«منظومة تعليم جديدة في مصر، ستبهر العالم وتغير من نظرة الدول العظمى لمصر».

«إن ما تحقق من منظومة التعليم الجديدة يعد إعجازًا بالمقاييس البشرية».

«نجحنا في تطبيق النظام الجديد بنسبة 85% في أول أيام الدراسة».

كل ما سبق هي تصريحات لوزير التعليم المصري طارق شوقي خلال الفترة القليلة الماضية.

حتى جاءت المشاهد الأولى مع بدء العام الدراسي الجديد صادمة وغير متوقعة، فمن أعداد تخطت 100 طالب في الفصل الدراسي الواحد، مما جعل الأهالي يشعرون بأن الصراع على جلوس أبنائهم في المقعد الأمامي (الدكة الأولى)، يعتبر حلم كل أسرة وهدف استراتيجي يستدعي التضحية، فمن أجل هذا الهدف العظيم يجب أن يتسلق الابن المواسير ويصعد فوق الأسطح ليصل إلى فصله الدراسي بعد فجر اليوم الأول في الدراسة وقبل أن يصل إلى هذا الهدف العظيم طالب آخر.

حتى وصل الأمر بأن يموت تلميذ في الصف الثالث الابتدائي بسبب التدافع لنيل هذه المرتبة العظيمة! في دولة تريد تصدير نفسها للعالم على أنها دولة العلم والعلماء القادمة، والتي ستجعل اليابان وألمانيا وأمريكا يتوارون خجلًا من نجاحها!

هذا فضلًا عن حالات الهروب الجماعي للطلاب أثناء اليوم الدراسي، وحالات التحرش أمام المدارس الثانوية، وحالة الفوضى العارمة التي صاحبت بدأ العام الدراسي الجديد وافتراش ملايين الطلاب الأرض (نظرًا لعدم وجود مقاعد كافية لهم)، وانقلاب حافة كانت تحمل بعض الطلاب إلى المدرسة، وانهيار أرضية مدرسة أخرى، واعتداء طالب ثانوي على إحدى المدرسات بالضرب.

ومع كل ما سبق من كوارث عاشها المصريون وأبناؤهم في أول أسبوع دراسي، سارع وزير التعليم ليقول في مؤتمره الصحفي.

 (الثورة اللي شوفناها على الأرض فاقت توقعنا من تسليم كتب وفرش الفصول والأهم هي البهجة لدى الطلاب، إضافة إلى أن إطلاق النظام الجديد سار بنسبة نجاح وصلت إلى 85%، موضحًا أن جميع الكتب ودليل المعلم سيكون لدى الطلاب قبل نهاية الأسبوع الجاري).

أهم المعلومات التي روج لها وزير التعليم المصري للمنظومة الجديدة

1ـ – يطبق على رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي والأول الثانوي.

2ـ – اختلاف في شكل فصول رياض الأطفال حيث يجلس الطلاب في شكل مجموعات.

3ـ – تحول الطلاب من الحفظ والتلقين إلى الفهم والتذكر لبناء شخصية تفكر وتبدع.

4ـ – الامتحانات في الثانوية العامة تراكمية على مدار 3 سنوات.

5ـ – الثانوية العامة يخوض الطالب فيها 12 امتحانًا على مدار 3 سنوات.

6ـ – يتم اختيار 6 امتحانات للطلاب وتقييمه عليهم.

7ـ – الامتحان سيكون على مستوى المدرسة وتلغي فكرة الامتحان القومي للثانوية العامة.

8ـ – المعلم لن يضع أسئلة الامتحان.

9ـ – يتم وضع بنوك للأسئلة يشارك فيها الخبراء والمعلمون أيضًا.

10 – تخصيص حافز للمعلمين الذين يشاركون في وضع أسئلة بنوك الأسئلة.

11 ـ- النظام الجديد يطبق على طلاب المدارس الحكومية والخاصة.

12ـ – تسليم طلاب الأول الثانوي أجهزة تابلت تقدر بمليون جهاز.

13ـ – إصلاح البنية التكنولوجية في المدارس.

14ـ – قرض البنك الدولي لدعم استراتيجية التعليم يقدر بنصف مليار دولار لمدة 5 سنوات.

15ـ – يتم توقيع عقد القرض في واشنطن 20 أبريل المقبل.

16ـ –  2 مليار دولار تكلفة إصلاح منظومة التعليم.

17ـ  – 12 محاور تقوم عليها وثيقة تطوير التعليم منها تدريب المعلمين.

18 – ـ التابلت لا يعني تغيب الطلاب عن الدراسة والمدرسة.

19ـ – نظام التعليم الجديد يواكب التطورات المتغيرة في المجتمعات.

20ـ – التصحيح ورصد الدرجات سيكون إلكترونيًّا.

21ـ – مجموع الدرجات في الثانوية العامة سيكون من 410 درجة ويدخل به الجامعة.

22ـ – يهدف مشروع تطوير التعليم إلى زيادة الطلاب الملتحقين برياض الأطفال بجودة عالية.

23ـ – توقيع عقود تدريب المعلمين وتطبيق النظام الجديد خلال أيام.

24ـ – 60 يومًا تفصلنا عن تطبيق النظام الجديد.

25ـ – المعلم سوف يقوم بتسجيل غياب الطلاب إلكترونيًّا.

26ـ-  الطالب الذي يتجاوز نسبة الغياب يحرم من الامتحان.

27ـ – الإبقاء على شعب العلمي والأدبي في النظام القائم المطور.

28ـ – في النظام الجديد بعد 12 عامًا سوف يختلف الأمر ويلغي العلمي والأدبي ويكون للطالب اختيارات أخرى.

29ـ – لجنة لتعديل المناهج القائمة بما يتواكب مع الجدول الزمني للعام الدراسي.

30ـ – التركيز على اللغة العربية والدراسة في المرحلة الابتدائية بالنسبة لمادتي العلوم والرياضيات بالعربي ويبدأ تدريسها بالإنجليزية من المرحلة الإعدادية.

مرتبة مصر في تقرير التنافسية العالمي لجودة التعليم 

احتلت مصر المركز الأخير في تقرير التنافسية العالمي لجودة التعليم الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي سنويًا، في العام الدراسي 2013- 2014، وفي العام التالي 2014- 2015 جاءت مصر في المركز 141، في حين يعمد التصنيف إلى ترتيب 140 دولة، أي أنها جاءت خارج التصنيف، وفي العام التالي «2015- 2016» احتلت مصر المركز 139 من بين 140 دولة، وفي العام 2016- 2017 قفزت مصر إلى المركز 134 من ضمن 139 دولة في مؤشر جودة التعليم الابتدائي (الأساسي).

وزير التعليم المصري وتصريحات إعلامية رنانة لا يؤيدها الواقع 

استغل الدكتور طارق شوقي، وزير التعليم المصري هذا التردي والانهيار وخروج مصر من الترتيب العالمي لجودة التعليم للتسويق لمشروعه ومنظومته الجديدة، وخلال مؤتمر الشباب بجامعة القاهرة في يوليو (تموز) الماضي صرح الوزير «ليس لدينا ما نخسره، فالمنظومة التعليمية في مصر متردية للغاية ونحن الآن نحاول إصلاحها»!

وأمام حصار الفوضى والغموض تلاشت تصريحات الوزير ومبالغات الآلة الإعلامية الجبارة للنظام؛ وكان الوزير قد صرح أن المنظومة الجديدة للتعليم قائمة على الفهم وليس الحصول على أكبر عدد من الدرجات بمجهود أقل، مشيرًا أنه سيتم إلغاء الامتحانات في النظام الجديد، وسيستمتع الطالب بالذهاب للمدرسة والتعلم عن طريق الأنشطة بعيدًا عن الضغط النفسي المرتبط بالحصول على الدرجات.

كما أضاف «شوقي»، خلال مداخلة هاتفية في برنامج «اليوم» المذاع على قناة dmc، الأربعاء 19 سبتمبر (أيلول) الماضى وقبل بدء الدراسة بيومين فقط، أن ما تحقق داخل المنظومة التعليمية الجديدة أقرب إلى الإعجاز، مؤكدًا أن هناك أكثر من 85% من المدارس الحكومية تخضع للقيمة المجانية، دون وجود أي مصروفات، أما المدارس الأخرى، مثل اليابانية والمتفوقين، فعددها ضئيل للغاية.

وانتقد الوزير ما وصفه بالهجوم على المنظومة الجديدة موجها الشكر لقائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الذي يصر على تنفيذ المشروع وتعهد الوزير بطفرة كبيرة مطالبًا الإعلام بتغيير معالجاته ودعم المنظومة لتحقيق أهداف المشروع وإلا فسوف يفشل.

تعامل الإعلام المصري مع منظومة التعليم الجديدة

تعاملت وسائل الإعلام المصرية مع المنظومة الجديدة بحالة تباينت بشكل كبير، فهناك من الإعلاميين من أيد وجهة نظر الوزير (أن العالم ينتظر المنظومة التعليمية الجديدة، ليتعلم من مصر) وهناك من تحفظ على إمكانية تحققها.

فتحت عنوان «أزمة كل عام، مدارس بلا معلمين» نشرت صحيفة «الوطن» تحقيقًا عن أزمة عجز المدرسين في محاولة لكشف الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة. وتقول الصحيفة إن واقع الحال في كثير من المدارس هو أن «نقص المعلمين أصبح أزمة طبيعية اعتاد عليها أولياء الأمور وأيضًا المدرسون». وتضيف أن «المحسوبية تجهض حركات الانتداب … ومسابقات الوزارة غير مجدية لسد النقص في المدرسين». مشيرة إلى أن هناك «تكدسًا واضحًا في مدارس المدن وعجزًا صارخًا بالقرى».

أما صحيفة «المصريون» فأبرزت ظاهرة اعتداء الطلاب على المدرسين، إذ قالت الخبيرة التربوية فاطمة تبارك إنه «لا توجد قوانين تعاقب الطالب الذي يعتدي على المدرسين إذ عندما يتم فصل الطالب يلجأ إلى عمل إعادة قيد وتتم إعادته مرة أخرى للمدرسة».

وأوضحت، أن «الدروس الخصوصية هي التي جرأت الطالب على المدرس وكسرت هيبة كل العاملين بوزارة التعليم».

ويقول محمد حبيب في «الأهرام»: «ما زالت الأزمات المتراكمة منذ سنوات طويلة مستمرة، ووعى المسؤولين بالمسؤولية الضخمة مجرد كلمات ووعود لا فائدة منها». ويضيف: «ما يحدث حاليًّا وخلال الأيام الماضية من احتفالات ببدء الدراسة ليس له أي صلة بالتعليم والتعلم والبحث العلمي وممارسة الأنشطة واكتساب المهارات والقدرات … فلا يعقل أن ينتظم التلاميذ بالمدارس ثم يهربون منها بعد أسبوعين لأنها مدارس غير جاذبة، وتشتعل الدروس الخصوصية كتعليم تلقيني وتدريبي على حل الامتحانات».

وتتحدث هانية صبحي في مقالها بصحيفة «الشروق» المصرية عن ظاهرة الدروس الخصوصية، وترجع سببها إلى «ضعف المرتبات وما تتبعها من انقراض التعليم من الفصول».

مؤشرات فشل المنظومة الجديدة تلوح في الأفق

تقول الحكومة الحالية، إنها تطبق منظومة تعليمية جديدة تسعى إلى تقويض الحفظ والتلقين مقابل ترسيخ مبادئ الفهم والبحث، وذلك على الملتحقين بالمرحلة التمهيدية (رياض الأطفال) وبالصف الأول الابتدائي (التعليم الأساسي) ذلك العام، وكذلك على الملتحقين بالتعليم الثانوي (الصف الأول الثانوي). ورغم محاولات الوزير تقديم شرح للنظام الجديد في مناسبات عدة من بينها مؤتمرات صحافية متتالية استبقت إطلاق العام، وعلى رغم تدريب الوزارة المعلمين على استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في العملية التعليمية، ما زال الغموض يغلف النظام الجديد، والتحديات تحيطه.

أولًا: عدم وضوح الرؤية وغياب الشفافية

فالمعلمون والطلاب وأولياء الأمور لا يعرفون شيئًا عن المنظومة الجديدة، ولا يعرفون على وجه الدقة والوضوح ماذا سيدرس بالضبط وماذا سيلغى من مناهج السنوات الماضية، فعلى الوزير ألا يتعالى على المواطنين ولا يهددهم بدون سبب (ولعلكم تتذكرون التصريح الكارثي للوزير في العام الدراسي الماضي وهو يقول للطلاب ( التعليم أو السجن!).

فعلى الوزير ألا يعتبر أن أسئلة المواطنين هي تدخل في ما لا يعنيهم وأن يعرف أن وظيفته أن يشرح للناس ويجيب عليهم ويحترمهم. وأن متطلبات وظيفته تحتم عليه أن يناقش الأمر مع أولياء الأمور والمعلمين والشعب كله بشفافية، فما الذي تحقق بالضبط من المنظومة الجديدة؟ وما الذي لم يتحقق؟ فالشعب يريد أن يعرف عدد التابلت الذى تم توزيعه وهل تم تدريب المعلمين عليها، وكم مدرسة مجهزة لاستخدامه بالوصلات الكهربائية والإنترنت وما أخبار بنك الأسئلة وغيرها من البنود المدرجة في مشروع الوزير.

وماذا عن الكتاب الخارجي؟ ولماذا يفتعل الوزير معارك وهمية مع ناشري الكتب الخارجية رغم اعتماد معظم أولياء الأمور عليها خلال السنوات الماضية؟ فليس على الوزير إلا تجويد الكتاب المدرسي ليكون كتاب الوزارة هو الأكثر فائدة وجاذبية للتلميذ، وفى هذه الحالة لن يشتري أحد الكتاب الخارجي. ومن المهم أن يحدثنا الوزير عن أعداد التلاميذ الذين وصلوا للمرحلة العمرية لبدء السنة الأولى الابتدائية وهل يوجد أماكن لهم في المدارس؟ وهل حدث تحسن في الفصول وأعدادها؟ وهل تم استيعابهم؟ ولماذا لا يصدر الوزير بيانًا يوضح فيه ما تم تنفيذه من مشروعه الذى أصبح غامضًا. في أي عام دراسي تبدأ دراسة اللغة الأجنبية؟ هل كتب العام الماضي هي نفس كتب هذا العام؟ ما حدث بدقة من تغيير؟ نظام الامتحانات الذي أعلن وحساب أحسن نتيجتين من أربعة امتحانات هل فعلًا سوف يطبق؟ فالشفافية ضرورة من ضرورات النجاح أما الغموض والتعالي وتهديد المواطنين وخبراء التعليم فهو أمر لن يفيد التعليم ولا الوطن.

ثانيًا: أزمة الجهاز اللوحي (التابلت)

فشلت الوزارة في توفير أجهزة التابلت على الطلبة مجانًا مع بدء العام الدراسي، كما أنها لم تنته بعد من إعداد الشبكات الداخلية في المدارس، كما أصيب طلاب الصف الأول الثانوي بالمدارس المصرية بصدمة في بداية العام الدراسي، عندما قامت إدارات المدارس بتوزيع الكتب الدراسية عليهم بدلًا من «التابلت» المدرسي الذي أعلن عنه الوزير. فالتابلت الذي وعد الوزير بتوزيعه على مليون ونصف المليون طالب قد تقلص إلى خمسين ألفًا فقط.

وعمليًا، أصاب إخفاق الوزارة الأول في تسليم الطلاب «التابلت» في المواعيد المحددة سلفًا، كل أضلع المنظومة التعليمية من أساتذة وأولياء أمور وطلاب بالإحباط ومزيد من التخبط. وحدد رئيس الحكومة موعدًا جديدًا لتسليم الطلاب التابلت، قائلًا: «سينتهي إعداد شبكة الإنترنت داخل المدارس كافة في غضون 4 شهور تحديدًا في منتصف يناير (كانون الثاني) المقبل، والانتهاء من توريد أجهزة التابلت خلال شهرين من نهاية سبتمبر الجاري»، ما يعني أن شهرين آخرين من الضبابية وغياب وسائل النظام الجديد حتى مع سريانه نظريًا في انتظار الطلاب والمعلمين.

وبخلاف توفير أجهزة التابلت، يقول أستاذ المناهج ومدير الأكاديمية المهنية للمعلمين الدكتور عيد عبد الواحد «من التحديات المادية التي تواجه المنظومة الجديدة قدرة الوزارة على توفير أجهزة «التابلت» للطلاب، والقدرة على صيانتها أو إتاحة البديل إذا ما تلف الجهاز أو فُقد من الطالب، وتساءل: «هل لدينا العدد الكافي من الفنيين على مستوى مدارس الجمهورية لمواجهة أي مشكلات فنية في الأجهزة أو المنظومة بالسرعة المطلوبة؟ وهل لدينا الخطة لمواجهة مثل تلك المواقف بحيث لا يتحول جهاز التابلت إلى عبء إضافي على كاهل الأسرة؟ خصوصًا في النجوع والقرى الفقيرة التي تفتقر إلى مراكز الصيانة ما يتطلب نقل الجهاز إلى المدينة لإصلاحه في عملية قد تستغرق أكثر من أسبوع؟».

وفي 29 يوليو الماضي أعلن العقيد أركان حرب هيثم رمزي، ممثل هيئة التسليح بالقوات المسلحة، أن الهيئة تلقت تكليفًا رئاسيًا بالتعاقد على أجهزة «التابلت»، لصالح وزارة التربية والتعليم، وأنهم تلقوا 64 عرضًا، وتم الاتفاق في النهاية مع شركة «سامسونج» التي تم توقيع العقد معها لتوريد أول دفعة منتصف سبتمبر (أيلول) الجاري وقبل بدء العام الدراسي؛ الأمر الذي عده البعض بيزنس خاص بالمؤسسة العسكرية أكثر من كونه مشروعًا تعليميًا يمكن أن يسهم في نهضة تعليمية.

ثالثًا: غياب التدريب

ويشير الخبير في المناهج عيد عبد الواحد إلى التحدي البشري الذي يواجه النظام التعليمي الجديد، قائلًا: «ثمة تحد بارز في تدريب المعلمين على المنظومة الجديدة، إذ لا توجد دلائل قوية على أن هناك تدريبًا حقيقيًا للمعلمين في الميدان، كثير من المعلمين ممن تواصلت معهم من محافظات مختلفة قالوا إن التدريبات شكلية، كما أن المناهج لم تصل إلى المدارس بعد، فالمعلمون والموجهون في الوزارة أنفسهم لا يعلمون حتى الآن هل هناك تغيير في المناهج أم أن التغيير فقط في الوسيلة التي ستقدم بها تلك المادة»[9]. وتصف الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرؤوف ما تم من تدريب للمعلمين على المنظومة الجديدة بالمهزلة، معلقة: «طالعين من التدريب مش فاهمين حاجة والسيستم بيقع وكان داخل عليه 12 ألف معلم فقط، كيف سيدخل عليه 2 مليون طالب في آن واحد؟!».

وأردفت: استخدام التابلت مأساة، فرنسا ألغت استخدام الآيفون وكل الإلكترونيات داخل الفصل، بعدما وجدوا من خلال دراسات أن الطالب غير قادر على قراءة درس طويل ويريد الدروس القصيرة وعادوا إلى استخدام الكتب الدراسية، وفقًا لقولها.

رابعًا: الفشل في مواجهة مافيا الدروس الخصوصية وما يسمى بـ(السنتر التعليمي)

كان وزير التربية والتعليم قال خلال أحد المؤتمرات لشرح المنظومة الجديدة إن 70% من مانحي الدروس الخصوصية غير أكاديميين وليست لهم صلة بالتعليم، وأن المنظومة الجديدة لا تتضمن نظامًا رادعًا أو متعقبًا للدروس الخصوصية قائلًا: «ما نقوله للآباء والطلاب هو أن الدروس الخصوصية بشكلها السابق القائمة على الحفظ والتلقين لن تفيده في شيء وستكون مجرد إهدار للوقت والمال، لذا لن نتعقبها، فعلى الأهالي أنفسهم أن يقاطعوها»، وتابع: «إذا كانت تفيدك في شيء وفق المنظومة الجديدة وتدعم ما نهدف إلى تحقيقه من قيم الفهم والبحث والتقصي فليأخذ الطالب تلك الدروس»!

 لكن أولياء الأمور والطلاب لم يأخذوا تصريحات الوزير على محمل الجد واعتبروها نوعًا من المبالغة في الدعاية التي لا تعززها الشواهد والمؤشرات، فكل أولياء الأمور والطلاب حجزوا قبل بدء العام الدراسي أماكنهم في الدروس الخصوصية أو السناتر التي تفشت بصورة مرعبة خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو (حزيران)، حتى باتت بديلًا للمدارس التي تراجع دورها بحدة، وباتت فارغة من كل معنى أو مضمون. أسهم في تعزيز مافيا السناتر والدروس الخصوصية تدني مرتبات المعلمين، ما جعلهم يبحثون عن مصادر إضافية لزيادرة مواردهم ودخولهم في ظل موجات الغلاء الفاحش التي طالت الجميع. ومشكلة المنظومة الجديدة التي يتبناها الجنرال السيسي ووزير تعليمه أنه يحض المدرسين على التخلي عن الدروس الخصوصية، والتفاعل مع المنظومة الجديدة في حين لا يحقق أي طفرات في الرواتب، ما يجعل الغالبية الساحقة من المعلمين تناصب الوضع الجديد العداء لأنه ببساطة يطلب منهم أن يضحوا دون أن يعوضهم بشيء.

وفي النهاية أقول وأتمنى أن أكون مخطأ فيما سأذهب إليه.

أن المبالغة في الدعاية للمنظومة الجديدة للتعليم لن تحقق نجاحًا يذكر في ظل عدم امتلاك الأدوات الكافية لتنفيذها، كما أن النظام يكابر ويصر على تصوراته دون سعي لامتلاك هذه الأدوات بعيدًا عن شعارات الوزير العاطفية التي يقول فيها إن العالم ينتظر تطبيق إصلاح التعليم في مصر، أو الزعم أن التابلت هو الذي سيصلح التعليم؛ والحقيقة أن مشاهد الأيام الأولى من الدراسة تقول إن مشاكل التعليم أكثر تعقيدًا بكثير من إيجاد ميزانية لشراء تابلت لكل تلميذ (أو لأغلب التلاميذ) لأن من يدفع حياته ثمنًا لأن يكون في «التختة الأولى» هو نتاج ثقافة عامة بائسة سيسقطها على التابلت وسنرى مهازل في التعامل معه.

فهذا التابلت الحديث، في يد طالب بائس، في وسط أسرة محرومة، في مجتمع تندثر فيه القيم كل يوم سيحدث ما يلي:

ستنتشر السرقات بين الطلاب في المدارس خاصة وأن منظومة القيم الأخلاقية الحالية في مصر صارت بيئة خصبة لكل القيم السلبية وهادمة لكل القيم الإيجابية.

 

سنسمع عن عصابات جديدة مخصصة لسرقة تابلت تلاميذ المدارس.

 

سيضطر الأب أو الأم لبيع (تابلت الابن) لشراء بعض احتياجات المنزل الأساسية.

 

سنرى طالب الثانوي المدمن، يبيع التابلت بمحض إرادته ليشتري بدلًا منه المخدر الذي يفضله.

وأخيرًا أتمنى أن أكون مخطئًا فيما ذهبت إليه، فأنا أتمنى أن تصبح بلدي في مصاف الدول العظمي، ولكن تكون عظيمة بحق وسط باقي دول العالم، وليست عظيمة (وقد الدنيا) في الإعلام المصري، وصغيرة ومتقزمة أمام المجرة الكونية

فما جرى في الأيام الأولى من العام الدراسي الجديد صادم ويعطي مؤشرات على أن هناك مشكلات حقيقية على الأرض قد تقضي على أي تصورات لإصلاح التعليم، الذي يحتاج إلى قراءة واقع العملية التعليمية كما هو من طلاب إلى معلمين إلى أبنية تعليمية، والعمل على تغييره عبر الاستثمار في أدوات بشرية أساسًا وليس فقط في جدران وتابلت مصحوبًا بالمبالغة في الدعاية دون امتلاك أدوات النجاح.

إلى اللقاء في المقال القادم (المنظومة التعليمية في ألمانيا.. سر تقدمها وازدهارها).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, تعليم, مصر

المصادر

تحميل المزيد