بعد أنْ كان –عليه الصلاة والسلام– يعتكف في محراب التأمّل بغار حراء، والذي اختار العزلة فيه على شواغل الأرض وما يتعلّق بها، ليستغرق في النظر والتدبّر في آيات هذا الكون الفسيح، والتي تفرض على العقل البشري أنّ لهذه الآيات المبدعة بنظامها وتصميمها الفريد يدٌ علويّة تقف خلفها، نزل عليه جبريل يحمل إليه أعظم رسالةٍ في هذا الوجود، إنّها الأمانة الكبرى التي غيّرت مجرى التاريخ وقلبت خطّ سيره!

ونحن إذا تأملنا في ما جرى في هذه اللحظات المباركة التي تهزُّ القلوب والأرواح، لمحنا فيها معالم الشِدّة المهيئة لحمل هذه الأمانة الثقيلة، إذ إنّ ما سيواجهه النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم– من جاهلية مستحكمة ضاربة جذورها في أعماق الأرض، تجعل من مهمّته أصعب ما يكلّف به إنسان، فهذه الشدّة إذن –منذ اللحظات الأولى– شدّة لائقة بضخامة المهمة وعظم المسؤولية المتمثلة في قلب وجه الأرض كلّها.

وتروي لنا عائشة –رضي الله عنها– ما جرى مع النبيّ –صلّى الله عليه وسلم– في تلك اللحظات؛ إذ قالت: «فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتّى بلغ مني الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثمّ أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) (العلق)».

ونحن أمام طريقة عنيفة في تبليغ هذا الأمر العظيم الشاق، فهي ثلاث غطّات شديدة، قد بلغت شدّتها لدرجة أنّه –عليه الصلاة والسلام– قد بلغ منه الجهد، ولك أنْ تتخيل شدّتها بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لقد خشيت على نفسي!»، وكأنّ هذه الغطّات الثلاث بشدتها قد وضعت حدًّا فاصلًا بين عهد الرخاوة والدعة والبحبوحة، وعهد حمل الأمانة والتكليف الشاقّ، ثمّ رجع النبيّ إلى زوجه الحنون خديجة، والخوف يحتّل كيانه، مرتجف الفؤاد مرتعد الأطراف يقول:«زمِّلوني زمّلوني». إنّها لحظات رعيبة تلك التي مرّ بها النبيّ –عليه الصلاة والسلام– وهي تلقي في الحسّ شعورًا بأنّ الحكمة الإلهيّة أرادت أن يستشعر النبيّ فداحة المسؤولية التي أُنيطت به، كما أنّها تريد أن يستشعر بها ويستعدّ لها كلّ سالك في طريق هذه الدعوة المباركة في كلّ زمان.

وتمضي عائشة –رضي الله عنها– في سرد القصّة على مسامعنا حينما انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، والذي قال –بعد أن حدّثه النبي بالذي جرى معه-: «هذا الناموس الذي نزّله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، يا ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله: أوَ مخرجيّ هم؟، فقال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». وها هو ورقة بن نوفل يخبر النبيّ بهذه الحقيقة الكبيرة، إنّ هذه الدعوة التي جئت بها، ستواجه الإعراض والمكابرة، وستواجه في سبيلها العداء، بل وسيخرجك قومك من أرضك، إنّه ناموسٌ كونيّ أنْ يواجه كلُّ حاملٍ لهذه الرسالة هذا الإعراض والعداء، فقد واجهه من قبلك رهط الأنبياء الكرام، كما سيواجهه من بعدك كلُّ من حمل لواء رسالتك الخاتمة.

وبهذا يكون النبيّ –عليه الصلاة والسلام– قد أُعدّ الإعداد النفسيّ لحمل هذه الرسالة الثقيلة، فقد لمس ثقلها عمليًّا من غطاتِ المَلَك التي قد بلغت منه مبلغ الجهد، وقد أُخبر بضخامتها نظريًّا عندما أخبره بهذا ابن عمّ زوجه الحنون ورقة بن نوفل، وبهذا يكون النبيّ قد أدرك أنّه يودع حياة الدعة والرخاوة، ويستقبل حياة الجدّ والكدّ التي تليق بضخامة هذه الرسالة، وقد قال النبيّ –عليه الصلاة والسلام– لخديجة مستشعرًا عظمة هذه الأمانة: «مضى عهد النوم يا خديجة».

فهو قولٌ ثقيلٌ إذن «إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا»، وهي أمانةٌ شاقّة ضخمة، ويجب على المرء أنّ يقبل عليها إقبال الجادّ المدرك لطبيعتها، ويجب على المرء أنّ يستعدّ للكفاح في ميادين شتّى، ميدان النفس الإنسانيّة، وميدان الطغاة ممن يقف في وجه هذه الأمانة، إنّه الطريق الطويل، طريق الآلام والابتلاءات والمحن «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ»، فلم يكن بدّ لمن يريد أنّ يسلكه، أنّ يدرك طبيعته قبل أن يخوض غماره.

إنّ من يريد أن يسلك طريق التغيير مرّة أخرى، ومن يريد أن يعيد للتاريخ مجده من جديد، عليه أنْ يدرك هذه الحقائق الضخمة المتعلقة بهذا الطريق، فليس التغيير هديّة سماويّة تتنزل من غير كدٍّ وتعبٍ ونصب، كلّا، ليست هذه طبيعة هذا الطريق، إنّه طريق العواصف الشديدة والصدمات القاسية، إنّه طريق تعب السنين وتغضين الجبين، إنّه طريق الكفاح الدامي، هذه هي طبيعته، وهذه هي معالمه. ومن أدرك طبيعته وصبر عليها، وتحمّل تبعاتها، فإنّ نتيجة إدراكه وصبره ستكون كالنتيجة التي حققها النبيّ وصحبه الكرام، «وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد