«الوطن هو ألا يحدث هذا كله»، الشهيد غسان كنفاني.

رأس الدولة يحدثنا كثيرًا، بلا خجل في كثير من الأحيان، الفقرة الثابتة في خطابه هي: أريد مزيدًا من الأموال لأجل مزيد من التنمية، أو «لإدخال البهجة على قلوب البسطاء» على حد تعبير صانع البهجة وإله الفرحة في وادي النيل، وتتهاطل قوائم المشروعات في أحاديث فخامته من كل حدب وصوب، بما يوحي أن مصر تتحول إلى تنين اقتصادي، ويا للعجب، تنين يموت مواطنيه غرقـًا في محاولة بائسة لإيجاد مصدر للعيش، المواطنون الجاحدون، الرافضون للمشاركة في مسيرة التنمية المظفرة، يهرولون نحو الهجرة، ويتساءل نيافته: «سايبها وماشي ليه؟ تزعلنا وتزعل أسرتك وتزعل مصر كلها عليك ليه؟ طب ما احنا مش سايبينك خالص، بلدك مصر مش سايباك»، يقتات رأس الحكم على الزيف، يحيا به، يتمرغ في وحل الزيف بلا خجل، الهجرة هي خيار تُدفع إليه الغالبية العظمى من المهاجرين دفعًا، يرحلون عن أسرهم وأصدقائهم وأحبائهم قهرًا، ولا نظن أن السيد الرئيس أو أيًا من بطانته، أو فردًا من تحالفه الطبقي قد عرف معنى القهر، هم سادة القهر في هذا الوطن.

وعلى ذكر الوطن، لم يعد الوطن سوى فكرة، فكرة لا وجود لها سوى في خيال الحالمين، أما في الواقع فإن مصر تتحول باضطراد إلى غابة موحشة، يتذوق سكانها الأضعف الذل والمرارة والقهر والجوع يوميًا، غابة يديرها كبار ضواري رأس المال العالمي عن طريق الوكيل المحلي، التابع المنبطح العميل بطبيعته، الوطن، تلك الكلمة التي ابتذلها الرسميون منذ عشرات السنين، الكلمة التي تُذكر دومًا وبحماس في لحظات التفريط الوطني خصوصًا، تقترن دومًا بفيض من الكلمات العاطفية المزيفة، إن الحكم ينحدر إلى شكل مغرق في الابتذال والسخافة.

ما الوطن إن لم يكن الكرامة والشعور بالسيادة في هذه الأرض؟ من يشعرون بالسيادة في مصر سوى التحالف الطبقي الحاكم: الكمبرادور الضارب بجذوره عميقـًا في كافة مؤسسات الدولة المتنفذة، التجار والسماسرة والشرائح الصناعية الصغيرة داخل الطبقة، وكبار قدامى موظفي الدولة، باختصار، السيادة في هذا الوطن للبرجوازية الكبيرة والمتوسطة والشرائح العليا من البرجوازية الصغيرة، بأي زي، مدنيًا كان أم عسكريًا، سيادة على القابعين في أسفل السُلم الاجتماعي، الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة في الريف والمدينة، وهؤلاء هم الأغلبية العظمى من مواطني مصر.

ما الوطن إن لم يكن حقوقنا الاقتصادية والاجتماعية؟ إن أجيال ما بعد هزيمة يونيو نشأت في حالة اغتراب تام عن الوطن، نتيجة ما حدث من انقلاب طبقي أدى إلى تفكيك كل البُني الوطنية في مصر، سواء المؤسسات الصناعية التي جسدت حالة مقاومة وعداء لكل منتج أجنبي، ومحاولة مستميتة للفكاك من التبعية، أو المؤسسات الثقافية والتشكيلات السياسية الوطنية، المصريون لا يعرفون ما الوطن موضوعيًا، حتى وإن ظل باقيًا كشعور مبهم في ذواتنا، شعور ينتظر الانطلاق في الواقع، لكن الغالب أنك إن تحدثت عن الوطن في جمع من هؤلاء الذين تربوا في زمن الحلم الأمريكي، أجيال التسعينيات وما بعدها، فالأغلب أنك ستصبح مثارًا للسخرية والدهشة، الوطن وطن السادة وليس وطن العبيد، العبد لا وطن له.

توارى الوطن في ظلال الصراع الطائفي الذي انفجر في مصر حين ثُقبت الدولة المصرية بالمعول الساداتي، ظهر التمترس الطائفي بديلًا للتمترس الوطني، وبدلاً من العدو الطبقي ظهر العدو الديني، وُضِعت الدولة المصرية تحت تهديد دائم، وخطر متزايد بسقوطها في ثقب الحرب الأهلية الأسود، التهديد الذي تتعامل مع النخبة الحاكمة بما يليق بسلطة نهب، الجيش جاهز للانتشار في كل أنحاء مصر في غضون 6 ساعات، هكذا إذن، تمامًا كالسيناريو السوري. هناك أيضًا جنحت سلطة بشار الأسد يمينـًا حتى وجدت سوريا نفسها في منزلق لم يستطع الجيش السوري الحيلولة دون الانزلاق فيه، ورغم كل ما يقال عن فارق الإمكانيات، وتركيبة الجيشين، فإن الأكيد أن أعتى القوى المسلحة في الأرض غير قادرة على كبح جماح التناقضات الاجتماعية في حالة نضوجها.

وتسقط قواعد المنطق والاقتصاد السياسي مشلولة حين يتحدث صوت الدولة ورأسها عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، عن ارتفاع الأسعار والفاتورة التي لا يدفعها سوى فقراء مصر، هو يمول العجز بالتضخم ويُسكن التناقض الاجتماعي بمزيد من البنكنوت المطبوع، ثم يُحمل من هم تحت فواتير عبثه وانحيازه الطبقي، المشروعات التي يعلن عنها، لمن تؤول أرباحها؟ من هم مُلاكها؟ يبدو أن موضوع الملكية الاجتماعية ليس مطروحًا على جدول أعمال الحكم، ليس مطروحًا لأنه يمثل هؤلاء المُلاك بالذات، لأن الدولة هي دولة النهابين، وأداة قهر وجباية، الدولة ليست خارج الصراع الطبقي بل هي أداة مباشرة في الصراع بين الأسياد والعبيد، الدولة ليست كيانـًا محايدًا ولن تكون، وهي في حالتنا الراهنة لا تكتسب وضعًا خاصًا، لكنها تتعرض لضغوط خاصة جدًا نتيجة الأزمة التي تعصف بالإمبريالية العالمية، الدولة التي تقبع بين مطرقة المخطط الإمبريالي وسندان التناقض الاجتماعي يبدو بقاءها ضروريًا جدًا بل مسألة حياة أو موت للشعب المصري، هذا البقاء الذي لا يدعمه استمرارها كدولة الكمبرادور، إن بقاء الدولة لا ينفصل عن استردادها من قبل الطبقات الشعبية، لا سبيل لبقاء تلك الدولة في ظل هذا الوضع الاجتماعي، وإن كان إسقاط الفاشية الدينية في يونيو 2013 قد منح مصر فسحة من الوقت للفكاك من بحر الدم، نظرًا للتأثير الطائفي المباشر لجماعة دينية كالإخوان المسلمين، أود التشديد على أن بقاء الدولة المصرية لا يعني بقاء التحالف الطبقي الراهن، بل إن بقاءها يبدو في تناقض مع هذا التحالف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد