كيف ينتج النص الواحد أفهام متعارضة؟
وهل يمكن أن ينتج النص أفهامًا يصل تضادها إلى استحالة الجمع والتوافق؟

 

وكمثال: كيف ينتج القرآن قراءة مثل قراءة “نصر حامد أبو زيد” في الوقت نفسه الذي ينتج فيه قراءة “بن لادن” وأصدقائه الدواعش؟!

من هذه الأسئلة تنطلق أسئلة أكبر وأكثر شمولًا مثل السؤال الذي يتناول كيفية الحكم على النصوص بشكل عام، وعن مسئولية إنتاج المعنى، هل هي للإنسان أم للنص نفسه؟!

كانت هذه القضية مهبط أقلام العديد من المفكرين في الشرق والغرب، الكل يحاول أن يفهم معايير وضوابط عملية التأويل، فدأبت عديد من العقول على تكوين نظرية تأويلية حديثة كان من أبرز روادها عبد المجيد الشرفي ومحمد الطالبي وأدولف فان هارناك ورودلف بولتمان صاحب النظرية الشهيرة عن نزع الأسطورة عن الكتابات المقدسة.

كان من أهم مبادئ هذه النظرية التأويلية الحديثة أن الوضعية التأويلية التي تعيشها مجموعة معينة تحدد بداهة طبيعة المشاغل والأسئلة التي تُطرح على النص، ولا يخرج عن هذا القانون النص الديني وإن أضفى عليه المنطق الديني عباءة المطلق والمقدس. ويتحدث محمد حمزة في كتابه (إسلام المجددين) عن أهم مكتسبات هذه النظرية فيحدد ثلاث محاور أساسية

أولًا: أن ثمة علاقة جدلية بين المجتمع وقيمه من ناحية، ومستوى المعرفة السائدة فيه ونوعيتها من ناحية أخرى،

وثانيًا: أن القارئ لا ينفك وهو يقرأ يؤول وينتج المعنى بما يتلائم وظروفه العامة والخاصة،

وثالثـًا: أن المعرفة البشرية ليست معطى جامدًا بل هي إبداع مستمر متدفق تدفق الحياة متناغم مع حركة التاريخ في بطئها أو تسارعها.

وهنا يتضح بشكل أكثر وثوقية أن المسئول عن إنتاج المعنى طبقـًا لهذه الرؤية هو الإنسان نفسه، والإنسان فيها هو حجر الأساس، ويؤكد على ذلك أمبرتو إيكو في كتابه الشهير (التأويل بين السيميائيات والتفكيكية) وهو الكتاب الذي أجاب فيه عن إشكالية تعارض التأويلات بالاعتراف بأن كل نص يحتوي على أدوات المجاز اللغوية فإنه نظريًّا يكون قابلًا لعدد غير محدود من التأويلات، والحاكم في اعتبار تأويل ما صحيح أو خطأ هو السياق العام للنص، ومن هذه النقطة بالتحديد يستطيع الفكر الحديث حل إشكالية تعارض التأويلات بالنسبة للنص القرآني، وهو ما سنحاول تطبيقه في واقعنا الملتبس.

بالرجوع إلى المثال الذي سقناه عن خطب بن لادن، نجد بوضوح أن أزمة هذا الخطاب هو إهمال السياق النصي كامل الإهمال، ليكون الاجتزاء على كل المستويات هو سيد هذا الخطاب. نفس هذه الطريقة يتبعها ملاحدة الشرق بطريقة توحي بالجهل المطبق ممن يقدمون أنفسهم في ثوب الحضارة والثقافة. على كل حال يمكننا تقسيم وتفنيد جريمة الاجتزاء كما يلي:

 

أولًا: اجتزاء جزء من الآية:

يمكننا بوضوح الاستدلال على هذا النوع من الاجتزاء في تعامل الفقهاء مع آية “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي…” فالآية بمنتهى الوضوح تتحدث عن شرط لتعدد الزوجات، إلا أن هذا الشرط تم تجاهله عمدًا وجهلًا طيلة قرون كاملة تمت فيها السيطرة على النساء من قبل سلطة ذكورية كانت هي الحاكمة وصاحبة الحق في التأويل في نفس الآن.

ثانيًا: اجتزاء الآية من السياق:

ومثال ذلك – وهو أشهر مثال يستخدمه الأصولويون وهو ما يسمي بآية السيف وهي قوله تعالى: “فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.

يمكن لأي إنسان أن يستلهم من هذه الآية المنفردة كل معاني العدوانية والتحريض على العنف والقتل، وحتى إذلال الناس وإجبارهم على دفع الأموال المصحوب بحالة الاستسلام والصغار. أطلق كثير من المتكلمين على هذه الآية اسم “آية السيف” وجعلوها حجة ومعيارًا في التعامل مع غير المسلمين كافة، فتشكلت ثقافتهم نحو الآخر من هذا المنظور الضيق حتى ادعوا نسخ كل آيات التعارف والمودة التي تعد بالمئات استنادًا إلى مفهومهم لهذه الآية. لكن مهلا، هل هذا فعلًا هو مراد النص وهل هذا حقـًّا ما يرمي إليه المشرع؟!

 

لبيان ذلك يمكننا مراجعة السياق الذي وردت فيه تلك الآية، فالسياق هو العامل الأول في الحكم على أي تأويل للنص بغض النظر عن مدى شذوذه أو قربه من دلالة النص اللغوية. ولا يعنينا إثبات شيء بقدر ما يعنينا إثبات خطأ هذا النوع من القراءات.

 

فسياق هذه الآية يعنى بسرد تفاصيل غزوة تبوك، فلما خرج رسول الله إلى تلك الغزوة، كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودًا كانت بينهم وبين رسول الله، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم، ولم يخن كل المشركين العهد، فنزلت الآيات بأمر الرسول بنقض العهد مع الذين نقضوا، والمحافظة على العهد مع الذين التزموا.

واستكمالًا للحديث عن سياق الآية فإن الآيتين السابقتين لهذه الآية يعطيان البيان الحقيقي والغاية الأساسية من الآية. فقبلها بآيتين يقول تعالى بخصوص من نقضوا العهود: “وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ”.

ثم في الآية التي تسبقها مباشرة يستثني الله عز وجل الذين استقاموا والتزموا بالعهد فقال: ” إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ”.

هكذا وبالتعرض لسياق الآية يتبين زيف كل تلك الادعاءات الفارغة والتي كانت قبل بيان حقيقة السياق شبهات قوية ومدعاة للتشكك في مدى صلاحية النص كمعيار أخلاقي بالأساس.

ثالثـًا: اجتزاء السياق من نص الكتاب:

والمثال الأبرز والأكثر خطورة وتهور هنا هو الحديث عن دعوات تطبيق الشريعة. هذه الدعوة التي تكاد تصم الآذان لا يكاد أحد المنادين بها أن يذكر تحديدًا ما يقصده بتطبيق الشريعة. لكننا من خلال الخطاب الذي يظهر به هؤلاء يمكن أن نستنتج ما يذهبون إليه.

عندما يتكلم عن هذا المفهوم أحدهم فإنه يقصد العشر آيات الخاصة بالحدود وهو يتجاهل أنها في أولويتها لا تتعدى كونها أمرًا ثانويًّا يكاد يكون في زيل اهتمامات القرآن الذي تهتم فيه ستة آلاف آية بالحديث والدعوة إلى العدالة والصدق والانتصار للحق والفضيلة، بينما تتحدث بضع آيات عن الحدود. هكذا يتم اختزال القرآن بكامله في آيات التشريع، ويتم اختزال التشريع في آيات التشريع الجنائي، واختزال آيات التشريع الجنائي في آيات الحدود.

وهذا المنهج يفصل النص الكلي عن مضمونه وأهدافه الكلية ومقاصده الرئيسية.

إن التعامل مع القرآن على طريقة القصيدة الشعرية ليبدو في منتهى الشطط من حيث سهولة التفريق بين خصائص النص القرآني من ناحية والقصيدة الشعرية من ناحية أخرى، فأنت إن أردت اقتطاع بيت شعري من قصيدة فإن الموضوع لن يصبح مستغربًا؛ لأن القصيدة في العموم تتحدث عن موضوع معين وتبقى الوحدات المكونة للنص متمثلة في البيت الشعري معبرة عن نفس الموضوع الأصلي ومنها يستقيم الاستشهاد بأبيات منفردة من القصيدة.

بينما على مستوى القرآن فإن كل إنسان يمر عليه يدرك حجم الخلاف بين البناء التكويني للقصيدة الشعرية والنص القرآني، فوحدة القصيدة هي البيت، بينما يتكون النص القرآني من وحدات هي الموضوع والسياق والسور والتي تتكون بدورها من وحدات أصغر متمثلة في الآيات والفواصل. ومن هنا كان التفرد في السور في الاختصاص بموضوع لكل سورة يجعل من غير المعقول أو الصواب الاستشهاد بالوحدات الأصغر وهي الآيات من دون النظر إلى السياق الحاكم للسورة أو الموضوع محل النظر. ولهذا أيضًا فإن التعرض لأية إشكاليات تأويلية للنص القرآني في حدود وحدة معينة يوجب الانتقال رأسيًّا إلى الوحدة الأعلى كما ذكرنا في المثال السابق.

 

إن التعامل مع النصوص بهذه الطريقة المفرطة في الشذوذ لم يكن فقط حيال النص القرآني، بل شهد هذا النوع من القراءات المتهورة عديدًا من النصوص والكتب خصوصًا للعلماء والمفكرين الكبار، وذلك بالطبع ناتج من حاجة معيار يؤكدون به صحة ما يعتقدون في موضوع ما.

قد يجد أي إنسان مطلع على الثقافة الإسلامية هذا النوع من الاقتباسات المخلة، وقد تجلى في أقصى صوره في تعامل الباحثين مع كتب ابن تيمية، فتجد الإرهابيين يستشهدون بفتاواه الشاذة الواردة في (مجموع الفتاوى)، كما يستشهد به العقلانيون وأصحاب الفلسفات من كتاب (درء التعارض بين العقل والنقل) كأساس قوي للتعامل مع التعارض الحادث بين ظواهر النصوص وقواعد العقل والمنطق. في مثال آخر استطاع هتلر أن يأخذ من نظرية التطور فكرة قتل آلاف مؤلفة من المعاقين بداعى تحسين الجنس الآري في الوقت الذي لم تخطر فيه هذه الفكرة على عقل داروين نفسه! وهكذا الواقع يشهد بأنه لا توجد فكرة أو أيديولوجية معصومة من إمكانية التأويل لصالح الإفساد وسفك الدماء.

هناك أيضًا فرضية أكثر غرابة تدعي أن يكون النص غير قابل للتأويلات، وهي التي يحاول أن يتصدر لها بعض المنتقدين للنص القرآني والتي تتمثل في أن يكون النص حزمة من الأوامر والنواهي التي تجعل الإنسان يقتل عقله من فرط الاختزال وقلة التفكر إزاء النص الذي يحدد للإنسان مسارات حياتية قد تكون سببًا في سعادته، أو قد تمثل العكس تماما.

ولعل هذه النظرة المخلة تحمل أقصى درجات الازدراء للعقل البشري بشكل عام، إذ تقاس الجودة والإبداع لكل نص بحسب قدرته على تحريك ذهن القارئ وتمكينه من التفاعل مع النص والواقع في الوقت نفسه، إلا أن هناك من يكره أن يحكم هذا المعيار النصوص المقدسة بالتحديد!

 

بعد هذه القراءة السريعة نستطيع أن ندرك مدى أهمية دراسة وتعميم هذه الدراسات المعنية بكيفية تناول النصوص والمقدس منها بشكل خاص، إذ تفرض مقتضيات العصر والتطور الثقافي والمعرفي توليد تأويلات متجددة للنصوص تستطيع الوفاء بمتطلبات الحداثة ومقتضياتها وتغير الواقع الثقافي والاجتماعي، في الوقت نفسه الذي تحتم فيه ظروف عالمنا من التمكن من الأدوات التي نستطيع بها مواجهة الأفكار القاتلة التي تغزو عالمنا بين الفينة والأخرى.

من هنا ندرك أن التأويل أصبح ضرورة، قد يفضي التعامل معها بجهل إلى كل أنواع الجريمة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد