات، هو جواب واحد مطبوع وبنبعته لكل الجهات»، فضيق «عيسى» عليه أكثر قائلًا: «جهة واحدة اللي أجابت.. اللي هي إيه يافندم»؟ فأجاب «عبد المعز» محاولًا التملص مرة أخرى من الإجابة: «يعني أنا عارف إنها جهة شرطة، بس هل المباحث الجنائية؟ هل المديرية؟ هل الأمن القومى؟ يعنى أنا»، فأجابه «إبراهيم عيسى»: «يعني سيادة المستشار «فاروق سلطان» وهو دقيق في استعمال التعبيرات اللي حضرتك ذكرتها، أكيد يعني وضعتوها سويًا أو اللجنة كلها، قال تقاعس الآخرون أو تقاعد الآخرون، فده معناه أنه بيقول إن فيه جهات لم تقم بواجبها ولم تسلمكم حتى حينه أي تقرير خاص بهذا الموضوع»؟، فأجاب «عبد المعز» مؤكدًا: «كتير من الجهات متعاونتش معانا»، فقال «عيسى»: «معناه أنه مجاش تقرير ويقول إن الواقعة لم يستدل على أي شيء فيها، فمعناه أنه مفيش بحث وتحري حواليها؟ هل اطمأنيتوا لكده تتقفل الواقعة ديه»؟!، فأجاب «عبد المعز» محاولًا تغيير دفة الحديث إلى موضوع آخر: «أنا فاكر كويس قوي.. فاكر كويس قوي قوي يعني.. قالوا إن القرية ديه… »، فقاطعه «عيسى»: «لأ دلوقتي أنا بتكلم على المطبعة الأول»، فرد «عبد المعز» باندهاش: «بتتكلم على المطبعة»؟، فأجابه «عيسى»: «أنا بتكلم على المطبعة الأول، إحنا عندنا تلات وقائع»، فرد «عبد المعز» باندهاش: «المطبعة؟ أقولك أنا على المطبعة، إحنا طبعنا في مطبعتين، في المطابع الأميرية، وفي مطابع الشرطة، والورق اللي فيه كلام ده (يقصد البطاقات المثار بشأنها واقعة التسويد) كله طالع من المطابع الأميرية»، فقاطعه «عيسى»: «ده كله ميجيش ألفين ورقة»، فقاطعه «عبد المعز» قائلًا: «بقى مطابع الشرطة ديه ملناش دعوة بيها، وبعدين تم السيطرة على كل الورق اللي هو خارج البتاعة ديه وتحريره»، فأجابه «عيسى» بدهاء: «ما هو ده يا فندم الورق اللي تم السيطرة عليه أو الإمساك بيه، أما أصل الواقعة لم يتم فيها أي نوع من أنواع التحري ولا التقصي إنما مش عارفين الواقعة إيه»؟، فأجابه «عبد المعز» محاولًا إخلاء مسئوليته قائلًا: «إحنا بعتناها للنيابة العامة.. جهات التحقيق.. إحنا مبنحققش»، فأجاب «عيسى»: «الجهات اللي بعتت لحضرتك.. مفيش حاجة اتبعتت»، فأجاب «عبد المعز» محاولًا إزاحة المسئولية من على كتفيه للمرة الثانية: «إحنا مش جهة تحقيق، إحنا لسنا جهة تحقيق، جهات التحقيق فى مصر محصورة، فإحنا بلغنا النيابة العامةـ وبعتنالها كل اللي عندنا وتتولى هي التحقيق وتتخذ إجراءاتها»، فأجابه «عيسى» محاولًا تذكيره: «صحيح.. بس حضرتك بتتكلم عن رئيس مصر زي ما أشرت فى أول كلامك، مش رئيس مدينة؛ فمن ثم التحقق من كل أمور العملية الانتخابية كان يستدعي أنه يحصل السادة المستشارون أعضاء اللجنة على إجابات على أسئلة ظلت حاضرة حتى وقتنا الحالي»، فأجابه «عبد المعز» وقد بدا الضيق ونفاد الصبر واضحًا في حديثه: «طيب يعني نعمل إيه يعني؟ ما الوسيلة»؟، فأجاب «عيسى» وقد تملكه الغيظ من الإجابة: «هل ده كان مناط أو سبب أو مبرر بعض أعضاء اللجنة اللي كانوا عايزين يعيدوا الانتخابات»؟ فرد «عبد المعز»: «من ضمن الأسباب اللي اتكلمنا فيها»، فاستدرك «عيسى» متسائلًا: «وكانت الحجة في عدم الإعادة ليه»؟، فأجاب «عبد المعز» بتوتر ملحوظ: «نعيد ليه؟ ما إحنا…»، فأجابه «عيسى» بثقة: «نعيد عشان فيه وقائع لم نلمس لها حقائق»، فأجاب «عبد المعز» وقد زاد توتره «نعيد؟! هاتبقى تكلفة وتأخير وهانوصل لنتايج إيه؟ هانوصل لأيه»؟، فأجاب «عيسى» بثقة: «مش الشرعية تستحق تأخير ونتائج وإعادة انتخاب عشان نحصل على شرعية»؟، فأجاب «عبد المعز» محاولًا التبرير: «ديه الناس واقفة بره عايزه تدبحنا»، فأجابه «عيسى» بسخرية: «أهو.. يبقى إحنا بنتأثر باللي بره يا فندم.. طلعوا اللي بره مؤثرين أهو»، فأجاب «عبد المعز» بضحك محاولًا تخفيف حدة التوتر «عايزين الناس تروح وإحنا نروح».

وبعد أحداث 30 يونيو وخلع «محمد مرسي»، أكد المستشار «عبد المعز إبراهيم» أنه رفض التوقيع على القرار الصادر عن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية بإعلان «مرسي» رئيسًا للبلاد، بصفته عضوًا في اللجنة؛ بسبب أنه قد تناهى إلى علم اللجنة أن هناك بطاقات انتخابية تم تسويدها، وتحديدًا البطاقات القادمة من مطابع الأميرية، ومنع أقباط من التصويت في بعض الدوائر الانتخابية، فاعترض سيادة المستشار «عبد المعز إبراهيم» ومعه المستشار «أحمد خفاجي» على اعتماد نتيجة الانتخابات بفوز «مرسي»، وطالب بإعادة الانتخابات في تلك الدوائر، إلا أن المستشار «حاتم بجاتو» رئيس هيئة المفوضين في المحكمة الدستورية، رفض الأمر، وأبلغه أن فارق الأصوات بين «مرسي وشفيق» مليون صوت، وفى حالة إعادة التصويت في تلك الدوائر مرة أخرى فإنها لن تغطي هذا الفارق في الأصوات، وتم الإعلان عن فوز «مرسي»، وصدر القرار بتوقيع باقي الأعضاء الثلاثة، ولم يوقع عليه المستشار «عبد المعز» ولا المستشار «أحمد خفاجي»، وذلك حتى تعاد الانتخابات في تلك الدوائر المطعون عليها بالتزوير، حيث إن القرار يكون صحيحًا بتوقيع ثلاثة أعضاء، وأصر المستشار «عبد المعز إبراهيم» أنه قد سجل موقفه واعتراضه على عدم إعادة الانتخابات مرة أخرى في تلك الدوائر (40)، و(41)، وذلك بعكس ما قاله في لقائه السابق مع «إبراهيم عيسى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(35) (38) كتاب الجيش والاخوان، أسرار خلف الستار – مصطفى بكري
(37) نص خطاب المستشار فاروق سلطان، رئيس اللجنة العليا للأنتخابات الرئاسية في مؤتمر إعلان نتيجة الانتخابات يوم الاحد 24 يونيو 2012
عرض التعليقات
تحميل المزيد