ثمة جدل يدور حول مفهوم ومضمون مصطلح البرجوازية الوطنية في العالم العربي عامةً وفلسطين خاصةً، ذلك الجدل الذي يدور حول طبيعة وتركيبة تلك الطبقة البرجوازية التي أصبحت تُسيطر على كافة مناحي المُجتمع تجاه المشروع الوطني الفلسطيني.

فالكاتب الإفريقي المُناهض للاستعمار الفرنسي، فرانز فانون، ضمن كتابه «معذبو الأرض» الصادر في عام 1961م؛ وصف البرجوازية الوطنية بأنها تلك الطبقة الرأسمالية التي تُعزز من نفوذها في ظل الاستعمار، وأنها «مُهمة تاريخية» كوسيط بين شعبها والاستعمار. فهو يصف تلك الطبقة بالغير مُنتجة وطنيًا، فهي ترتبط برأس المال العالمي، فبالتالي هي معادية من حيث المبدأ تجاه مشروع التحرر الوطني، فذلك التحليل لأداء البرجوازية الوطنية في دولة مُستقلة حديثة.

لن أتطرق لخصائص البرجوازية التي تطرق لها التاريخ بعمق عبر حُقب زمنية مُختلفة، بل سنتطرق في مقالنا حول البرجوازية الوطنية الفلسطينية؛ تلك الطبقة التي ظهرت إلى السطح ما بعد توقيع اتفاقية أوسلوا في التسعينات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي غيرت من أهدافها التحررية الوطنية في مرحلة ما بعد وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المُحتلة عام 1967م. فالانتقال من مرحلة التحرر الوطني (الثورة) عبر تجنبها الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتلك المرحلة، إلى مرحلة ما بعد الثورة والاستقلال الوهمي الذي ظن البعض بأنه قد أصبح في مرحلة «الاستقلال الوطني» والبدء في تولي الوظائف التي كانت تقوم بها البرجوازية السابقة في ظل الاستعمار المُباشر، والبدء في حالة التفريغ لطاقات الشعب التابعة لرأس المال الدولي (الاستعماري).

والجدل حول طبيعة وتركيبة البرجوازية الوطنية الفلسطينية تمحورت في طرح الكاتب إبراهيم العبسي حول (اعتبار البرجوازية الوطنية شريحة لها مصالح مع الاحتلال، وعدم جواز اتهامها بالخيانة الوطنية فهم شركاء في مرحلة التحرر الوطني التي نعيشها، وإلا لما تم المناداة بالوحدة الوطنية الفلسطينية لكافة القوى على أساس البرنامج الوطني الموحد)؛ فذلك الجدل الذي أثاره العبسي هو ذات الجدل الذي يشغل التفكير الفلسطيني تجاه البنية الاجتماعية للمجتمع، فأي برجوازية كانت لابد من وجود لها أساس اقتصادي واجتماعي مع مصالح الرأسمالية والامبريالية، ولكن من أجل مصلحة قضيتها وليس العكس.

فالطبقة البرجوازية الفلسطينية التي تعيش في الأراضي المحتلة عام 1967م، هي الطبقة التي انتقلت فكريًا من مرحلة التحرر إلى مرحلة الاستقلال، دون وجود استقلال حقيقي للأرض الفلسطينية، فهي قوة طبقية تسعى إلى زيادة نفوذها من خلال إبقاء الوضع الراهن على ما هو عليها، وإجهاض أي عملية تغيير قد تجعلهم ونفوذهم في تراجع او زوال. فمع قيام السلطة في التسعينات تغيرت ملام البُنية الطبقية الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني أدت إلى تراجع مفهوم وتأثير الأهداف الوطنية التي جسدتها الانتفاضة الأولى في الشعب الفلسطيني لصالح مصالح شرائح حاكمة في المجتمع ضمن سلطة الحكم الذاتي. فتلك التغييرات ترافقت مع سلوكيات وأفكار اقتصادية وسياسية مُغايرة ونقيضة لتلك الأفكار الوطنية التي شهدها المجتمع ما قبل وجود كيان فلسطيني في الأراضي المٌحتلة عام 1967.

فلا يُمكن لتلك الطبقة المُجتمعية (البرجوازية الوطنية) أن تمتلك قرار سياسي مُستقل في ظل حالة التبعية للمجتمع الدولي والبنك الدولي، وسياسة التمويل المشروط التي قبلت بها كأساس بنيوي للكيان الفلسطيني الذاتي من أجل إنمائه.

إن تلك الطبقة لم تُختصر فقط على أحزاب دون اخرى، بل امتدت داخل الأحزاب والحركات التحررية الوطنية التي تأسست في الستينات والسبعينات، وصولًا إلى حركات الاسلام السياسي التي خاضت غمار السلطة بعد حقبة من الزمن. ولم يقتصر الأمر كذلك بل امتدت لكي تُمثل تلك الأحزاب اليسارية التي طالما هاجمت البرجوازية واعتبرتها جزء من الامبريالية الاستعمارية العالمية، وأصبح اليسار في المجتمع الفلسطيني هو جزء من البرجوازية الوطنية عبر سلوكياته المُختلفة، فلم يعد الفكر اليساري الحالي الذي يُمثله قيادات اليسار الفلسطيني هو ذلك الفكر الماركسي اليساري التحرري المُعارض للرأسمالية والامبريالية الاستعمارية.

إن الانحدار السياسي الفلسطيني نحو البرجوازية الوطنية يجعلنا نتنبأ، ولو بشكل جزئي، انحدار مُستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ضمن تلك الأفكار والسلوكيات التي ينتهجها مُمثلي فصائل العمل الوطني الفلسطيني، الوطنية واليسارية والاسلامية، فالفارق بين الأحزاب الوطنية والإسلامية؛ في كون الاخيرة تعقب الأولى بعشرين عامًا أو أكثر لتحذو حذوها نحو الانحدار في المطالب السياسية والوطنية تجاه الشعب الفلسطيني.

لعل انشغال البرجوازية الوطنية الفلسطينية بالمصالح الاقتصادية لها، ورسم الأهداف السياسية للمشروع الوطني الفلسطيني من خلال ثقب تلك المصالح، جعلنا في تراجع كبير تجاه مسيرة نضال الشعب الفلسطيني من أجل التحرر والحصول على دولته المُستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ولم يقتصر الأمر سياسيًا ووطنيًا، بل امتد ليُشكل تراجع على جميع المناحي الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها أفراد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، فتلك الطبقة لم تُعزز من صمود شعبنا على أرضه كأهم ثابت من ثوابتنا الوطنية، بل عززت من التراجع الاقتصادي والاجتماعي له من خلال عدم وجود برنامج شامل يسعى للنهوض والرقي بالمجتمع الفلسطيني – مدنًا وقرى ومخيمات – بل ازداد الفقر والبطالة وتراجع الخدمات الانسانية لمُعظم أفراد الشعب، في ظل ازدياد الخدمات المُقدمة لتلك الطبقة البرجوازية الوطنية المُتحكمة في كافة مصادر الحياة للمجتمع.

لعل الادراك الفكري لدى تلك الطبقة بأننا انتقلنا من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة الاستقلال كان لها الدور الأكبر في تعزيز تلك السلوكيات والأفكار «المُنحرفة وطنيًا» عن مشروعنا الوطني الفلسطيني الذي نصت عليه م.ت.ف. في مبادئها. وساهمت تلك الطبقة في إفراغ الحركات التحررية والفصائل الثورية من مضمونها عبر تخليها عن أهدافها الوطنية من أجل أهدافها السياسية والاقتصادية التابعة للمجتمع الدولي ولصندوق البنك الدولي، وأصبحت القرارات السياسية والوطنية تتشكل من خلال قناة التمويل الدولي التي ترعى الكيان الفلسطيني.

إن تلك الطبقة تسعى بشكل مُستمر لخلق «عدو وهمي» من أجل مُعاقبة المُعارضين لسياستهم وسلوكياتهم، عبر اتهامهم – أي المُعارضين – بالخروج عن الصف الوطني، وحياكة مؤامرة كونية ضد شرعية تلك «النخبة» الحاكمة عبر وصفهم لأنفسهم برواد المشروع الوطني وحدهم، واحتكارهم للريادة في الحُكم والضحية من المُؤامرات لأنفسهم دون غيرهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد