حصدت بالأمس القريب المرشحتان الصومالية إلهان عمر والفلسطينية رشيدة طليب، أصوات المؤيدين لهما بفوزهما في الانتخابات الأمريكية، وهنا يبادرنا سؤال كيف وصلتا إلى مقعدي الكونجرس وهما مهاجرتان في ظل تفاقم الأصوات المعادية للمهاجرين وصعود اليمين المتطرف واجتياح الشعبوية العالم؟

يعزو أغلب المحللين بأن أصوات الشعبوين ليست بجديدة ولكنها زادت وعلت بعد الأزمة الاقتصادية التي ألمّت بالعالم، والتي عرفت في حينها بأزمة الرهن العقاري مما أنتجت حالة كساد حقيقية وأزمة اقتصادية تفاقمت فخلفت تلك العنصرية ضد المهاجرين، والذين يرون أنهم يأخذون حقوقهم ووظائفهم ويستنزفون مقدرات أوطانهم مع أنهم يدفعون ضرائب مثلهم!

هذا فضلاً عن النظرة النمطية التي أصبحت سائدة لكل عربي مسلم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).

أدى كل هذا لنشوء تجمعات وجمعيات تدعم الأحزاب اليمينية مما أدى إلى اكتساحها في برلمانات دول عدة بل ووصول رؤساء يحملون هذا النفس الشعبوي، ومن أشهرهم دونالد ترامب وهو ما يعتبر المثال الأبرز بينهم على اختلاف درجات شعبويتهم.

وعلى إثر تلك الأحداث التي لسنا بمنأى عنها ولا ببعيدين منها، انتقلت لنا وفي عالمنا العربي هذه العدوى فبدا أن هناك أشخاص يحملون نفس هذا النفس الإقصائي ويصدحون بنفس هذا الصوت النشاز يحاربون ويستبعدون الغير دون أي تبرير فخرجت علينا مسميات ما أنزل بها من سلطان كعرب الشمال والأمصار فأظهرت نظرة دونية لا تخلو من العنصرية ضد الوافدين والمقيمين بل وتفشت حتى داخل الوطن الواحد المناطقية والقبلية التيتعزز لهذه التفرقة العنصرية لتنسب لهم مسميات وتلمزهم بصفات والكثير من الكلمات التي لا نريد أن نتطرق لها ولا أن نسهب بها حتى لا نأكدها أو ننميها.

الوطن أم المواطن

هنا يباغتنا سؤال استطرادي هل الوطن أهم من المواطن أم المواطن أهم من الوطن؟ (هذا السؤال الذي طالما تبادر إلى أذهاننا عند الحديث عن أهمية الوطن ولو كان بطريقة غير مباشرة).

فالوطنية من الوطن والوطن هو هذه البقعة من الأرض التي لولا أن استوطنها المواطن لما أطلق عليها وطن، وتأتي أهمية الوطن مما فيه من فائدة لمن استوطنه فمثلاً البدوي في البرية لو لم يجد تلك الأرض الخصبة الخضراء والواحة الغناء التي بها ماء لما نزل بها، ولو قل رزقها وجف ماؤها لذهب لغيرها فهو لن يقيم في أرض قاحلة جرداء.

فلذلك حق المواطن يجب أن يكون موازيًا لحق الوطن فالوطنية الحقة أن تحافظ على المكتسبات الوطنية عن طريق الحفاظ على هذا المواطن بصون كرامته وبإعطائه حقوقه وحريته وغير ذلك لا تصبح وطنية بل عبودية.

لا أدعي هنا أن الوطن ليس ذا أهمية بل هو من يغلب عليه الأهمية ولكن أيضًا لا نستطيع أن نغفل ونتناسى أهمية المواطنة التي تكرس لتلك الوطنية فإذا نظرنا كيف مثلاً بشخص يهاجر إلى دولة أخرى ويكتسب جنسيتها ويترشح لمقعد من مقاعد نوابها أو يكون وزيرًا في مجلس وزرائها فهذا أيضًا يؤمن بالوطنية وحق الدولة التي استوطنها وأخذ جنسيتها وهذا بلا شك لا ينتقص أبدًا من انتمائه لمسقط رأسه ومكان ولادته والتي بها ذكرياته كما في المثالين السابقين.

الوطنيون الجدد

إذاً لا أحد يختلف على الوطن وأهميته ولكن ما يراعى له هو انتشار التشكيك في وطنية كل شخص له رأي مخالف وهذا شيء أصلاً مخالف لمفهوم الوطنية الحقة.

إذ خرجت علينا بالآونة الأخيرة تيارات تنسب لنفسها الوطنية وهي لا تقف ولا تؤيد لا وطنًا ولا مواطنًا بل مهمتها أن تطبل وتصفق وتهلل للسلطة فهم يتهمون كل شخص ينتقد المسؤول أو أي شيء غير معقول في الوطن ليقولوا له الظرف غير مناسب والوقت الآن ليس بملائم، وإن لم يخضع لتوجيهاتهم وإملاءاتهم يصبح في عرفهم خائنًا.

ما هو مسموح لك فقط هو أن تطبل للسلطة باسم الوطنية وتدافع عنها بالوقوف في صفها ضد أعدائها من الفضائيين الذين يحاولون بزعمهم أن يزعزعوا أركان دولتنا وزرع الفتن والشقاق فيما بيننا ويتحينوا الفرص للانقضاض علينا.

لا يمكن بأي طريقة كانت أن يُخل في أي حق من حقوق المواطن ومكتسباته باسم الوطنية فهذه تعتبر إعانة للطغاة وفتح باب للاستبداد، فالوطن يجب أن يكون فوق الجميع حاكمًا ومحكومًا، والتعامل مع العباد بمسطرة واحدة دون تفرقة، ولكنهم ينهبون المقدرات الوطنية ويعبثون بمكتسباته الحقوقية ويقال له كن وطنيًا وتحمل الضرائب والأعباء المادية وهو مع المدة يصبح خاضعًا ومدمنًا للذلة أمام السطوة الاستبدادية والهالة الإعلامية، فكلما زاد الغلاء خرج يمدح بكل غباء ويشيد كما البغبغاء فصار مدمنًا لحالة ارتفاع الأسعار وأصابه شيء من السعار.

«الوطنجامية»

أتى مصطلح الوطنجامية لأتحاد كل من الوطنجية والجامية فأفرز هذا المفهوم.

فالوطنجية يتسلقون على أكتاف الوطن دون النظر لمصلحة المواطن فكل ما يعاني منه المواطن في ملتهم شيء بسيط أمام هذا الوطن الكبير.

الوطنجي مهما رأى من إخفاقات وطنية وتردٍ في المشاريع الاقتصادية وعدم نمو في الموارد المالية لا ينتقدها ويتظاهر بعدم رؤيته لها وإذا بالزاوية وضعته وبالأسئلة أحرجته يقول لك هذه فاتورة الحروب علينا ممن هم يتربصون بنا ولا يريدون الخير لنا.

كان فيما سبق الأحزاب الليبرالية والتي انضوت أغلبها تحت مظلة الوطنية بعد فضيحتها واكتشاف زيف شعاراتها عند الإطاحة بمرسي حيث أعلن هنا رسميًا بأن الليبرالية التي تعنى بالحقوق ولا تعترف بغير الصندوق ماتت، ومن بقي منها أصبح تابعًا وحزبًا منافقًا مع من يتغلب، ولو عدت لرموز هذا التيار الليبرالي عند فوز الإخوان مثلاً لسمعت منهم العكس، بأن الوطن يجمعنا وهو يسعنا وبإمكانه أن يستوعبنا والصندوق يحكمنا فهذا مثال صارخ وشاهد للعيان وللخيانة أكبر عنوان.

لقد كانوا أبعد ما يكونون عن الإسلاميين بل ولهم معادين، أما الآن فمن يدقق في الساحة السياسية يجد شبه تلاصق وتناسق بين الوطنجية والجامية بل وتناغم بالآراء فكل منهم أصبح يزايد على الآخر في فكره ويحاول أن يلعب في ملعبه فلم نعد نستغرب الآن أبدًا أن يخرج علينا جامي لا ليسمعنا حديثًا عن ولي الأمر وواجب طاعته وإن خرج كل يوم على التلفاز ليشرب الخمر ويزني فقط بل لينظّر علينا بأهمية الوطن وحقه علينا، ويطل علينا وطنجي من جهة أخرى لا ليحدثك عن حق المواطن والمحافظة على مكتسباته بل ليندد بالمؤامرات الكونية الخفية التي تحاك ضدنا والحرب الصليبية التي تدار علينا بهذا الأسلوب الذي هو إلى وقت قريب يعزوه للحركات الراديكالية وبزعمه أنها مخلفات إخوانية وتحمل أفكارًا أيديولوجية فيدخل هنا إلى حدود لطالما حاربها وأمور لطالما انتقدها من الجماعات الإسلامية والصحوية، فهو لا يقف كما الجامي عند حد طاعة ولي الأمر مهما فعل وارتكب بل يقفز إلى أبعد من هذا محاولًا أن يجود بتفسيره وبطريقة تحليله ليسوق لمظلومية كاذبة للمستبد فتارة يلبسه لباس التقي الورع وتارة أخرى لباس الوطنية المهترئ بقوله بأنه يريد الخير للوطن والدليل قراراته الانفتاحية ومشاريعه التنموية والتي هي بالحقيقة «فنكوشية».

هنا على وجه الخصوص يضربان لنا مثالًا للمصالح عندما تتصالح، فمعها تسامت القيم وتسامحت الأفكار وتنازلت المبادئ، ومن كانوا متنافرين أضحوا متقاربين فغدوا كما عرائس الماريونيت بيد السلطة، تلعب بهم وتحركهم وتديرهم كيفما تشاء.

لقد ضاقت المساحات الافتراضية، ولجمت الأصوات الإصلاحية، أنت في سوق كبير ولكن يفرض عليك أن تشتري منتجًا وحيدًا هو المصرح لك أن تقتنيه وفتات من سلعة مستهلكة ومنتهية الصلاحية لتقتات عليه وحتى إن لم تعجبك وتروق لك ونفسك لا تتقبلها فليس بوسعك أن تغيرها فلم يبق هناك متسع للاختيار، هو إجبار وليس لك به أي خيار.

أخيرًا، السفينة يقودها قرصان ليس بربان، في بحر متلاطم الأمواج دون أي خبرة ذاتية أو معرفة علمية فكيف سيوصلها لبر الأمان! هذا ما سوف تكشفه لنا الأيام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد