مع انهيار المنظومات السياسية العربية الواحدة تلو الأخرى واستفحال التخلف العلمي والتكنولوجي والعسكري والتدهور الاقتصادي والإجتماعي يجد العرب أنفسهم في حاجة لمراجعات عميقة في بنيتهم الداخلية إضافة إلى أحلافهم الخارجية.

ومما لا شك فيه أن عالمنا اليوم قد بلغ درجة من التداخل والاعتمادية على الآخر بحيث يستحيل على أمة أن تنأى بنفسها عن الآخرين اقتصاديا وسياسيا وأمنيًا، فبناء التكتلات والأحلاف واستراتيجيات التعاون أصبح السمة الغالبة على الدول الراغبة بالنجاح في الحفاظ على وحدتها وتحقيق تنمية حقيقية.  لذلك، فإن على العرب والأمم المجاورة لهم أن يعيدوا تقييم توجهاتهم على جميع الصعد، ويتبعوا نصيحة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد في سياسة النظر شرقًا (Look East).

بين آسيا وأوروبا

بعد تراجع الحضارة الإسلامية في القرون الأربعة الأخيرة، تسارعت وتيرة النهضة الأوروبية والغربية عموما بشكل لم تبلغه البشرية من قبل مما جعلهم قبلة الأنظار والأحلاف والأفكار على مدار القرنين الماضيين تحديدًا. وقد أثّر التفوق الأوروبي الهائل على منظومة القيم المشرقية إضافة إلى نظرة المشرقي إلى ذاته وإلى الغرب.

وفي يومنا هذا نرى أن سيادة «الرجل الأبيض» قد بدأ نجمها بالأفول. إلا أنها في أفول لصالح كتلة بشرية ومنظومة حضارية بدأت تعود لسباق السيادة العالمية من جديد، وهي شرق آسيا عمومًا، والصين والهند وآسيان تحديدًا. فمع انطلاق القرن الجديد، بدأ الغرب يتحدث عن القرن الآسيوي، وتثبت الأرقام والإحصاءات أن حديثهم كان في محله.

المعالم الآسيوية

تستخدم كلمة آسيا في العديد من الأوساط الأكاديمية للحديث عن شرق وجنوبي آسيا وأحيانا مع جنوب آسيا. وآسيا عمومًا تقسّم إلى خمس مجموعات حسب التفاعل الثقافي والإقليمي كما يلي: شرق آسيا وتشمل الصين وما جاورها، وجنوب شرق آسيا وتشمل دول منظمة آسيان، وجنوب آسيا وتشمل الهند وما حولها، ووسط آسيا وتشمل الدول ذات الأصول التركية، وغرب آسيا وتشمل العرب والترك والفرس والكرد. ولغرض هذا المقال، سيتم اعتماد المجموعات الثلاث الأولى فقط للدلالة على آسيا.

وفي نهايات القرن الماضي، شهد العالم صعودًا متسارعًا وواثقًا لقوى قادمة من الخلف ومن بين الرماد الذي خلفه الاستعمار الأوروبي لتلك البلاد، لتصل اليوم إلى أعلى مستويات التنافس العالمي على شتى الصعد. وفيما يلي موجز لأهم مجالات التفوق الآسيوي في العقود الأخيرة.

الاقتصاد

لعله من الواضح لأي متابع للنهضة الآسيوية أن الاقتصاد هو العنوان المركزي لها بحيث أصبح المميّز الرئيس الذي يقترن اسمه باسم القارّة الآسيوية، ولم يكن عبثًا وصفُ بعض علماء الغرب القرن الحالي بأنه قرنٌ آسيوي.

ووما تشير إليه الأرقام الإحصائية أن الثقل الاقتصادي العالمي يتجه بثقة نحو آسيا. فبعد أن اتجه غربا في القرون الأربعة الماضية؛ من أنتويرب في بلجيكا مرورًا بأمستردام ومن ثم لندن وصولًا إلى نيويورك، ها هو مركز الجاذبية في الاقتصاد العالمي يتجه نحو آسيا بشكل واضح.

ومن أبرز المؤشرات على ذلك هو حجم الناتج المحلي الإجمالي (GDP) الآسيوي بالنسبة لمجموع الناتج المحلي الإجمالي العالمي فقد بلغ قرابة الـ 30% ويتوقع أن يفوق الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي والأوروبي مجتمعين في عام 2030. ونمو الاقتصاديات الآسيوية هو الأعلى في العالم بدءًا من الصين مرورًا بكمبوديا ولاوس وبابوا غينيا الجديدة وتيمور الشرقية حيث يتراوح بين 7 – 8% سنويًا. عدا عن ذلك، فإن الاستثمار العالمي الآسيوي مهم جدًا في عملية التنمية في العديد من بلدان العالم الثالث. فالصين والهند وإندونيسيا وماليزيا لديهم استثمارات كبيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية عدا عن الغرب، فعلى سبيل المثال، بلغ حجم التبادل التجاري الصيني-الإفريقي عام 2008 حوالي 100 ألف دولار.

تعتبر آسيا كذلك محفظة للدّين العالمي حيث تمتلك الصين واليابان معًا قرابة 2.3 تريليون دولار من دين الولايات المتحدة الأمريكية – صاحبة الاقتصاد الأكبر عالميًا. وتنتهج العديد من الدول الآسيوية الأخرى كذلك هذه السياسة، ومؤخرًا تبنت سينغافورة سياسات تهدف لتسهيل هذا الأمر، مما أسهم بشكل كبير في تخفيف حدة الأزمة المالية العالمية.

كما أن التنمية بمجالاتها المختلفة في تقدم مستمر في آسيا، فمثلًا كانت نسبة من هم تحت خط الفقر عام 1990 قرابة 55% من السكان، ليتضاءل الرقم إلى 17% فقط عام 2005.

وفي مجال الطاقة، فإن الدول الآسيوية من أكثر الدول استيرادًا لها. فاليابان والهند وكوريا الجنوبية وتايوان وسينغافورة وتايلاند من أكثر دول العالم استيرادًا للنفط، وكثير منها يستورد حوالي 75% من احتياجاتها للنفط من الخليج العربي.  وهذه الأرقام مرشحة للزيادة في المستقبل مع تنامي احتياجات هذه الدول. وأما في مجال الطاقة البيولوجية فتستهلك قرابة الـ 40% من الطاقة البيولوجية في العالم، وتحتاج الصين وحدها لضعف مساحتها الحالية لتوفير احتياجاتها وامتصاص نفاياتها.

العلم والتكنولوجيا

خطت بعض الدول الآسيوية خطوات متقدمة في تطوير قطاع التعليم والإنتاج خصيصا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). فالصين والهند في تقدم مطّرد، بينما تعتبر اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من الدول الأكثر تقدما في هذا المجال. وأحرزت الجامعات السنغافورية مراتب متقدمة جدًا في التصنيفات العالمية في العامين الماضيين.

القدرة العسكرية

دفعت النزاعات العديدة – في بحر الصين الجنوبي وشرقيّه والكوريتين وبين الصين واليابان وفيما بين دول آسيان وبين الهند والباكستان – الدول الآسيوية للاتجاه نحو سباق للتسلح وتحديدًا الصين والهند. فبعدما قامت الصين بتحديث أسطولها البحري وقيام إندونيسيا بتطويره كذلك أصبحت غالبية الدول في آسيا تتجه نحو زيادة ترسانتها وتطوير التكنولوجيا العسكرية.

وتتصدر الجيوش الآسيوية التصنيفات العسكرية العالمية، فبحسب بعض التصنيفات كانت 10 جيوش من شرقي آسيا من قائمة أقوى 20 جيشًا في العالم.

والقدرات النووية متقدمة في العديد من الدول الآسيوية، فالصين مثلًا لديها 52 مفاعلًا تحت التخطيط منهم 29 قيد التنفيذ، والهند لديها 18 مخططًا 7 منهم قيد التنفيذ، بينما لدى كوريا الجنوبية 5 مخططات منها 4 قيد البناء. وإن كانت هذه القدرات تُطوّر لأغراض مدنية إلا أن تطويرها للاستخدامات العسكرية أمر ممكن.

السكان

ومن نقاط قوة دول آسيا الكثافة السكانية العالية حيث يقدّر عدد سكانها حوالي 60% من سكان العالم. فلو نظرنا فقط إلى الصين بسكانها المليار والثلاثمائة ألف والهند بسكانها المليار ومئتين وخمسين ألفًا فإننا نتحدث عن قرابة ثلثي سكان الأرض! وهذا عدا عن إندونيسا صاحبة الـ240 مليون، والباكستان وبنغلاديش اللذان يتراوح تعداد سكانهما بين 160-180 مليون نسمة. ولو نظرنا إلى تعداد الأقليات الصينية سنجدها أكبر من سكان أي دولة أوروبية (‌100 مليون حسب الإحصائيات الحكومية الصينية). وهذا يدلل على حجم الطاقات الخام الكامنة في هذه البقعة من الأرض!

ومن النقاط التي تستدعي اهتمام صناع القرار في المشرق العربي والإسلامي هي أن حوالي 60-65% من المسلمين في العالم هم في آسيا، علمًا أن المسلمين يشكلون قرابة 25% من سكان العالم. فالدول المسلمة الثلاث السالفة الذكر هم من الأضخم في آسيا عدا عن الأقلية المسلمة الكبيرة في الهند والتي تقارب 200 مليون (نصف الأمة العربية!). وهذه من نقاط التلاقي والتشارك المهمة التي من الممكن أن يبنى عليها في حال توفرت الإرداة السياسية.

الثقافة

تشترك آسيا معنا في العديد من القيم إضافة الى التجارب التاريخية. فمثلًا، نجد المجتمعات الآسيوية مجتمعات جماعية غير فردية وتقدس الحياة الأسرية والاجتماعية بالمجمل ونجدها غير مولعة بالدموية في ثقافتها عموما على عكس بعض الدول الغربية.  واشتركت غالبية هذه الدول معنا في معاناتها من الاستعمار والاستغلال الأوروبي على مدى القرون الماضية، عدا عن انضمام أغلبها لدول عدم الانحياز في الحرب الباردة.

في ضرورة أن نتجه شرقًا!

في ظل فشل منظوماتنا في بناء أحلاف حقيقية مع الغرب – الذي عمل على تجزئتنا – على مدى العقود السابقة، فإنه بات لزامًا علينا أن نبحث عن أحلاف حقيقية أخرى في مكان مختلف من العالم، ولعل آسيا بتقدمها المطّرد في شتّى المجالات هي الخيار الأمثل في المرحلة المقبلة للأسباب التالية:

  • المشتركات القيمية والثقافية: فآسيا تشترك معنا في كونها منبعًا لحضارات العالم القديم التي انتقلت بالإنسان من البدائية إلى التحضّر مما أكسبنا منظومات قيمية مشتركة نتجت عن التفاعل التاريخي المتبادل. وآسيا كما ذكر آنفًا تشترك معنا في منظومة القيم إلى حد كبير مما يسهّل من التفاعل والتواصل.

ومن الأهمية بمكان أن نلتفت إلى سجل آسيا «النظيف» معنا حيث لم يسبق وأن وقعنا تحت الاستعمار أو الاحتلال الآسيوي، بل إنهم شاركونا المعاناة والنضال ضد المستعمر الأوروبي الذي استغلهم وقسّمهم كما استغلّنا وقسّمنا.

  • التكتل السكاني الهائل للمسلمين: فآسيا تحتوي على العدد الأكبر من المسلمين حول العالم، وبعض الدول المسلمة هي من الدول الرائدة في أقاليمها. فإندونيسيا هي الركن الأساسي في استقرار منظمة آسيان في جنوب شرق آسيا وماليزيا كذلك دولة مهمة في إقليمها. وباكستان ذات قدرات نووية، والأقليات الإسلامية في بعض الدول بإمكانها أن تكون ذات تأثير كبير لو توفر لها الدعم والرعاية. وكثير من مسلمي آسيا دخل الإسلام إما عبر التجّار العرب أو الفتوحات الإسلامية مما أكسب العرب وجيرانهم حب واحترام المسلمين الآسيويين. وإن كانت السياسات الخارجية للدول تبنى على المصالح الملموسة بشكل أساسي إلا أن للقيم دور في إدارتها وتوجيهها.
  • العامل الاقتصادي: يقتضي المنطق السليم أن نقف إلى جانب القوة الاقتصادية الصاعدة لا المتراجعة، وتشير جميع المؤشرات أن آسيا تسير بثقة لقيادة الاقتصاد العالمي في العقود القادمة. وللّحظة لم تفكّر الدول الآسيوية بتبني نهج استعماري مثل الدول الأوروبية إلا أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الدول تتجه نحو التوسع الاستعماري في حال لم تكف مواردها لتلبية احتياجات نهضتها الاقتصادية وحاجات سكّانها كما حصل مع بعض القوى العظمى. لذا ينبغي أن نلتفت للأمر ونؤسس لعلاقة سليمة منذ الآن قبل أن يفوت الأوان.

وكما ذكر مسبقًا في المقال، فإن الكثير من دول آسيا تستورد أكثر من 75% من احتياجاتها النفطية من الخليج العربي.

  • النمو العسكري: وهذا ناتج عن تزايد التوتر الإقليمي في عدة أنحاء من آسيا ومدعوم بالتقدم الاقتصادي الذي يسمح برفع الميزانيات العسكرية. ولعل التقدم التكنولوجي في الصناعات العسكرية في بعض الدول الآسيبوية يؤهلها لأن تكون شريكا ومصدرًا للسلاح.
  • انعدام نظريات الصراع الحضاري: لعل التاريخ الإسلامي-الأوروبي مليء بنقاط التوتر التي ما زالت باقية في العقل الباطن المشرقي أو الأوروبي بدأ من الفتوحات الأندلسية حتى بلاط الشهداء، مرورًا بالغزوات الصليبية إلى الفتوحات العثمانية حتى فيينّا وصولًا إلى الاستعمار الأوروبي وتجزئة الأمة. فقد ورثّت هذه الحروب عداوات تاريخية لدى الطرفين واستشعارًا للخطر وسوء الظن المتبادل، لتصبح قناعة لدى الكثيرين أن ضفاف البحر المتوسط لا تقبل بقوتين متكافئتين.

وهذا الأمر منعدم تقريبًا في الحالة الآسيوية فبعد عصر الفتوحات لم تكن هناك نقاط توتر تذكر بين شرقي آسيا والمشرق الإسلامي، وكثير من بلدان آسيا دخلت الإسلام عبر التجار المسلمين مثل أرخبيل المالايو مما يسهّل أي عملية تقارب بين الطرفين.

خاتمة

يتجه مركز الثقل الدولي اقتصاديًا وعسكريا بشكل تدريجي نحو شرق وجنوب آسيا بينما ما زالت الأمم المشرقية تلهث وراء الغرب في علاقاتها ودراساتها واتفاقياتها رغم أن جميع المؤشرات تشير إلى التراجع التدريجي للدور الغربي على كافّة الصعد، علمًا بأن جميع القوى العظمى بدأت تولي وجهها في هذا الاتجاه. وهذه قبل كل شيء، دعوة للعرب والمشرقيين أن يعيدوا التفكير في دورهم العالمي وأحلافهم الاستراتيجية في ظل ساحة دولية متقلبة بشكل متسارع، لذا يحاول هذا المقال أن يلفت الانتباه لضرورة أن ندرك أهمية القارّة الآسيوية ونهضتها والفرص التي يمكن استثمارها قبل أن يفوت الأوان. وكما قيل: «أن يأتي متأخرًا خير من ألا يأتي»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد