عندما تفتح لك منصة من منصات الكتابة أبوابها للنشر والكتابة، فإن ذلك يعد نوعًا من الاستضافة التي لها أحكامها، والتي ترغمك في كل الأحيان على تشذيب وتهذيب ما تكتب، بما يوافق وما يناسب سياسة تلك المنصة، وفي عالمنا العربي المليء بالتوجس والريبة وحالة «كاد المريب أن يقول خذوني» فإن الكتابة تكون نوعًا من السير في حقل من الألغام؛ ذلك أن أفقنا الثقافي العربي ضيق كسم الخياط، ومن يستضيف منصة الكتابة يقولبها كيفما يشاء، حتى وإن كان بالتلميح الخجل، أو ربما عن طريق الأدب الزائد، وبما أن الضعف والتشرذم سيدا الموقف، فإن ما يلحق ما تكتبه وما تنشره من تنويه يلغي مسؤولية المنصة، ولا يعفي تلك المنصة من المسؤولية في بلاد الحكم الديكتاتوري الشمولي في المنطقة.

ما سبق يعيدنا إلى أس الكتابة، حيث لا بد من تعريفها – كما تراها- تعريفًا جامعًا مانعًا كما يقول الفقهاء، وبما أن التعريف فيه مرونة؛ كونه تابعًا لوجهة نظر الكاتب، فإني أرى الكتابة حالة تفاعلية بحتة مع الواقع المعيش، ولا يمكن أن تكون مهنة، أو رتبة تمنح للشخص؛ أي إن الكتابة وصف لما تراه على طريقتك، بناء على ما تحمله من أفكار ومعتقدات، وعادتنا في المنطقة أننا نحب السجع على طريقة الشعراء، وتحديدًا في تمجيد ما نريد، مدحًا أو قدحًا، وهنا يقع الخطل والزلل، إذ لا يمكن أن تطلب ممن يعالج الأفكار تنظيرًا وشرحًا وتصحيحًا أن يمدح شخصًا أو شيئًا أو يقدحهما؛ إذ إنه يعالج الشخص أو الشيء من ناحية توافقهما مع الفكرة، لا من ناحية ماهيتهما.

وهذا ينسحب على شاعر يهيم في الكنايات، والتشبيهات، وبحور الشعر، إذ لا يمكن قولبته لينظم أرجوزة مبادئ وأفكار جامدة؛ فلغته لا تساعده حينها، وربما تخونه معرفته؛ فيفسد شعره بتكلفه ليطابق القولبة، وكذلك يدخل تحت معادلة الكتابة ناشط يعالج قضايا المجتمع وحياته اليومية؛ فهذا يكتب في عمق الصورة الجزئية للحالة التي يعالجها، وبالتالي إن كتب عن فقير مدقع رأى أن مساعدة الفقير حين الكتابة واجب ديني، وقومي، وأخلاقي، وإنساني، وهكذا مع كل قضية يعالجها. وهكذا دواليك مع كل كاتب حسب اختصاصه الذي يضع نفسه فيه دون غيره.

إذن عندما نكتب، فإننا بصورة ما نعبر عما يختلج في عقولنا وصدورنا، ونريد أن نطرح الأمر كما نراه، لا كما يسوقه أي نظام أو مسؤول، وهنا تكون الصعوبة، إذ إنك عندما تكتب إنما تنحت تمثالًا للواقع كما تراه، فتكون الشروط المسبقة أو المعايير أو الضوابط عبارة عن قالب معد بصورة تجعلنا متشابهين بصورة متطابقة نسبيًّا، وهذا ينافي ما عليه البشر تفكيرًا، واعتقادًا وتصورًا، فالمعايير التي يمكن قبولها على مضض هي المعايير الذوقية، فلا يمكن أن تقبل الكلمات الفجة والبذيئة أو الكلمات التي تمس الشخص لذاته لا لفكره.

ومع انتشار منصات الكتابة وانفتاح الأفق الإلكتروني للنشر، غدت الكتابة ميسرة والنشر أيسر، غير أن مقص الرقيب الناتج عن ديكتاتوريات المنطقة يتسلل لواذًا بين المنصات، ويجعل الكتابة بعض الأحيان نوعًا من التفريغ بينك وبين جهازك الشخصي، لا بينك وبين متابعك، وهذا نوع من العقول الشمولية التي ما زالت تحكمنا شئنا أم أبينا.

والأسئلة حول الواقع الثقافي والفكري والكتابي كثيرة، فمثلًا في عصر يتهرب فيه العرب من ألفاظ الحاكمية، والخلافة، والمفاصلة، هل كان سيد قطب سينشر له حرف؟ وفي زمن الدويلات الجزئية، والفهم الحزبي الضيق، هل كنا سنرى كتابات محمد الغزالي عن الفساد والاستبداد؟ وفي زمن قمع الحريات والشعوب، والانقلاب الفكري والعملي على الربيع العربي -المفترى عليه- هل كان كتاب طبائع الاستبداد للكواكبي سيرى النور؟ وفي زمن حكم الأفراد، وتركيع الشعوب باللقم والرواتب، هل كنا سنسمح لمالك بن نبي أن يقول إن لدينا قابلية للاستعباد؟ وفي زمن السماح لكل فاجر أن يفعل ما يشاء، ويقمع فيه كل راغب في التغيير، هل كنا نسمح فيه لعلي شريعتي أن يصف علاقة الأنظمة بنا بالاستحمار؟

لو استطردنا مع الأسئلة مستحضرين كل مفكر مسلم أو عربي، لوجدنا أن المقام لا يتسع، وأننا في زمن اتساع الأفق المزعوم نمارس ديكتاتورية ثقافية تجعل وضعنا الراهن أسوأ زمن فكري نمر به.

ختامًا، بما أن الكتابة تفاعل مع الواقع، فلا يمكن أن نكون جميعًا نملك وجهة النظر نفسها حول المسألة نفسها، والاختلاف بيننا طبع لازم بصورة فطرية، لا يمكننا تجاوزه، وعليه تكون الكتابة المقولبة نوعًا من ظلم أنفسنا وأمتنا، وتعديًا على طبيعتنا البشرية، والكاتب يعلم أنه سيسأل عن أحرفه المتراصة لتوصيل فكرة ما، والمنصات تخلي مسؤوليتها بالتنويه المذيل لكل مقال، وقصيدة، وخاطرة، فلا مجال إذن لممارسة الفوقية الرقابية، إلا فيما يتعلق بالذوق العام، واللغة الفصيحة، وإلا ففي مواقع التواصل فسحة، والقراء يعرفون أين يجدون ضالتهم.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!