ما هي طبيعة الأزمة الجزائرية الراهنة؟ وما هي الحلول المناسبة لها؟

لقد مرت الجزائر بعدة تجارب سياسية عبر تاريخها المعاصر، وفي كلٍّ منها أوجدت السلطة بدائل وطرقًا للتعامل معها، بغض النظر عن نجاعتها وآثارها في المجتمع ومستقبل البلاد، وإذا قايسناها على الأزمة الحالية، فإن هذه الأخيرة تعد أقلها خطرًا وأكثرها سلمًا وتحضرًا من الناحية الشعبية، والتي يجب الاستثمار في مكتسباتها وتحويلها إلى فرصة تاريخية للنهوض الحضاري بالجزائر، والتأسيس لمستقبل زاهر بالعطاء المفعم بالنماء، يعكس بحق مقدرات وكفاءات الجزائر في شتى القطاعات، والتي تبقى في انتظار الأفكار الخلاقة والسياسات المبدعة، والنظام السياسي الفعال الذي يجعل منها سلمًا نحو المعمار الحضاري.

ولهذا وجب التفكير الجدي والمسؤول لإيجاد الحل التاريخي لأزمة النظام السياسي الجزائري، الذي تأسس على أعطاب متراكمة منذ نشأته، وخلق آليات وميكانيزمات جديدة لتسييره وإدارته ضمن مؤسسات أكثر فاعلية ونجاعة، ولا بد على الخيرين في مراكز القرار أن يستمعوا لنصائح العلماء والمتخصصين، ويقفوا موقف صدق ولا ينساقوا وراء نزوات أحزاب الموالاة والمنتفعين أو القوى الدولية المتوحشة. فالأزمة الحالية تضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية ومصيرية لإيجاد الحل الأمثل والأقل سوءًا، حتى وإن لم يكن الأفضل والأحسن، فلا بد أن يكون حلًّا يحقق المطالب الرئيسية للشعب، ويحفظ الحد الأساسي من المصالح، ويقلل الأضرار، ويفتح آفاق التغيير الواعد والإصلاح المرحلي.

ويمكننا في سبيل هندسة الحل الأمثل أن نستأنس ببعض القواعد المقاصدية في الفقه التشريعي الإسلامي، والتي قد تسهم في صوابية التحليل وصقل الأفكار وترشيد الحلول والبدائل المقترحة، ومنها:

– عند الإمكان فلا بد من درء المفاسد جملة، وجلب المصالح جملة. (وهذا مطلب نادر في الفقه السياسي والواقعية الحديثة.)

– عند الاستحالة فالأولوية لدرء المفاسد على جلب المصالح.

– المصلحة الجماعية مقدمة على المصالح الشخصية والفئوية.

– لابد من جلب أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما.

– لا بد من درء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.

– ضرورة دفع المفاسد الكبرى مع جلب المصالح الدنيا عند الاقتضاء.

– ضرورة جلب المصالح الكبرى باحتمال أدنى المفاسد عند الاقتضاء.

– ضرورة العمل على جلب المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليله.

–  ضرورة ترجيح خير الخيرين، ودفع شر الشرين، وأعظم المفسدتين.

وفي إطار عرض الحلول الاستشرافية المقترحة من طرف الباحثين فإنه من الضروري التمييز بين نمطين من الحلول وهما: الحلول السياسية والحلول الدستورية، وهذا لأجل تكييف طبيعة الأزمة الجزائرية ومعرفة أسبابها ومسارها والفواعل المتدخلة فيها، وهو مدخل لازم لإدراك طبيعة الحلول المقترحة وخصائصها وطبيعتها التي يجب أن تتماهى مع طبيعة الأزمة وخصائصها.

أولًا: الحلول الدستورية Solutions constitutionnelles Les

وهي حلول ترتكز على تطبيق مقتضى المواد الدستورية التي يقرر خبراء الفقه الدستوري مناسبتها للحالة الراهنة بصورة صريحة ولا تحتمل التأويل، وهنا يجري الاحتكام إلى النص القانوني الصريح إذ «لا اجتهاد مع النص»، و يظهر لنا إزاء هذا الحل إشكالان جوهريان، أحدهما موضوعي، والآخر موضوعاتي (أي في طبيعة المادة الدستورية):

أ‌- الإشكال الموضوعي: إن أزمة الثقة التي تسبب فيها النظام الحالي، وسعيه طيلة المدة السابقة لإغلاق اللعبة السياسية والتحكم في دواليب السلطة عبر التعديلات المتكررة للدستور، وفق مقاسات تخدم أركان النظام واستمراريته من خلال تعيين رجاله في مختلف المناصب السيادية الحساسة، ووضع قوانين وآليات تجعل السلطة محتكرة بصفة آلية في عصب النظام ودواليبه، جعل من الصعوبة بمكان الالتزام بالتطبيق الحرفي للمواد الدستورية من مثل: المواد المادة 102 و103 و104، التي ستعيد – بصورة حتمية- إنتاج النظام ورجاله بعمليات ترقيعية ظرفية، وهو أمر مرفوض شعبيًّا ومنطقيًّا وأخلاقيًّا؛ لأنه لا يمكن تجديد الثقة في منظومة أو في شخصيات أدت بالبلاد إلى مأزق حقيقي، وكادت تعصف بأمنها واستقرارها وسيادتها، وعبثت بأعلى مؤسساتها الدستورية وهي: مؤسسة الرئاسة الضامنة لاستقرار بقية المؤسسات الوطنية.

1- الإشكال الموضوعاتي: وهنا تطرح إشكالية جمود المواد الدستورية وافتقادها للمرونة اللازمة، التي ترتبط بمتغيرات الزمان والمكان والظروف الاستثنائية، ومن أخطر المعضلات الجوهرية التي قد تنجم عن ذلك، هي تعارض الدستورLa constitution مع الإرادة الشعبية volonté populaire La – كما هو حاصل في الأزمة الراهنة- خصوصًا عند تكرار التعديلات الدستورية وفق أهواء الرؤساء بما يضمن تكريس سلطتهم، لا مصالح الدولة، فلا مناص حينئذ من الاجتهاد السياسي باعتبار أن السيادة الشعبية Souveraineté populaire La هي أسمى من الدستور.

وهذا يتطلب عبقرية فذة في إدارة حوار مجتمعي بين السلطة الحاكمة وقوى التغيير؛ للخروج بالحلول التوافقية، وإيجاد منظور رشيد يتسع للمطالب الشعبية في إطار روح الدستور وفعاليته.

ثانيًا: الحلول السياسية Solutions politiques Les

وهي حلول ليست أفضل من الحل الدستوري، لكن من المؤكد أنها ليست أسوأ من الحلول غير الدستورية، أو الحلول التي لا تحظى بالإسناد الشعبي(المشروعية)، فهي حلول تراعي المطالب الشعبية المتعلقة بمتغيرات الراهن، وضرورات السياق، وإكراهات وتحديات المرحلة، والتي تضيق عنها النصوص الدستورية ولا تستوعبها لاعتبارين هما:

قصور الاستشراف البشري للمآلات البعيدة، فلا يمكنه التنبؤ بالمتغيرات المفاجئة وغير المدركة.

أن الأوضاع الدستورية قد تتدخل فيها نزوات الحكام وتحكمها البراغماتية المصلحية للنظام في احتكار السلطة.

وتتمثل الحلول السياسية: في اتخاذ الإجراءات التوافقية اللازمة التي تمليها الضرورة الوطنية والظروف الاستثنائية، لتحقيق مخرج آمن وسلس من الأزمة التي سببها النظام السياسي وليس الشعب، وذلك من خلال الخرق المتكرر للدستور من طرف الرئيس السابق والقوى غير الدستورية، ومن أخطرها:

– فتح العهدات الرئاسية في 2008 دون استفتاء الشعب.

– ترشيح رئيس مريض وعاجز عن أداء مهامه في 2014 وفي 2019.

– استغلال ختم الرئاسة واتخاذ القرارات باسم الرئيس (انتحال الصفة).

– تشكيل حكومة في 11 مارس (آذار) 2019 من طرف قوى غير دستورية، وفي ظل العجز الصحي للرئيس.

– قيام القوى غير الدستورية بتعطيل المسار الانتخابي في 2 أبريل (نيسان) 2019 بعد استقالة الرئيس بوتفليقة.

وعليه فإن هذه الخروقات غير الدستورية قد يكون من الصعب جدًّا إصلاحها بالحلول الدستورية، ففكرة الحل السياسي مهمة جدًّا في هذا السياق، مع أنه لا يمكن الاقتصار عليها وحدها.

وفي سياق البحث عن مسارات الحل الأمثل لأزمة النظام السياسي الجزائري فأعتقد أن الحكمة والعقلانية تفرض المزاوجة بين المتاح من الحلول السياسية المعقولة، والآليات الدستورية المقبولة، التي لا تصادم إرادة الشعب في التغيير، وهذا ما يتطلب نوعًا من التخريج السياسي، والاجتهاد الفقهي الدستوري لتنزيل الأحكام الدستورية على الوقائع الاستثنائية، وإيجاد الصيغ الجامعة للحلول في إطار توافقي، ولهذا فإن أفضل اقتراح يمكن تبنيه إزاء هذا الظرف العصيب، هو إيجاد توافق بين الاجتهاد الدستوري والاجتهاد السياسي، يضمن تحقيق مطالب الحراك الشعبي والخروج الآمن من الأزمة الحالية التي تسببت فيها القوى غير الدستورية.

ثالثًا: الجمع بين الحلول الدستورية والسياسية Solutions constitutionnelles et politiques Les

وهذا هو المخرج الذي أراه أسلم المخارج وأكثرها توافقًا وحكمة، إذ تفعَّل من خلاله المواد الدستورية في إطار منظورٍ سياسي يضمن شفافية تسيير المرحلة الراهنة ويوطد دعائم الثقة الشعبية بين الشعب ومؤسساته والشخصيات التي ستضطلع بمسؤولية إدارة الأزمة الحالية. والإشكال الجوهري الذي يؤرق كثيرًا من الباحثين والمراقبين هو: مَن يعيّن من؟ وكيف؟

إن هذا الإشكال سيزول في حال توفر «إرادة سياسية صادقة» للذهاب إلى الحل التوافقي من أقصر طرقه، في إطار المادة 7 و8 اللتين تنصان على السيادة الشعبية التي يمارسها الشعب ضمن مؤسساته الدستورية، وفي ظل عدم توفر الشروط الموضوعية لشرعية الانتخابات الرئاسية بسبب المعارضة الكبيرة لها، خاصة مع وجود بعض الولايات رافضة لها، فإن المجلس الدستوري والبرلمان يمثلان أحد المؤسسات الدستورية التي يمارس من خلالهما الشعب سيادته الحرة، فيمكن عبرهما إصدار فتوى دستورية أو تشريع – على غرارا التمديد الذي تم لابن صالح بفتوى من المجلس الدستوري خلافًا للإرادة الشعبية، وكذا مشروع السلطة الوطنية للانتخابات الذي صدق عليه البرلمان- يوضح كيفية تسيير هذه المرحلة الاستثنائية، ويسند مهامها لمجلس توافقي يتمخض بعد حوار مجتمعي واسع وتمثيلي، يكون جامعًا لأطراف المعادلة السياسية وهم: قوى النظام وقوى التغيير عبر ممثليهم، الذين نادى الشعب بأسمائهم منذ الأيام الأولى للحراك، وبعد تقديم تنازلات من الطرفين يتحقق من خلالها انتقال ديمقراطي ولو بصفة جزئية ومرحلية، يتقاسم خلالها الطرفان السلطة على أن تستبعد جميع القوى والرموز الفاسدة، التي ساهمت خلال مسارها السياسي في مأسسة الفساد والإيقاع بالبلاد في أتون الأزمة الحالية.

إن طبيعة الأزمة السياسية تتسم بالمرونة والفجائية، والتغيير المتسارع والتراكمي مثل كرة الثلج، أما المواد الدستورية والقانونية فتتسم بالجمود مع احتمالية التأويل، وعليه فإن الأزمة في الجزائر بوصفها أزمة سياسية بالأساس، فلا بد أن تحل عبر مسارين متكاملين: المسار السياسي والدستوري، وأي تأخر أو تعمدٍ من السلطة المرفوضة شعبيًّا لإجهاض الحلول التوافقية المتاحة، هو ذهاب نحو المجهول، وتوريط للدولة والمجتمع في أتون الأزمة والاضطراب والإفلاس، كما قد يكون ذريعة للقوى المضادة كي تعيد تموقعها وتستغل هذا الوضع الضبابي للالتفات على الإرادة الشعبية، وفرض سياسة الأمر الواقع، أو ذريعة للتدخل الأجنبي وابتزاز السيادة الوطنية بالمساومات والتنازلات المشبوهة، كما حصل مؤخرًا مع البرلمان الأوروبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد