هالني ما قرأت وشاهدت على أحد المواقع الإخبارية حينما نشرَت خبرًا عن الانتهاء من إنشاء مسجدين في قلب حرم جامعة القاهرة، لم تكن المفاجأة بالطبع في مسألة إنشاء المسجدين، وإنما كانت الصدمة في الكيفية التي خرجا بها كمبنيين دينيين يمثلان الدين الرسمي للدولة بحسب الدستور، مثلما يمثلان عراقة الموقع الذي ضمهما، حرم جامعة القاهرة، وهي المنارة الهائلة التي أرشدت أجيالًا فأمدتهم بنور المعرفة على مدى يربو على المائة عام!

التشكيل الهندسي للمسجدين التوأم عبارة عن تكوين إسطواني أصفر اللون محاط بالكمرات ومثقوب بالنوافذ عند المستويين العلوي والسفلي ويعلوه سقف مائل منبسط يؤدي بدوره إلى عنق زجاجي يحمل قبة شبه بصلية مُذهبة يعلوها الهلال، وتظهر القبة فوق التكوين بصورة مشوهة في استنساخ للقباب الهندية أو كأنها مُستنسخة من مدينة ملاهي السندباد بالقاهرة.

جدير بالذكر أن المسجدين التوأم تم بناؤهما على أنقاض المسجد القديم بساحة كلية التجارة وثار حول ذلك لغطً كبير حسمته إدارة الجامعة ببيان جاء فيه  تؤكد الجامعة أن عملية هدم المسجد جاءت لبناء مسجد جديد وعلى مساحة أوسع وبتصميم بنائي يتفق مع مسجد الطلاب. وسوف يخصص المسجد الجديد للطالبات وسيلحق به دورات مياه ومحلات وضوء لائقة تيسر على الطالبات أداء الفريضة”. وأضاف البيان “أن ما قامت به الجامعة من باب جمع الطلاب على مسجد جامع لأداء الفريضة وتطبيقًا لفتوى دار الإفتاء المصرية واحترامًا وتقديرًا لفريضة الصلاة”.

انتهى البيان وبقيت الأسئلة وأهمها “هل التصميم الحالي هو فعلًا التصميم البنائي الذي يتفق مع “مسجد الطلاب” بحسب البيان؟ من الذي أقر هذه التصميمات من النواحي الجمالية والوظيفية؟ وهل تم إجراء مسابقة بين المعماريين الممارسين والأكاديميين أو حتى بين الطلاب من أجل تصميم مسجد جامع بحرم جامعة القاهرة؟ بل هل تمت استشارة بعض هؤلاء عن حالة المسجد المهدوم وعن إمكانية توسعته؟ إن تصميم المسجد الحالي لا يرقى لأن يكون مشروعًا ضمن مشروعات الدراسة للسنة الأولى بأقسام العمارة المختلفة! فكيف تم إقرار هذا التصميم وتنفيذه على رؤوس الأشهاد؟

والواقع أن المنشأ الجديد الذي استغرق بناؤه ثلاثة أشهر فقط حلقة جديدة من مسلسل القبح المعماري، لا سيما في تصميم المساجد الذي لا يخضع لرؤية واضحة وظيفية أو تشكيلية أو جمالية، وبالمناسبة فإن فلسفة تشكيل المسجد التوأم تشبه تمامًا الفكرة التصميمية التي قام عليها مسجد السلام بمدينة نصر وهو عبارة عن كتلتين مثمنة الأضلاع تعلوهما قباب يمثل أكبرهما مصلى الرجال وأصغرهما مصلى السيدات تمت صياغتهما بلغة معمارية فقيرة ونشاز عمراني يتناقض مع النسيج المحيط، ولكنه يظل أقل كارثية من وضع مسجدنا الجديد وسط نسيج عمراني متميز يحمل على أرضه مبان عريقة تم تصميمها وتنفيذها على الطراز النيوكلاسيكي تحت عباءة أشهروأعظم قبابنا المصرية في القرن العشرين، قبة قاعة الاحتفالات الكبرى الشهيرة أو قبة جامعة القاهرة.

وبقي لنا أن نتسائل مرة أخرى وأخيرة: “كيف نربي تلاميذنا من طلاب العمارة والفنون على أسس الجمال وكل ما حولهم وحولنا ينضح بالقبح والبشاعة؟”

غالبًا ما تظل الإجابة -كهذه الأيام- غامضةً قاسية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد