تأكد الآن بما يدع مجالًا للشك بأن السيسي ومن ورائه من داعمي الانقلاب العسكري على ثورة يناير (كانون الثاني) المجيدة، قد جاؤوا بخطة إفساد وتخريب تشمل جميع مناحي الحياة في مصر؛ الاقتصادية، والسياسية، والتعليمية، والأمنية، والاجتماعية، والدينية…إلخ. والكلام يطول شرحه في كل مجال من هذه المجالات.

لقد بدأ خطته بخداع كبير للشعب، ووعود براقة، وكلام منمق، وخطاب عاطفي يُدغدغ به المشاعر، أو كما قال الرافعي «تُخترع له الألفاظ الكبيرة ليتلهى بها». ثم تحول بعد ذلك إلى أداء أدوار تمثيلية ساذجة وفاشلة وركيكة.

إن كل إفساد وتراجع يُحدثه الانقلاب في مؤسسات الدولة وبنيتها قابل للإصلاح والتعديل لاحقًا، مع أخذ الوقت والجهد والمال.

ولكن الأخطر من ذلك والأهم والذي يحتاج إلى أعمار أجيال من أجل الاصلاح والتغيير؛ هو إصلاح النفوس، وتعديل سيكولوجية الجماهير، وسلوكياتها وأخلاقياتها! بعدما تعمدوا تخريبها، وترويض الشعب على الاستكانة والذل، وغرس الاستخذاء. وهدم أخلاق المجتمع وعاداته وقيمه التي نشأ عليها وتوارثتها أبناؤه. وكيف يقوم للبنيان يومًا تمامه، إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم؟ هذا الهدم ينخر كالسوس في النفوس فيغير طبائعها، ويقتل إبداعها فلا تقدر على النهوض، ولا تستطيع المطالبة بحريتها، ولا تقوى على رد عدوان أو ردع ظالم.

إن الرذائل تنتشر حين تغيب الفضائل. ويعلو صوت الجبناء مضيعي الأوطان، حين يختفي الشجعان، وتغيب معهم معاني الكرامة والحرية.

لذا وجب الانتشال السريع للشعب من حفرة الانقلاب العميقة؛ كي لا يبقى دائمًا حبيس جدران، لا يرى فيها إلا الظلام، ولا يعرف فيها إلا الضيق.

والإسراع مهم، فما زالت في شعوبنا عروق تنبض، وقلوب تبصر، وعقول تفكر، يقول عبد الوهاب عزام «الإنسان بفطرته نفور من الذل، آب على الحيف، ولكن تحيط بالناس أحوال، وتتوالى عليهم حادثات، فيراضون على الخضوع حينًا بعد حين، ويسكنون إلى الخضوع حالًا بعد حال، حتى يدربوا عليه، كما يُستأنس السبع، ويُؤلف الوحش، ولكن يبقى في النفس ذرات من الكرامة، وفي الدماء شذرات من الجمر، فإذا دعا الداعي إلى العزة، وأذن بالحرية، وأيقظ الوجدان النائم، وحرك الشعور الهاجد: نبضت الكرامة في النفس، وبصت الجمرة في الرماد، وأفاقت في الإنسانية إنسانيتها، فأبى وجاهد، ورأى كل ما يلقى أهون من العبودية، وأحسن من هذه البهيمية».

لازالت الشعوب بخير، ومظاهر الشر فيها حتى الآن مظاهر خارجية من الممكن علاجها واستدراكها، والسيطرة على السم الذي شربته طواعية أو خداعًا، بترياق ثورة يناير (عيش- حرية- كرامة إنسانية- عدالة اجتماعية) قبل أن يتمكن منها السم فيقتلها!

فكل «ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره: قريب شفاؤه، ويسير إزالته، فإذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب، فهو الداء الدوي، والموت الخفي. ولذلك عمد الطغاة المستعبدون إلى أن يُشربوا الناس الذل، بالتعليم الذليل والتأديب المهين، وتنشئة الناشئة عليه بوسائل شتى، ليميتوا الهمة، ويخمدوا الحمية، وإذا بيدهم العصا والزمام». الشوارد.

وكان من تمام الخطة، وضمان نجاحها التضييق على كل مقومات النهضة، وعوامل الشفاء، وتجفيف منابع الثورة، بإعلان الحرب الضروس على ثورة وثوار يناير، ودعاة الإسلام حاملي مشاعل النور؛ حتى تخلو الساحة منهم ويتمكنوا من فرض مخططهم الظلامي بلا مقاومة. فغيبوا عشرات الألاف في غياهب السجون، وهجَّروا مثلهم، وطاردوا البقية ولاحقوهم، وأغلقوا كل نوافذ الكلمة الطيبة من صحف وقنوات وإذاعات وحتى منابر المساجد وقاعات الجامعات والمدارس، وكمموا الأفواه المغردة بالحرية، وقضوا على كل حُلم بالعدالة الاجتماعية! حتى استبد بالتوجيه التربوي والإعلامي والصحفي أدعياء العلم والحكمة والاستراتيجيات المزيفة وشعراء المديح. وطفقوا يزينون للجيل الجديد أن يكون رقيقاً للشهوات والجنس والمخدرات ولقمة العيش، وبدأوا يمحون تراث الأمة التي نهضت به، ويطمسون قصص العلماء حذراً من أن تكون نبراساً يُستدل بها على طريق العمل.

يقول سيد قطب «إنه ليس أشد افساداً للفطرة من الذل الذي يُنشؤه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طبائع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع عنها السوط. وتبطرًا حين يُتاح لها شيء من النعمة أو القوة».

وإذن فليس من مصلحة الوطن الانتظار، وليس من صالح الشعب التأخير في انتشاله من الهوة السحيقة، إلى فضاءات النهضة والحرية، وردم حفرة الانقلاب التي حفرها للجميع، بإهالة التراب عليه حتى لا يخرج منها أبدًا.

إن خطة التمييع وغرس معاني المذلة والانقياد في نفوس الشعب وخاصة شبابه؛ عماد نهضة الأمة وسر قوتها، وأمل مستقبلها، كاسرة لسورة العصبية وشدتها كما يقول ابن خلدون في مقدمته «فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئموا (أحبوا وألفوا) للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، ومن عجز عن المدافعة فأولى أن يكون عاجزًا عن المقاومة والمطالبة».

وعقاب الله شديد لكل ذليل خاضع للطغيان. ولذلك كتب الله على بنى إسرائيل التيه لأربعين سنة يتيهون في الأرض؛ لما أصابهم من الذل والاستكانة. يقول ابن خلدون «حكمة ذلك التيه مقصودة؛ وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز، لا يعرف الأحكام والقهر ولا يُسام بالمذلة، فنشأت بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب، ويظهرلك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر».

إن الذل والاستخذاء إذا ما استحكما من قوم، وسكتوا عن الظالم؛ أنست نفوسهم الظلم والفساد. حتى يتفشى فيهم، ويجعل الله بأسهم بينهم. وهذا ما تُؤيده الشواهد اليوم من انتشار الظلم والعدوان والفساد بين الناس وبعضهم البعض.

وهذه من علامات خراب العمران؛ والذي يُعد مقدمة لخراب الأوطان؛ لانتشار الخوف بين الناس على حياتهم وأموالهم وتجارتهم، فيقعدون عن المعاش، فتكسد الأسواق، ويفر التجار والعمال في الآفاق والبلاد فراراً بأنفسهم وأموالهم، فيقل البيع والشراء، ويكثر الغلاء وتخسر الأموال قيمتها، كما شرح ابن خلدون.

لذا وجب التنويه لكل من يهمه الأمر بضرورة الانتشال السريع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الانتشال
عرض التعليقات
تحميل المزيد