يُعتبر الحُصول على معرفة أعْلَى طُعْم مِثالي، وحالة نفسيَّة عميقة جدًّا، يَسْهُل مَعها الوقوع في شِباك الكَهنَة الجُدُد، عَفوًا التَنموِيُّون الجُدد، كما يُروِّجون هُم لأنفسهم، في دوراتهم التدريبية، أو بين طيات كتبهم التضليلية، التي تعتبر شكلًا من أشكال الإساءة النرجسية الحادَّة.

نعم؛ مَنْ مِنَّا لا يَرغب في تنميَّة ذاته، وزيادة عِلمه، وتنويع معارفه، وتحسين مستوى معيشته، لكن ليست كل العلوم صالحة، ولا كل الطرق مفيدة، خُصوصًا عندما يتعلق الأمر بِسَجْع الكُهَّان، الذين يدَّعون فعل المعجزات فقط بالتفكير، ذوي الاختصاص في الكهانة، والكلام الغير المفهوم، المُزوَّق لاستمالة السامعين، أُولئك الذين يستخدمون مفهوم الإسقاط النجمي، أو الإسقاط الروحي، أو الخروج من الجسد أو الإسقاط الكوْكبي، أو الأثيري، أو الشفاف، أو الخفي؛ ويقولون أنه عملية ترتكز على الاعتقاد بجسم نجمي أو أثيري إشعاعي، غير الجسم المادِّي للإنسان، ويَجزِمون على وجود عالم أثيري، يتجوَّل فيه هذا الجسم بكل حرية، مع التحرر مِن جميع القيود المادية؛ بمعنى أدق أنهم يفترضون وجود جسم إشعاعي ثاني للإنسان، والإسقاط النجمي، عبارة عن خروج هذا الجسد الإشعاعي، وانفصاله عن الجسد المادي، والغريب أنَّهم يزعمون أن كل هذا يَحصل في ظُروف مِثالية، أهمها أن يبلغ الإنسان حالة مُعيَّنة بين الوعي والغَفْوَة؛ بمعنى أنه عندما يخرج هذا الجسد الأثيري يَصحبه الوعي، ويرافقه العقل إلى عالم الأثير؛ أي إلى عالم الأحلام، يظل هذا الجسم الأثيري، مرتبط بالجسم المادي، عن طريق حَبل طويل، يُسمونه الحبل الأثيري، كما يزعمون حصول خروج حقيقي واقعي أحيانًا أثناء النوم، وليس فقط من نوع التأمل أو الخيَال، أو الإيحاء، أو في حالة الاسترخاء الشديد، هذا مع التشديد على بقاء العقل بكامل وَعيِه. إذ يعتقدون اعتقادًا راسخًا في قدرة الجسم النجمي على التِّجوال في العالم المادي، إذ يسمع ويرى ما يحدث في أي مكان، بِما في ذلك العالم النجمي أو الأثيري نفسه.

مِن أبرز الإنحرافات الموجودة في العقل الباطن، بمفهومه الفلسفي حسب توهُّمهم، أنه يَجلب الصحة، يأتي بالغِنى والثراء، يحقق السعادة والهناء، ويَحصُل مِن خلاله وعن طريقه الشفاء، بأوْراد خاصة، وتمارين دقيقة كالمَانْتْرَا والشَّكَرات، من خلال دَوَرات القراءة التصويرية، أو الضوئية، أو ما يسمونه هُمْ؛ القراءة بكامل العقل. المُتخصصة في بيع الوهم، وهَدْم الذَّات الإنسانية، عن طريق إقحام تصوراتهم الخرافية، وانحرافاتهم الشيطانية العظيمة، لمكانة العقل في العبادات الشعائرية والتعاملية، على حدٍّ سَواء، ومحاولة إقحامه في أمور غيبية عظيمة، فوق طاقته دون علم، قصد الترويج لدوراتهم التنموية، وتطبيقاتهم الاستشفائية، بواسطة تألِيهه، مع الاشتغال على ترسيخ اعتقادات شركية؛ مفادها أن هذا الأخير هو مدبر الكون، بالدعوَة الصريحة لمعارضة الإيمان بالقضاء والقدر، والإصرار على تهميش جانب العبودية، بالتركيز الكبير المبالغ فيه على الاعتقاد في غير الله، بصفات لا تكون إلا لله وحده، والاستغناء عنه سبحانه و تعالى وعن دعائه. نظرًا لإيمانهم القوي بارتباط عقيدة العقل الباطن بوحدة الوجود الذي يعتبر وحده نفق مظلم جدًا لا حدود له؛ سنتكلم عليه لاحقًا بإذن المولى عز وجل في مقال لوحده.

إن استخدام علوم الطاقة بهذه الكيفية الخطيرة، والادعاء العقيم باكتساب مفاتيح القوة الخارقة، وطرق التأثير الفعَّالة، والإعلان بكل جرأة على إمكانية امتلاك اللمسة العلاجية. ما هو في الحقيقة إلاَّ ألاعيب وحِيَّلْ نفسيَّة وفلسفيَّة، ومكائد وأساليب جهنميَّة غير سوية، يلجأ إليها هؤلاء المصابين بالنرجسيَّة، للتلاعب بالعقليَّات والنفسيَّات البشريَّة، للسيطرة عليها، واختراقها فكريًا، مع سبق الإصرار والترصد، بواسطة سلاح العلم والمعرفة، على المدى القريب المتوسط والبعيد.

كل هذه الطاقات وأكثر تُسخَّر بسخاء، لإجبار الأطراف الواقعة تحت تأثيرت هذه الخدع النفسية، الفاقدة للقدرة الفعلية، على التفريق بين الحقيقة، الكذب والسراب، وبين الخطأ، التدليس والصواب. أمَّا مَا خفِيَّ كان أعظم؛ فمع مرور الوقت يصبح هؤلاء الضحايا مُفلسين أمنيًّا، ذاتيًّا، نفسيًّا، روحيًّا، أخلاقيًّا وعقائديًّا. إذ تستخدم هذه الإستراتيجيات المنحرفة وغيرها، بدون رحمة ولا شفقة في المجتمعات الفقيرة فكريًا وإعلاميًا، ليس فقط من بعض الكهان الانتهازين، بل كذلك من طرف كثير من وسائل الاتصال والتواصل السمعي والبصري عبر العالم، للترويج، والتسويق، والتغير، والتطويع والترسيخ المباشر وغير المباشر لهذه الأفكار، والقناعات، والثقافات، والإيديولوجيات من أجل تضليل الرأي العام. مِن جُملة ما يتم تداوله في بعض الدورات التكوينية، سهولة ويُسر إرسال أي شخص إلى الماضي أو إلى المستقبل! إذ باستطاعته الإطلاع على الغيب. إنَّما الحقيقة الدقيقة أنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير.

مِن المُحزن فعلًا هو أن تصبح دورات التنمية وندوات بناء الذات مِعول حقيقي لهدم الأسس الدينية، وزعزعة توازن النفوس البشرية، داخل المجتمعات الإسلامية، فَيرى بعضهم أنه انعكاس للواقع الممزوج بالأفكار، وأنه يمكن الإلتقاء بالأنفس الأخرى المتجولة، والمثير للجدل، أن هذا الترويج المقصود، لواقعية وحتمية هذا الالتقاء، له أشكال كثيرة ومتنوعة؛ مما يفتح باب الشعبذة والتفكير المنحرف على مصرعيه، كحلول الأرواح وتناسخها.

لَوْ كنا نتحدث مثلًا عن التقاء في عالم البرزخ؛ أي بعد وقوع الموت، أو في غياهب المنام، لتقبلنا الأمر على أن هذا الحلم مَوْتَة صغرى، أما جميع ما يكون فيها من أحداث، فهو بأمر الله سبحانه وتعالى. لكن الكلمة الفصل في القضية برمتها، أن هذه المنامات تبقى ظَنِيَّة، ولا يمكن للمسلم العاقل، المُتعلم والمتزن، القول بِحَتْمِيَّتها، لأنه يَضَع فرضيات منطقية وعقلانية، كإمكانية أن هذه المنامات مجرد أضغاث أحلام، أو حديث نفس نابع من رغبة ملحة، قد يُترجم أحيانًا إلى حلم أو منام، وقد يكون كذلك من الشيطان، وقد يكون رؤية حق، لكنه لا يمكننا أبدًا الجزم بذلك تحت أي ضرف، على خلاف هؤلاء القوم، الذين يدَّعون، بل يجزمون ويصرون، أنهم قادرون على إرسال الجسم الأثيري، إلى المستقبل، لكي يطلع على أسراره ويَعْلم خباياه.

ومن ضمن ما يقولون كذلك في وصف البعد الأثيري هذا أنه يلتقط أحلام وذكريات وتفريعات كل كائن حي على وجه الأرض، ويحولها إلى حقائق وكائنات. لكن عند التتبع والبحث والتنقيب تجد أن هذا الفكر وهذا المعتقد نابع من فلسفة اليوجا الهندوسية، وأنه موجود في بعض الديانات المصرية القديمة، والمعتقدات الطاوية ذات الأصل البوذي أو الديانات الصينية. إذًا حقيقة الجسم الأثيري مبنية على نظرية قديمة جدًّا تفترض وجود مادة الأثير، وهي مادة مطلقة، قوية، وغير مرئية، تملأ الفراغ في الكون؛ سماها أَرِسْطُو العنصر الخامس، وعدت عنصرًا ثانيًا شريفًا غير قابل للتغير والفساد. قد أثبت العلم الحديث المتطور، عدم وجود هذا الأثير، لكن الفلسفات القديمة بقيت مرتبطة به، ويوجد فيها العناصر الخمسة والأربعة.

هناك أيضًا بعض المتهافتين الأعراب حديثًا، من يتبنوْن هذه الثقافة القديمة، للهنادكة والبوديين والصينين، ويروجون لها بقوة على شكل دورات تدريبية، أو ندوات ومؤتمرات علمية، تقول بتعدد أجساد الإنسان؛ ويسمونها الأبعاد، أو الطاقات، وهذا القول حقيقته بَعْتٌ لفلسفة الأجساد السبعة، المبنية على تعدد الأجساد، من خمسة إلى تسعة، والتي هي أساسًا منبتقة من وجهة نظر فلسفية شِرْكِيَّة، مرتبطة باعتقاد باطل في ألوهية الكواكب، أو المؤثرات الخارجية، والمتفق عليه عندهم؛ هو الجسم البدني أو الأرضي، الجسم العاطفي، الجسم العقلي، الجسم الحيوي، والجسم الأثيري.
موضوع الإسقاط النجمي مرتبط بهذا الخامس الأثيري، حسب زعمهم، وهو عندهم من أهم الأجساد، وأساس حياتها، ومنبع صحة الإنسان، وأصل سعادته، لكن الحقيقة الدقيقة أن هذه الأجساد، ما عدا الجسم البدني الوحيد المعروف لدينا، والذي عرفنا الله سبحانه وتعالى، أما الأخرى لا وجود لها، لا في الكتاب، ولا في السنة، بل فقط موجودة في أنفسهم وضنونهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد