الأردن متعدد.. حاضره كما مستقبله.. هذه الصفة لا تنفي وجوده
كثيرًا ما يلح علي هذا السؤال: من هو الأردني؟ أيكون من يحمل الرقم الوطني، أم من أقام هنا بعد انهيار الدولة العثمانية، أم هو القادم في زمن فوضى ما بين الحربين العالميتين؟ أهو من جاء واستقر، فوجد الأردن ملاذًا أمنًا له، أم الرأسمالي الذي استثمر في البلاد، وتَحصل على أوراقها؟

في الحقيقة، الأردن متعدد، هواياته، انتماءاته، حاضره كما مستقبله. هذه الصفة لا تنفي وجوده.

لكن هناك أردن آخر، يرونه من وجهة نظر أمريكية إسرائيلية، وجوده مرتبط بأمن إسرائيل وبقائها وتوسعها، وطنًا بديلًا وضرورة لتصفية القضية الفلسطينية وشعبها، وظيفته تحكمها ايدلوجيا التوراة، لا جغرافيا الشعوب.

وهناك أردن خليجي، مهمش، فقير، تستخدم أوراقه لفرض واقع جديد، وإن رفض جُوع وأغلقت منافذ وقنوات اتصالاته. يرونه دون حلفاء وأصدقاء، سياسته فقط تتبع وتتحكم فيها ممالك النفط والغاز.

وهناك اردن يخافونه، هو جزء أصيل من بلاد الشام (سوريا الكبرى)، بقاؤه مرتبط بعمقها الاستراتيجي، وابتعاده يعني الفناء، دوره الكبير يتجلى هنا، والبعد يعني الضياع والتلاشي؟

في نظر الأردني المقيم هنا بغض النظر عن أصوله، البلد لا لون له، لا جدران تحميه، مكشوف خارجيًا، يبيع المواقف السياسية دون مقابل، أما داخله أزمته أعمق من أن تحل، معرض في أية لحظة لهزات عميقة، تُرضخ الجميع، للموافقه على ما يحاك ضده، وطنًا وهويةً، دون اعتبار لسكان المنطقة وأصولهم. فهم في نظر الجميع أداة في مشروع، لا فرق هنا بين حاكم ومحكوم.

في عام 1994 وقع الأردن معاهدة السلام مع إسرائيل، لم يكُ المكون الشعبي الأردني يمتلك زمام الرفض والاعتراض على الجريمة – سلام الخرفان – لا حل بيد الحكومة إلا توقيع المعاهدة لإنهاء حالة الركود الذي تعانيه داخليًا وخارجيًا، انتهت القصة، وباتت لاحقًاً حقيقة لا يمكن انكارها، بل صار سدنة لإسرائيل مريدين وأتباع، أسسوا حزبًا وجماعات في الأردن من أصحاب الصفوة والحظوة، هنا تلاشت الفروقات جميعها، فلا أردني أو فلسطيني، شمالي أو جنوبي، الجميع متفقون على المصلحة العليا، إسرائيل السادن الأكبر وهم عبدة الهيكل وخدمه.
اليوم ماذا يملك الأردني للحيلولة دون الوقوع في مستنقعات الصفقات لتصير عند صخرته صفعات تعيد البسمة للوجوه، صفعات تمنع شطب الهوية الأردنية أو لنقل صراحة ما تبقى منها، وتبقي جذوة الحق الفلسطيني مشتعلة، صفعات تحول دون تمرير مشاريع تنطلق من قلب أساطير التوراة، وتوسع الجغرافيا، فالمظاهرات اليوم لا تجدي نفعًا، البرامج الإعلامية لا تقدم بديلًا وأكاذيب المسؤولين تتبع حكامها، الأحزاب تفتقد للمصداقية والقيمة، و الشعب لا يملك الأدوات و التجارب. فههل مطلوب منا صنع دروب نلجأ إليها لمواجهة القادم، فيصير الشعب والنظام جسدا واحدًا؟
لكن، ماذا إن وافقت الدولة ( النظام، الحكومة مجلس النواب الممثل للشعب ) على المشاريع وصفقاتها للخروج من الأزمات تم تخليقها مقابل خسارتها لحقيقتها التاريخية والشرعية التي تستمد القيادة فعل الاستمرارية منها، دون الأخذ بعين الاعتبار، التاريخ الجغرافيا وشرعية الشعب الأردني، والحق الفلسطيني في أرض سلمت في لحظات، لقادم غريب، يرونه قوي ومتقدم في محيط بربري جاهل!
فهل يملك الشعب الحق في الرفض، ماذا لو قام النظام بتغليف أفعاله وتزينها بعلم أردني بطعم امريكي اسرائيلي ونكهة خليجية، للإيقاع و إقناع الشعب وأخذ تفويضه!
هنا تكون الأداة وسيلة للسيطرة وفرض واقع جديد، من يقبل ومن يرفض الصفقة، هل يرفضها الفلسطيني الذي أفنى أزهار عمره وهو يتحدث عن حق العودة والحقوق المسلوبة على يد الاحتلال وأعوانه من الأصدقاء والأشقاء، أم يقبل بها مقابل تعويضات مالية متفق عليها باعتبارها صفقة تغري الفلسطيني ببيع أرضه، فالفلسطيني في نظرهم تاجر «شاطر» واللعبة ليست إلا ربحًا وخسارة، تُستثمر لاحقًا في دوائر ضيقة مغلقة، فتمر خطوط الغاز، والسكك الحديدية والأرصدة البنكية الجديدة من قلبه بانسياب. ليصير هناك شعوبًا تعيش في «جيتو عربي» مقابل فئات تقيم في قصور، مقابل الأردني المغلوب على أمره، لا يملك جبهة داخلية ترفض أو تتمرد، حتى وإن كانت النتيجة تقسيمه، وسلب أراضيه، وإنكار شرعيته وهويته، وتاريخه.
ماذا عن الأردني، الذي يراها طريقًا، لحل مشاكله الاقتصادية، يقبلها أم يرفضها؟ وإن رفضها، هل الصدام القادم يقسمه، ويحوله لعدو للدولة؟ أم يكتفي بالصمت والرفض المر للمشهد في تكرار لعام 1994، ليصير واقعًا لا يمكن إنكاره.
لا أحد يمتلك رؤية للغد، المعتم شعبيًا، الرمادي حكوميًا، والأبيض دوليًا، لكن الجميع يعلم الحقيقة، ينتظر أن تبدأ، بعضهم من أجل القسمة، بعضهم من أجل الفكرة، وأغلبهم من اجل الصمت الذي لا يتبعه حركة، ينهي على مذبحه شعبين، ويتم تخليق كيان مشوه لشعب جديد، وجغرافيا جديدة، ودستور جديد، ونظام جديد، يرضى ويقبل ما يملى عليه مقابل لقمة خبز وشربة ماء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد