كلنا نعلم أن هذا المصطلح، أي «بدل فاقد»، كثيرًا ما يشير إلى استخراج نسخة جديدة من أوراق الثبوتية لشخص معين، مثل الحصول على هوية تعريف جديدة، في حالة فقد الأوراق الأصلية، فعندما يفقد المواطن هذا الورقة أو الهوية له الحق باستخراج نسخة جديدة بأثر رجعي، على اعتبار أنه كان حاملًا لتلك الهوية، وهو فعلًا ما زال يحملها، إلا أنه فقد ما يثبت ذلك، وأن النسخة الجديدة هي ما يطلق عليه في دولنا مصطلح: «بدل فاقد» أو «بديل للهوية الفاقدة»، أو ما يعادل باللغة الإنجليزية مصطلح «Duplicate»، وتعني المكرر وهو من حيث المعنى اللغوى واحد.

لكن وبنفس مبدأ الهوية المكررة، والتي تنفع المواطن بصفة قانونية لإثبات انتمائه، هل يستطيع الفرد الذي ينتمى لأمة أن يختار لنفسه هوية جديدة بعيدًا عن تلك الأمة التي ينتمي إليها؟ أو هل بالإمكان أن ينسلخ من هويته الأصلية وحمل هوية أخرى، تكون مختلفة بالكامل عما كان عليه؟ وقد يسأل السائل بأن الكثيرين من المهاجرين إلى أوروبا وأمريكا هم ممن اختاروا لأنفسهم هوية جديد، والواقع هذا ليس دقيقًا وإن كان يبدو في الظاهر كذلك.

إن الهجرة أمر طوعي يسعى بها الفرد لتغير حياته أو البحث عن فرص جديدة تلبي طموحاته، وإن تلك الدول لا تطالب الشخص المهاجر أن يتخلى عن تقاليده أو اسمه أو عرقه، فالأمر كما أشرت يرتبط بطموحه الشخصي، غير أن ما أشير إليه هو عندما تعمل دولة معينة على أن تجعل من دولة أخرى نسخة مصغرة منها، متجاهلة الاختلاف في التاريخ والإرث الثقافي، أو أن تحاول تغيير طابع دول أخرى وتسلخه من جذوره بغية السيطرة عليه، وأن تصبح تلك الدولة الجديد ليس سوى باحة خلفية للدولة الأولى.

من حيث المبدأ، هذا ليس بمستحيل، فالناس أحرار باختياراتهم وتغيير أفكارهم وعقائدهم وحتى دياناتهم. ولم نسمع في ذلك التغيير أي قصة نجاح أو فشل، والسبب أن من تغير  هكذا لم يقدم إنجازًا علميًّا، وانما هو اجتهاد شخصي يعود للفرد نفسه وليس ملزمًا لأحد أن يقتدي بتلك الأفكار الجديد، وهي في الواقع موجودة، إنما هي جديدة لمكتشفها. لكن ما الفرق بين أن تغير من أفكارك أو أن تغير من هويتك التي وجدت بها؟ فكلا الأمرين هو تغير، والتغير هو بحد ذاته تطوير، فما هو الضير في ذلك؟ أو أين هي العلة؟

والواقع أن تغيير فكرة ما أو تطويرها قد توثر على صاحبها بالسلب أو الايجاب لكن لا توثر على بطاقته التعريفيه فهو من وجه نظر المجتمع يبقى معروف الانتماء والهوية، إنما إذا قرر الفرد أن يغير هويته الأممية، فذاك يعني انسلاخه الكامل عن كل شيء قد تربي عليه من تقاليد أو ممارسات معروفة، والتي هي متأصلة فيه ومرتبطة بوجدانه.

ومن هنا تبدأ مرحلة إعادة الترتيب والبحث عن بديل قد يملأ ذلك الفراغ الذي تركه بعد تخليه عن هويته، وأن تلك المحاولة المرهقة، والتي يقابل فيها الشخص مرحلة من المعاناة وصراع الأفكار في داخله، والتي في الغالب لا تنتصر فيها أي من الهويتتن، تنتج شخصًا عديم الانتماء.

هو الآن ليس لديه مجتمع ينتمي إليه، والمجتمع الجديد لا يجد نفسه فيه، وإن وجد فيه أشياء تعجبه، إنما هو في الواقع لم يذب فيها بالكامل، فما زالت هنالك أمور تناقض ما بداخله؛ والنتيجة أنه شخص تائه معزول، والأصعب أنه تعيس لأنه فقد هويته، وأصبح شخصً غير معرف. فيا ترى هل تصلح أن يكون للشخص بدل فاقد في أمته؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد