لا أدري لم كل هذا الصياح!

والإعراض الشديد، و«ردود الفعل المتشنجة» تلك التي لا تنتهي، عندما تقرر جهة ما في بلد كالمغرب، كيفما كانت، من اليسار أو اليمين، أو حتى الوسط! استضافة شخصية معينة من خارج البلاد، خصوصًا إذا كانت ممن أثير حولها جدال ونقاش واسع، من صنف تلك الشخصيات «المثيرة للجدل»، والتي انتشرت بشكل مهول في بقاع العالم العربي الإسلامي، حتى عادت محط أنظار الآخرين، الذين يتربصون بنا الدوائر.

المهم؛ أنه عندما تقرر تلك «الجهة» استضافة تلك الشخصية «المثيرة للجدل»، لتأطير ندوة علمية ما، فكرية كانت أو دعوية، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتتعالى أصوات المنددين بذلك، وينقسم الناس إزاءها؛ إلى رافض لاستضافتها جملةً وتفصيلًا، وبالتالي؛ يهاجمون بكل وسيلة يملكونها تلك «الشخصية» و«الجهة» التي ستقوم باستضافتها على السواء، وتبدأ معركة السباب والشتائم والتخوين تروج من قبلهم، لا لشيء سوى أنهم لا يوافقون هذه «الشخصية» أفكارها كلها أو جلها، أو لأنهم يعادون فقط الجهة التي استضافته، فتتحمل الشخصية كل ذلك (الوزر) الذي كانت الجهة المنظمة بالأساس، هي من سيتحمله! وإلى مؤيدين، يدافعون عن اختيار الجهة المعينة، وعن الشخصية المستضافة، والثناء عليها، وقد يعمدون إلى مشاركة بعض أفكارها، أو فيديوهات لها، رغم أنهم لم يسمعوا بها/ لها من قبل، أو أنهم لا يوافقونها فيما تذهب إليه، لكن ولاءهم للجهة المنظمة أعمى بصيرتهم، وأنساهم أنهم كانوا بالأمس القريب ربما، ينالون من ذات الشخصية في لقاء ما، أو مجمع معين، أو في صفحات التواصل الاجتماعي. وهناك صنف آخر من عامة الناس، لا يهتم بمن استضاف من؟ همه الوحيد الجري وراء العيش الكريم، له ولذويه، وهذا الصنف يشغل حيزًا كبيرًا في المجتمع!

لنتفق أولًا؛ أن من حق أيًا كان أن يعبر عن رأيه، دون أن يجد في ذلك حرجًا، في حدود الضوابط المعقولة، التي لا تمس الآخرين ولا تعتدي على حقوقهم المكفولة، ومن ثمة؛ فكل هؤلاء الناس سواء المؤيدون أو المعارضون، أو حتى الساكتون، لهم الحق في التعبير عن قبولهم ورفضهم وسكوتهم عن الأمر. إلا أنه أمر لا يستحق كل هذا القدر من الصياح والمواجهة التي لا تغني ولا تسمن من جوع؟

ولكن في المقابل، لنتفق أيضًا؛ أن الذين يصيحون صباح مساء، في الإعلام، وفي المواقع الإلكترونية والاجتماعية، هم بذلك يمارسون وصاية مباشرة على عقول ملايين المغاربة الذين أبدوا رأيهم أو لم يبدوه، ويقررون بنية مبيتة قمع كل أنواع السجال والتلاقح الفكري، ضاربين بعرض الحائط فكرة «الاختلاف وضرورة احترام – الآخر – المخالف»، الذي قد لا يوافق ما يعتقده الآخرون، أو ما يدعون إليه من مشاريع وأفكار، والتي يدافعون عنها باستماتة كبيرة، حد أنهم يخافون من «الكلمة» التي قد تقال في تلك الندوة العلمية المفتوحة للجميع من جهة، والتي لا تلزم أحدًا، من جهة ثانية، والذين يلجؤون عادة إلى التصلب والانكماش على الذات، خوفًا من الأفكار الجديدة الوافدة، ومن زعزعة اطمئنانهم «الساذج».

كل هذا الكر والفر والتربص بالآخر، الذي يحدث بين مختلف التيارات الموجودة في المجتمع، لن ينفع في شيء أبدًا، ولن يسمح بخلق أرضية نقاش مشتركة، تتقارب فيها الآراء وتتباعد في حدود الدليل والبرهان، وآليات الإقناع والحوار البناء، الذي قد يسهل كثيرًا من الأمور التي كانت صعبة، والذي قد يذيب بعض الجليد الذي يوجد بين مختلف هذه التيارات.

ممن يخاف هؤلاء، عندما يرفضون دخول شخصية «مثيرة» إلى البلد، وإلقاء كلمته التي قد لا تتجاوز في أحسن الظروف ساعتين أو ثلاث ساعات من الكلام؟

أظن أن الأمر لا يستحق كل هذا العناء، وليس من الصحي منع دخول أي شخصية كيفما كانت، ولأي توجه أيديولوجي انتمت، إذا كان الأمر فقط يقتصر على النقاش وتداول الأفكار والمشاريع المختلفة، التي قد تكون في حقيقة الأمر صحيحة وفعالة، أو قد تكون مدمرة وهادمة، لكن؛ هذا لا يهم ما دام المخاطبون يملكون عقولًا للتفكير وللتمييز، وللفصل بين الحق والباطل، بين الصلاح والفساد.

أعتقد أن الذين يصرخون في مثل هذه الحالات، يهينون المغاربة من حيث لا يدرون، ويعتبرونهم سذجًا وقاصرين، ومحجورًا عليهم، بحيث لا يحسنون التصرف أمام الأفكار التي سيسمعونها من تلك «الشخصية المثيرة للجدل». ومن ثمة؛ ينصبون أنفسهم حراسًا لأفكارهم من التشويش واللخبطة!

نحن اليوم في عصر متقدم جدًا، عصر صار فيه العالم عبارة عن قرية صغيرة، يمكن معها الاطلاع على أخبار ووقائع العالم كله في ظرف زمني قياسي، ودون أن تتحرك من مكانك، بل يمكنك أن تفعل ذلك فقط من وراء شاشات الحاسوب، أو الهاتف المحمول في كل مكان وزمان، والحال هكذا، سيكون من الغباء حقًا الدعوة إلى منع دخول شخص ما إلى بلد ما، لإلقاء كلمته، خوفًا من فكرة «الاستلاب الفكري» أو «الاستقطاب الفكري» إلى الجماعة الفلانية، أو التيار الفلاني.

قد نتفق، وقد نختلف حول الأفكار المعروضة، لكن من الجفاء ألا نعطي للآخرين فرصة عرضها للتداول والنقاش، ومن المخجل أن يعاير الشخص وينتقص من شخصيته بناءً على اختلافك معه في فكرة معينة!

«إن من الوضوح والمكاشفة؛ أن نتصارح في الخلافات التي توجد بيننا على أن تكون هذه المصارحة سبيلًا إلى تجاوزها، والقضاء على الجوانب السلبية فيها»  (كيف نختلف؟ للدكتور سلمان العودة).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد