المضاف النوعي والكمي من التمكين الاقتصادي والسياسي للمرأة العربية

تعنى الحركة النسوية الملتزمة أو الماركسية بتحقيق حرية القرار للفرد، انطلاقًا بالنساء، بحيث لا تكبل تطلعاتهن بأطر ومحددات نمطية. فإن اختارت أن تكون ربة منزل، فهو حقها. وإن اختارت الزواج أو لا، فهو أيضًا حقها.

وقد تبدو هذه مسائل سهلة، وليست ذات قيمة للبعض المحافظ، وحتى بعض المتحررين، لكنها على المستوى الفردي تنعكس على حياة المرأة بأكملها، بل على عقود من الأسر والفرض والواجبات المفروضة فرضًا. كما تكرس علاقات السلطة الأبوية المرتبطة بالمنظومة الاجتماعية بمجملها.

الموضوع ليس معزولًا عن الديناميكا السياسية والاجتماعية فيما يخص الفرد كمواطن، والمرأة كفرد، وليس معزولًا عن علاقة الفرد بالدولة والوصاية التي تأتي معها.

في المقابل تسعى هذه الحركة إلى تجنب فخ تجزئة الصراع ضد السلطة الأبوية المتمثلة بالمشروع الرأسمالي والعولمة ووكلائهم، بحيث تتحقق للإنسان حريته؛ ما يعني بالضرورة تحرير المرأة من قيود المنظومة القائمة.

وحتى يتحقق ذلك، فالمعلومية أساسية حتى تدرك المرأة أن خياراتها بيدها، وأن مصيرها تحدده بقراراتها المسؤولة. لذلك فالتعليم يصبح ضرورة قصوى.

من الطروحات الحساسة في المقاربة النسوية عربيًا، الحجاب مثلًا.

أي نعم يرى النسويون أن الحجاب إهانة للمرأة، لكن النسوية الملتزمة تقر بأن المرأة هي صاحبة القرار، فإن أرادت لبس الحجاب فهو قرارها بالضبط كما هو قرارها أن تخلعه.

طبعًا النسوية الفاشية هي تلك التي تسقط حق المرأة في لبس الحجاب أو خلعه لتفرض فكرة أن الحجاب اختراع ذكوري مهين. ورغم أنه قد يكون كذلك، بالذات عندما نرى المجتمعات اليهودية الرجعية مثلًا، وكيف يفرض على النساء اليهوديات الأرثوذكسيات النقاب وأشكاله فرضًا، وتمنع أطفالًا في عمر الزهور من ركوب (البسكليتات) حتى لا يثرن غرائز رجالهن المكبوتين، إلا أن المهم هو أن الحجاب خيار، وليس من حق أحد أن يفرضه من عدمه.

وفكرة الخيار هي الأساس، فخيار الفرد في تحديد مسار حياته وخياراته وآرائه، وكل ذلك ينطوي تحت فكرة الحرية، فكيف نصادر بعض الحريات الأساسية لفئة معينة في المجتمع، ونكافئ أنفسنا على ذلك؟

في سياق ذلك فإن تحقيق القرار وحريته لا يكون فقط في قيادة السيارة أو خلع الحجاب، بل في دعم استقلالية المرأة، وهنا المشكلة.

النسوية والدولة

الواقع هو أن المرأة ليست وحدها في معركة الاستقلالية. فالفرد العربي بشكل عام لا يجد مقومات استقلاله في المجتمع، ما يكرس دور ونفوذ الأسرة الأبوية، مرارًا وتكرارًا عبر الأجيال؛ ما يكرس سلطة الذكر أولًا على المرأة، وثانيًا على بنيه وبناته.

الرجل أيضًا يعتمد بشكل أساسي على الأسرة الأبوية ليتلقى تعليمه النوعي والرعاية الصحية النوعية مثلًا، ما يأتي عادة بقيود تتطلب منه الالتزام بشروط هذه العطايا، التي تحملها الأسرة النواة عوضًا عن الدولة.

بالتالي تكرس هذه العلاقة أولًا لامسؤولية الدولة وقدرتها على تجاهل واجباتها تجاه مواطنيها، لأن أحدًا غيرها تحمل هذه المسؤولية، وتؤكد ثانيًا على مركزية دور الرجل في المجتمع.

عمومًا يفتقر المجتمع لمقومات الاستقلال الفردي ككل؛ ما ينعكس في ظل المجتمع الذكوري بظلمين على المرأة.

فرغم سن جملة من القوانين الداعمة لحقوق المرأة في الأردن مثلًا وآليات متعددة لحمايتها، فما يحدث للمرأة «الناشز» في المجتمع الذكوري المحافظ والعنيف بالذات هو أنها لا تجد مفرًا من ظلمها إلا إلى ظلمات التحفظ الأمني أو العمل المشبوه لكسب قوت يومها في بعض الحالات.

الحل الآخر هو أن تعود صاغرة إلى بيت طاعتها، وقد ردها أهلها لأن المجتمع يعيبها، والأسرة لا تريد أن تحمل خزيها.

في الحالات التي تتمكن فيها المرأة من كسر قيود الأسرة التقليدية والمؤسسة المجتمعية التي تعمل على إعادة إنتاج هذه القيود، فإن الخاسر الأكبر عادة يكون الأطفال.

فلا توجد مؤسسات تمكين جذرية للمرأة في المجتمعات المهمشة محليًا، ولا توجد خيارات أمام المرأة بما يسمح لها بأن تعيش باستقلال، لاسيما أن الطريقة التقليدية في الزواج من مهر وغيره تؤكد على قوامة الرجل في المجتمع الذكوري وعصمته.

وهذا أيضًا ينطبق إلى حد ما على الذكر، بالنسبة إلى أبيه.

في المقابل، لن تعمل الدولة ضد مصلحتها، فهي سعيدة بتحمل مسؤولياتها فقط أمام النصف الذكر من المجتمع، وحتى هذه المسؤوليات فهي لا تتحملها كاملة، وهي سعيدة في أن تتحمل الأسرة عنها وزر تعليم وصحة ومواصلات أبنائها وبناتها.

في أوروبا حارب المواطنون دون كلل لبناء مؤسسات الضمان الاجتماعي والتشغيل، بحيث لا يكون الفرد مقيدًا في مسعاه لاستكمال تعليمه مثلًا، فالتعليم مجاني والصحة مجانية، كما أن هنالك مؤسسات تشغيل لإيجاد فرص عمل للأفراد حتى لا يكونون بحاجة أحد، ذكورًا كانوا أم إناثًا.

الدولة الأوروبية الحديثة، باستثناءات طبعًا، نظمت علاقات الأفراد بالمجتمع في سياق التحرك نحو المجتمع العادل والذي ضغط نحوه النسويون والنسويات في سياق انخراطهم في العمل السياسي الاشتراكي والشيوعي والذي حقق للفرد الأوروبي استحقاقات لا يمكن التنازل عنها اليوم، تضمن للفرد حريته واستقلاله.

في المنطقة العربية، يصبح ضروريًا تحميل الدولة مسؤولياتها، في سياق إعادة تشكيل علاقة الفرد مع الدولة وتحقيق الحريات الفردية الأساسية، والذي لا محالة يمر بحقوق النساء، بل ينطلق منها اليوم.

فالنسوية لم تعد لنا مدخلًا إلى تحرير نصف المجتمع فحسب، بل إلى تحرير المجتمع كاملًا ومواجهة الدولة حتى تقوم بواجباتها تجاه المواطنين.

وبالطبع ليس هذا وحده العائد من تحرير النساء، على أهميته.

المساواة كضرورة واقعية

فلطالما لعب النساء دورًا مفصليًا في الحضارة الإنسانية تاريخيًا، من ملكة تدمر إلى ملكة سبأ إلى الصحابيات والنساء في الدولة الإسلامية الفتية، وليس انتهاء بالشيوعيات الثوريات في عزّ القرن الماضي، ولا قادة حركة الحقوق المدنية السود من النساء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لهؤلاء النساء دور ثقافي واجتماعي وسياسي مهول، لا يقدر بثمن.

هذه الإضفاءات النوعية أدت إلى قفزات في المستوى الحياتي للإنسان والممجتمعات عبر الزمن، لكنها على كبرها لا يمكن قياسها. بالذات إن بعض المناظير تختلف على قيمتها، للأسف. فالبعض مثلًا لا يرى قيمة في الفن أو الثقافة أو العمل السياسي أو الأدب.

وطبعًا هذا المنظور ناقص وسطحي؛ لأن الحضارة تقيم بمنتجها الثقافي والفكري والابتكاري والمعرفي أولًا وقبل كل شيء. لكن فلنركز في سياق التحقق من ضرورة المساواة بين المرأة والرجل على المضاف الكمي، القابل للقياس، كالاقتصاد مثلًا.

عالميًا قدرت مجلة ستانفورد للابتكار الاجتماعي في عام 2016 أن المساواة بين المرأة والرجل في الاقتصاد كان له أن يضيف ما لا يقل عن 28 ترليون دولار على مجمل ناتج دول العالم مجتمعة بحلول عام 2025. فالهدر الاقتصادي الناتج عن تهميش المرأة يناهز ربع قيمة الناتج الاجمالي العالمي.

إقليميًا، لو أن كل دولة عملت على مجاراة النسب الأعلى لانخراط المرأة في سوق العمل في محيطها فقط لارتفع الناتج الإجمالي العالمي بما لا يقل عن 12 ترليون بحلول عام 2025.

فكيف ينعكس ذلك على الاقتصادي الوطني لو أن الدول العربية عملت جاهدة على تمكين المرأة اقتصادية لتنخرط بجد في الاقتصاد الوطني؟ في المقابل تقوم المرأة بحوالي ثلاثة أرباع العمل غير مدفوع الأجر حول العالم، حسب معهم ماكنزي الدولي.

الآن تخيل كيف كان ليكون الوضع في وطنك لو أن النساء في بلادك أحرار فعلًا ومنخرطات في العمل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد