المشهد الأخير

بعد إرجاء إعلان نتيجة الانتخابات ليومين عن موعدها المحدد، تحول الشارع المصري إلى بركان محموم يوشك على الانفجار في أي لحظة، والرعب يسيطر على الجميع بلا استثناء. الجماعة التي باتت فرصتها التاريخية في اقتناص الحكم توشك على الضياع. الشعب المصري، وعلى رأسهم المسيحيون، الذي بات قاب قوسين أو أدنى من حكم ملالي جديد. التيار الثوري الذي يخشى وصول شفيق للحكم وعودة الحكم العسكري من جديد، وكأن ثورة لم تقم، أو وصول مرسي للحكم وتحمل مخاطرة تحول مصر إلى أفغانستان جديدة.

وأخيرًا تحدد الأحد الرابع والعشرون من يونيو (حزيران) من عام 2012 موعدًا نهائيًّا لإعلان النتيجة النهائية. قبل إعلان النتيجة بنحو ستة أو سبعة أيام، كان المشير طنطاوي في زيارة للسعودية لحضور مراسم جنازة الأمير نايف، وأثناء الصلاة كان يجاور المشير صديق سعودي للفريق شفيق، وبعد الصلاة سأل هذا الصديق المشير قائلًا «ما تطمنا على مصر يا سيادة المشير؟»، فأجابه طنطاوي نصًا «شفيق جاي»، ونقل هذا الصديق تلك الرسالة لشفيق كما حدثت بالفعل.

وفي الحادي والعشرين من يونيو 2012، وقبل ثلاثة أيام من إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، حققت النيابة العامة في تقرير قدمه اللواء أحمد جمال الدين، مدير الأمن العام في ذلك الوقت، ووزير الداخلية لاحقًا، بشأن وقائع التجاوزات الفجة التي شابت الانتخابات، وأدلى جمال الدين بشهادته لمدة تسع ساعات كاملة، أبرزها منع الأقباط من الوصول للجان في مناطق كثيرة لأن أصواتهم كانت محسومة لشفيق بالطبع، وتزوير وتسويد أوراق اقتراح المطابع الأميرية، وذلك بحسب ما أكده الفريق أحمد شفيق وعبد الرحيم علي في لقائين متلفزين، وتم التحقيق في مبنى الرقابة الإدارية في غير مكان وفي مبنى غير مبنى النيابة الرسمي، بينما أنكروا على الصحافة أن النيابة تحقق في هذه القضية، واستمر هذا التحقيق لمدة ستة أو سبعة أيام وحتى يوم 26 يونيو 2012، أي بعد إعلان النتيجة بيومين، ثم توقف بدون أسباب واضحة.

في ليلة إعلان النتيجة الرابع والعشرون من يونيو 2012، وقبل نحو 12 ساعة من موعد إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية المصرية، اتصل الفريق سامي عنان بالفريق شفيق ليبلغه أن «كل حاجة تمام بس ابقى افتكرنا يا فندم»، وبعدها اتصل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء مراد موافي بالفريق شفيق، ليعلمه أن جهاز المخابرات العامة المصرية قد أبلغ بعض أجهزة مخابرات بعض الدول العربية الشقيقة بفوزه في الانتخابات.

وما بين الساعة الواحدة والنصف والثانية فجرًا، تلقى الفريق شفيق اتصالًا من مسئول أمني في مطار القاهرة، يفيد أن مطار القاهرة قد تلقى إشارة من النيابة العامة بمنع سفر أربع قيادات إخوانية، هم خيرت الشاطر وصفوت حجازي وعصام العريان وعصام سلطان، لاتهامهم في قضية تزوير المطابع الأميرية، وفي الثالثة والنصف فجرًا تلقى شفيق اتصالًا آخر من مسئول أمني كبير في وزارة الداخلية، يخبره بفوزه بمنصب رئيس الجمهورية بفارق يزيد عن المليون والنصف صوت عن منافسه محمد مرسي، وهو نفس عدد الأصوات المطعون في تزويرها.

وفي السادسة صباحًا تلقى اتصال آخر من مكتب وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم يوسف، يخبره أن هناك شيئًا ما يدبر في الخفاء في مكتب الوزير، وعليه أن يعرف ما يدبر في الخفاء ضده، فاتصل شفيق بالجنزوري يخبره بما تلقاه من معلومات ليستشيره، لكن الجنزوري لم يكن يمتلك إجابات شافية، وبدا قلقًا إلى حد أنه سأل شفيق في المقابل: «طيب نعمل إيه؟»، وفي السابعة صباحًا تلقى شفيق اتصالًا آخر من نفس المسئول الأمني بالمطار، يخبره أنه قد وصله إخطار آخر تليفونيًا يقول أنه إن حاول أي من هؤلاء الأربع قيادات الإخوانية السابق ذكرهم، السفر والعبور من بوابات المطار، من توقيت تلقي الإخطار وحتى موعد أقصاه الثالثة ظهرًا، وهو ميعاد إعلان النتيجة، فتجاهلوه واتركوه يخرج من المطار بسلام، ولم يبلغه ذاك المسئول الأمني عن الجهة التي تلقى منها ذلك الإخطار الغريب، وفي الصباح اتصل به الصحفي مصطفى بكري مؤكدًا أنه قد تناهى إلى علمه، عبر اتصالاته وعلاقاته، بفوزه في الانتخابات بنسبة 50.7% لصالحه و49.3% لصالح منافسه محمد مرسي، تلاها اتصال من الوزيرة فايزة أبو النجا لتبلغه بالنتيجة ذاتها.

وما بين الساعة العاشرة والحادية عشر صباحًا، استضاف شفيق في بيته اثنين من أصدقائه، أحدهما رئيس إحدى القنوات الفضائية الشهيرة، وبينما هم في ضيافته، تلقى الضيف الآخر اتصالًا هاتفيًّا من «مسئول يُعتمد عليه في وزارة الدفاع» – على حد تعبير شفيق – (في لقاء تال أكد شفيق أن هذا المسئول هو السكرتير الرئيسي للمشير طنطاوي، وفي لقاء آخر أكد أنه أحد مساعدي المشير طنطاوي) يخبره بالنتيجة النهائية 50.7% لصالح شفيق و49.3% لصالح محمد مرسي، وهي نفس النتيجة بعينها التى كانت وصلت لشفيق في السابق من مصادر أخرى عديدة، وحتى من مصطفى بكري بحسب ادعاء هذا الأخير، فتأكد الأمر بالنسبة له أنه هو الفائز بمنصب رئيس الجمهورية، وبعد هذا التوقيت تم تغيير النتيجة لصالح مرشح الإخوان المسلمين، وبحسب تعبير شفيق أن «المجلس العسكري كان مضغوطًا عليه لتغيير النتيجة، والسيد المشير كان عارف إن انا كسبان لغاية وقت قريب جدًا».

وفي لقائه مع عبد الرحيم علي، تراجع شفيق عن تصريحه السابق، فعندما سأله عبد الرحيم عمن يتحمل مسئولية التزوير الذي حدث في نتيجة الانتخابات، أكد شفيق أنه قطعًا يبرئ ساحة المشير طنطاوي، ويحمل المسئولية كاملة للجنة العليا للانتخابات الرئاسية، وفي لقاء تال جمع شفيق وعبد الرحيم علي، سأله عبد الرحيم مرة أخرى عمن المسئول عن تزوير نتيجة الانتخابات، فأجاب شفيق: «يُسأل في ذلك بجاتو»، فأجابه عبد الرحيم علي مستنكرًا: «بس بجاتو كان عضوًا في اللجنة، مكانش رئيس اللجنة»، فأجابه شفيق «يُسأل في ذلك رئيس اللجنة» (42) (43) (44) (45) (46) (47)

صباح الأحد 24 يونيو 2012، تم اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية تحسبًا لأي عنف محتمل، وانتشرت القوات لتؤمن كافة المنشآت الحيوية، وأخليت جميع المصالح الحكومية من العاملين فيها اعتبارًا من الحادية عشر صباحًا، بحيث أصبحت شوارع مصر خالية حرفيًا اعتبارًا من الساعة الواحدة ظهرًا استعدادًا لإعلان النتيجة.

بالتزامن، وصل إلى منزل الفريق شفيق وفد من الحرس الجمهوري مكون من أربعة ضباط يرتدون الملابس المدنية، التقوا الفريق شفيق وعاينوا الفيلا التي يقطن بها بأرض الجولف بالتجمع الخامس، وقاموا برسم خريطة لها، كما عاينوا الفيلات والشوارع القريبة والمحيطة بها، وطلب ضباط الحرس الجمهوري من الفريق شفيق أن يحدد لهم شخصًا يتعاملون معه ساعة وصولهم إلى منزله بعد ظهر اليوم، فاستدعى أحد كبار مساعديه، والتقى الضباط، واتفقوا معه على انتظارهم أمام بوابة الجولف في الواحدة والنصف ظهرًا، وأبلغوه أن حرس الرئاسة سوف يتسلم الأمن في المنطقة بدلًا من الشركة الخاصة التي تتولى ذلك، بما لا يدع أي مجال للشك بفوز أحمد شفيق، فلم يتخذ إجراء مماثلًا مع د.محمد مرسي إلا بعد الإعلان الرسمي للنتيجة

وفي الواحدة والنصف وبحسب الاتفاق، انتظر مساعد شفيق حضور الحرس الجمهوري، إلا أنه لم يحضر، فاتصل بقائد مجموعة الحرس التي حضرت إلى منزل شفيق في الصباح، فأخطره هذا الأخير أن تعليمات صدرت بتوقف قافلة الحرس بالقرب من الجولف انتظارًا لتعليمات أخرى. (48)

كان الفريق شفيق قد طلب من جميع مساعديه في هذا اليوم الانتقال من غرفة العمليات التي كان قد أقامها في منزله إلى قاعة تم استئجارها بفندق «جي دبليو ماريوت» القريب من منزله بالتجمع الخامس، وقال لهم إنه سيحضر إلى هناك عقب إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية لعقد مؤتمر صحفي عالمي، وفي الساعة الثانية عشر ظهرًا، أبلغت حملة شفيق الصحفيين بعقد مؤتمر صحفي في الثالثة ظهرًا، بفندق «جي دبليو ماريوت» يشرح فيه سياساته وبرنامجه الخطوات التي سيلزم نفسه بها أمام الشعب بعد فوزه بمنصب رئيس الجمهورية.

قبيل إعلان النتيجة بقليل تردد أن أحمد شفيق قد تلقى اتصالًا تليفونيًا من شخصية مهمة، يرجح أنها المشير طنطاوي أو أحد من أعضاء المجلس العسكري البارزين، تطلب منه عدم الذهاب إلى فندق «جي دبليو ماريوت» وإلغاء المؤتمر الصحفي، انتظارًا لما سوف تسفر عنه نتيجة الانتخابات، فظل منتظرًا في منزله مع أسرته ينتظر إعلان فوزه.

كان الفيصل في النتيجة هو الأصوات المزورة التي تم طباعتها في المطابع الأميرية والتي قدرت بـ1.8 مليون صوت، فإن تم احتسابها كان مرسي هو الفائز، ولو تم إلغاؤها فإن شفيق سيكون الفائز، لكن اللجنة العليا للانتخابات أكتفت بشطب 2154 صوتًا مزورًا فقط لصالح مرسي، واحتسبت الباقي بدون سبب مقنع، ولم تأخذ بعين الاعتبار كل المخالفات الأخرى وأهمها منع الأقباط من التصويت في الصعيد.

بعد الثالثة بقليل وصل أعضاء اللجنة إلى مبنى الهيئة العليا للانتخابات وسط حراسة أمنية مشددة، وترقب الصحفيون المؤتمر الا أنه قد تأخر عن ميعاده لأكثر من 45 دقيقة، وفي الرابعة الا الربع تقريبًا صعد أعضاء اللجنة إلى المنصة وتسمر المصريون أمام الشاشات، وخلت الشوارع من المارة وسجلت شوارع مصر رقمًا قياسيًا في الفراغ لم تشهده من قبل حتى في أقصى درجات حظر التجول، وبعد دقائق كان المستشار فاروق سلطان يفاجئ الجميع بإعلان النتيجة بفوز مرسي بـ13230131 صوتًا بنسبة 51.76% مقابل 12347280 صوتًا لشفيق بنسبة 48%

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(42) لقاء مصطفى بكري مع الفريق أحمد شفيق على قناة النهار بتاريخ 30 أبريل 2013 في الامارات
(43) لقاء عبد الرحيم علي مع الفريق أحمد شفيق على قناة القاهرة والناس بتاريخ 24 يناير 2013 في الامارات
(44) لقاء عبد الرحيم علي مع الفريق أحمد شفيق على قناة العاصمة بتاريخ 16 يناير 2015 في الامارات
(45) لقاء أسامة كمال مع الفريق أحمد شفيق على قناة القاهرة والناس بتاريخ 11 ابريل 2013 في الامارات
(46) مداخلة الفريق أحمد شفيق مع الاعلامي عمرو أديب وخالد أبو بكر على برنامج القاهرة اليوم على قناة أوربت الاحد 14 يونيو 2015
(47) مداخلة الفريق شفيق مع الاعلامي وائل الابراشي على قناة دريم2 في اليوم التالي الاثنين 15 يونيو 2015
(48) كتاب الجيش والاخوان، أسرار خلف الستار – مصطفى بكري
عرض التعليقات