من بين كبار أدبائنا يستأثر يحيى حقي بمكان خاص في قلبي، يستمد الرجل مكانته من ألسنة عديدة تكلم بها، ومن مواضع عدة أجاد فيها، وكأنه كان يملك أكثر من روح، تحدث الإنجليزية والفرنسية والتركية وترجم عنهم، كتب القصة، والمقال، واشتغل بالنقد، وخاض معارك أدبية، ودافع عن العربية، ووقف وسطًا بين أنصارها وأنصار العامية، فكان أدبه كله دلالة على ثقافة رفيعة، غير أن المميز في حقي على ثقافته الواسعة أنها كانت دومًا للجمهور، غير متعالية عليه أو متحدثة بلغة غير لغته، يكتب فتبدو كلماته سهلة وعباراته رشيقة، تخرج كلها من رحم ذاته حين يكون ذاتيًّا يتحدث عن نفسه، أو من رحم من يتحدث عنهم حين يتحدث عن الناس، فيبدو الإيقاع كله متزنًا عذبًا مصريًّا خالصًا، ولم يكن حقي وحيدًا على هذا الدرب من الثقافة المتزنة الجماهيرية على عمقها الشديد، والحق أن موجات الثقافة المصرية حينها كانت في أغلبها مضبوطة الإيقاع، غير مبتذلة، وفي الوقت ذاته غير معقدة أو متعالية.

ولقد تعاصر كبار رجال الأدب والثقافة والفن في مصر، فعاشت روايات نجيب محفوظ إلى جوار روايات توفيق الحكيم، وقصص يوسف إدريس ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم في قائمة تطول، غير أن القاسم المشترك كان دومًا سلاسة الأسلوب ومصريته، وعلى عمق الفكرة وحسن الحبكة، لم يحتج أيّ من هؤلاء إلى استخدام عبارات غامضة، أو أساليب ملتوية وجمل غير مستقيمة كي يبرهن على ثقافة خاصة، والحق أن التجربة الثقافية المصرية –وهي بكل تأكيد التجربة الأهم عربيًّا- اكتسبت تميزها من كونها إبداعًا خالصًا لأصحابه الذين نجحوا في استيعاب الثقافات والفلسفات المختلفة، وخلطها بروح شعبية وتقديمها في الأخير بلغة وأسلوب بديع، والأصل أن حرفة الكتابة هي حرفة إمتاع يجب أن يكون القارئ فيها مستمتعًا بما يقرأ وإلا تركه، وتصور أن عمق الفكرة مضاد للاستمتاع بها محض وهم، والأصل في الرواية أو القصة أو حتى الكتب غير المتخصصة أنها تكتب لأجل القارئ، لا لأجل الجائزة أو لأجل المجتمع الثقافي المحتفي بأسلوب دون أسلوب، وطريقة غير طريقة.

لماذا أكتب هذا الكلام؟

أكتبه في مواجهة «موضة» الكتابة من أطراف الأنف، الكتابة «الملخفنة» منعدمة الروح، تسمع عن كاتب جيد، فتقرأ له فتجد تشبيهات مستعارة من بيئات أجنبية، وكلمات غريبة، ورص لكلمات متتابعة، ومحاولة تقليد لأسلوب صعب وكأنه الأسلوب الوحيد للكتابة، فيبدو الكتاب في صورته الأخيرة مرقعًا، لا هو أدب عربي يحمل روحًا عربية، ولا هو أدب أجنبي، تكاد تظنه كتابًا مترجمًا لم يحظ بمترجم جيد.
وليست المشكلة -بكل تأكيد- في كيف يكتب هؤلاء، فهم أحرار في الكتابة كيفما أرادوا، ولكن المشكلة تكمن في محاولة تحويل تلك الطريقة في الكتابة إلى قالب ثابت/ إما أن تكتب مثله فتكون عضوًا في جماعتنا الثقافية، أو أن تخالفه فتُطرد من جنتنا المزعومة.
وفي نظري لا شيء أسوأ للأدب من تلك المحاولات الاحتكارية للثقافة، ومن فصل الكتابة عن الجماهير التي من المفترض أن يوجه المنتج الثقافي إليها، وأسوأ ما يمكن أن يفعله المثقفون هو الانفصال عن الشارع، والكتابة من عنبر خاص بهم يدور الحديث فيه عن كانط وكونديرا وكافكا، بينما العالم في الخارج تهزه أرداف «صافيناز» على واحدة ونص، والشارع متروك غنيمة باردة لمن يتحدث بلغة الشارع.

الحل إذًا هو الإجهاز على أفكار احتكار الثقافة غير المجدية في السوق الحر، واستبدال تلك الأفكار البالية بصناعة لجيد يطرد الخبيث، إن اللطم مع كل رواية هابطة تتصدر المبيعات غباء، و «الولولة» مع كل فيلم أو مسلسل يخطف قلوب المشاهدين انعدام عقل، وقد حولت السينما أدب حقي إلى أفلام ناجحة، وشاهدنا رائعة الحكيم «يوميات نائب في الأرياف» على الشاشة، ولقد كان أدب نجيب محفوظ محله الحارة، ولقد كانت عوالمه من تلك التي تفتن المشاهد حيث القوة والنبوت والفتوة وصراع الخير والشر، فما نقص ذلك من قيمته ولا ثقافته ولا عالميته، ولم يحتج أيّ من هؤلاء إلى أن يحبس نفسه في عنبر العقلاء ليدعي علينا ثقافة زائفة، بينما الأسطورة منفردًا بعوالم الحارة، وحيدًا بالشارع يشارك جمهوره لحظاته الحلوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد