بدايةً سوف أطرح فكرتي بكل وضوح، الهجوم والدفاع سيكون حول أفكار لا عن أسماء بعينها، لا أعني بكلامي كل الأقطار العربية وكل الأحزاب الإسلامية، لن أكونَ ضالعًا في جريمة تراشق الاتهامات التي لا تسمن ولا تغني من جوع في هذا الوقت العصيب، بل إن الخطاب، خطاب تحذيري لمن «ابتلي» بالسياسة، وفي الحقيقة، الحقيقة التي أريد إيصالها من هذا المنبر هي أنني ضد منع الأحزاب الإسلامية من الإدلاء ببرنامجها الانتخابي وضد اعتزال السياسة ككل، إنما أدعو للكف عن حب إرضاء الناس فيما فيه سخط لله عز وجل، وللأمانة هناك مواقف تشرف الراية وترفع سقف الهمم، لكن تركيزي سيكون على نقيض ذلك، داعما موقفي بأنني لا أرى في التقديس شيئا، بل إن المواقف كلها تحت المحاسبة، وحينما ننقد بعض مواقف الحركات والتحزبات ولا سيما المتدين منها، فالغاية غاية تصحيح وتهذيب لا تجريح وتنقيص.

هناك من يحمِل عبء تطبيق السياسة بحذافيرها، أبيضها وأسودها، ما ينفع تطبيقه وما لا ينفع، الجزء المحمود والجزء المذموم، بالتنازلات والعموميات، يتبنى هؤلاء التكلف السياسي في خضم مساعٍ كبيرة منهم لبناء هيكل ديني ودنيوي يناسب المصلحة السياسية ويخدم نظام العالم الحديث، ما يعز على الفهم اهتمام هذه الفئة اهتمامًا مبالغًا فيه في محاولة «عولمة» القضايا العربية وكسب الشارع الغربي بأي وسيلة، بعض الأحزاب السياسية الإسلامية حملت على عاتقها أمانة إبداء اهتمام شكلي وعاطفي لمواقفها وتسييسها في سبيل الحصول على الرضا الأممي والقومي أكثر من أي وقتٍ مضى، وترك جوهر الرسالة التي تحفظ قوة ومتانة الدين من الأيدي اللعوب.

تبدي أغلب المواقف السياسية تملصًا من تطبيق النظرة الإسلامية، بل يعترف المتحزبون للديموقراطية الدينية بفشل منهج أهل السنة والجماعة بحجة صلابة النص وترجيح الدماء، وهذا التملص يتحمل مسؤوليته من يرفع شعاره بالمقام الأول، بنهاية الأمر لا يتحمل مسؤوليته من لم يتبنَّه من البداية. تتفقون معي أن جميعنا بشر ونخطئ، إلا أننا يجب أن نسعى للمثالية الدينية في الوقت الذي تبدو لنا فيه مستحيلة.

وقبل أن نصنعَ الحزب الإسلامي الذي يوافق الجادة والصراط، يجب أن نحقق أسبابه، والذي يومئ برأسه قليلًا على المجتمعات العربية سيعلم بأننا لا نملك للآن الوعي المكفول بتحقيق التحزّب الفلاني أو العلاني، فالنجاح العظيم مربوط بالنجاح البسيط، والنجاح البسيط هو إنشاء أسرة جيدة، وبناء مؤسسة تعليمية نافعة، ووجود القدوة .

لن أتحدث عن غياب الحكمة في الانتخابات، من منح الأصوات حسب اسم العائلة وعن بعض مراكز الاقتراع التي تسمح لنفسها بشراء الأصوات، لكن بناءً على هذا يجب أن نفكر مجددًا ألف مرة قبل أن نمنح الثقة للأحزاب القادمة، الفكرة التي أصر على طرحها هي الرسالة التي تبثها هذه الأحزاب. ما هي رسالة الحزب؟ وهل احتوى تطبيق الرسالة انحرافات تذكر؟ البعض يتساءل عن حجم تلك الانحرافات التي تعد تنازلات لبنود أساسية للرسالة، هذا التشدق هو حالة ذعر من خسران شيءٍ ما، ربما يكون الذعر من خسارة السباق على الشرعية. وكأن هذه الشرعية صك غفران إلى الجنة!

الملاحظ في عالم السياسة والتحزّب أن ترى مواقف مغايرة لنفس الحزب في أكثر من بلد عربي، وهذا انحراف واضح ودليل على قهقهرة الموقف في سبيل التشدق السياسي والحفاظ على عذرية المشروع، وما يحفظ دم تلك الأحزاب بمختلف توجهاتها الدينية أو المدنية هو أن جمهورها ما زال يقدس «أبطالها»، الأمر يصبح فوبيا حقيقية عندما يدافع الجمهور عن الفئة «المقدسة» بحجة أن الكمال لله وحده، وفي الحقيقة أننا متفقين على كمالية الله وحده، لكننا لسنا كذلك على قداسة الشخصيات، لأن في قداسة الشخصيات ضياع للنقد والعدالة، وفي ضياعهِما قصورنا وتقصيرنا والله المستعان.

يجب أن نكره السياسة أكثر من أن نحبها ونتوق لإرضائها، لماذا؟ لأن السياسة عدوة المبادئ والمسلّمات، بل إن احتفاظك بمبدأ في عالم سياسي يعتبر تهديدًا حقيقيًّا، وبالحديث عن المبادئ بالتأكيد رأيتم الرئيس الشيشاني قاديروف المشرف في وصلة رقص في مؤتمر الشيشان الإسلامي، وكذلك نشيد «هاتكفاه» ثم غناءه في قصر الاتحادية المصري خلال حفل استقبال السفير الإسرائيلي الجديد، ما أحلى أن يصاب الإنسان في سبيل مبدأ سامٍ شريف، وما أسوأ أن يكون هذا المبدأ محل تهكمٍ يصيبُ جسد الأمة الشريف بالخذلان والخزي.

تتنصل سياسة بعض الأحزاب من الحروب أو من المواجهة المسلحة، ولذا أسميها بالجاهلية الجديدة، ذاك النوع من الحروب التي ندافع بها عن عقيدتنا الضائعة وعروبتنا التائهة، وهذا ما لا تحققه معظم الأحزاب الحالية بل إنها تبحث عن حججٍ للقعود، ومعظمها يدعو إلى السلم والتعايش دون حل المشاكل بين أطراف المجتمع، أما من يدعو منها لحمل السلاح فأكثرهم لم يطلقون رصاصة، تقول إحسان الفقي: «الحرب عتبة على باب الحضارة لِمَ نخاف ما دُمنا نؤمن بقدر الله؟ كُن جزءًا من أسباب النصر، عُد الى بلادك وتذكّر: عند الشدائد تُكشف معادن الرجال».

وإن كانت جماعات التسييس تريد فعلًا أن تنتفع بما لديها من أفكار وهمم لملئ الفراغات، قبل ذلك حريٌّ بها أن تتحمس لملأ فراغ الوعي الشعبي قبل أن تجندنا في مواقفها وآرائها صحيحةً كانت أم خاطئة، أغلب من يدافع عن تحركات تلك الأحزاب يستشهد بصحة مذهبها الفكري ونص نظريتها، ولا خلاف على ذلك إلا حينما يأتي وقت التطبيق والعمل، فحتى نانسي عجرم تقول «حبيبي أنا نيتي صافية» في أغنتيها وهي تبيع البطيخ، ميزان التفضيل أيها الرفاق يكون بالعمل فيما نعلمه، ولا تنسوا أن ثمار الإثم تظل.

على الأحزاب التي تدَّعي الإسلام أن تتوقف عن إيجاد المسوّغات العالمية للبدء بشرعيتها وألا تقعد عن الحق لقلة سالكيه، فالشرعية تبدأ من التزامها بالنص الشريف لا أن تنتظر شرعية الحشم والبشر، وقبل أن نلتزم بتلك الأحزاب عليها هي أن تكون واضحةً وأن يتوافق واقعها مع نظرياتها جملةً وتفصيلًا ، أما النجاح من عدمه فمن السماء .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد