“الصحافة لها شعبيتها، ولكنها تستمد هذه الشعبية في الأساس بوصفها خيالًا غير واقعي؛ فالحياة التي نعيشها عالم، في حين أن الحياة التي نراها في الصحف عالمًا آخر موازِ”.
الكاتب الإنجليزي جي.كاي.تشستترون

إذا ما كنت من جيل الثمانينيات أو حتى مطلع التسعينيات؛ حيث القنوات المصرية الثلاث – فعليًا قناتين فلم يَكن هناك أحد عاقل رشيد أعرفه يشاهد القناة الثالثة المصرية – والجرائد القومية الثلاث: الأهرام والأخبار والجمهورية، فلم يَكن هناك ما يُسمّى بالجرائد الخاصة وقتذاك، كما أن الجرائد الحزبية كالوفد وخلافه، لم يَكن كذلك هناك أحد عاقل كامل الأهلية يقرأها، فاعلم أنك يا صديقي من هذا الجيل الذي ترعرع ووعي على أن مصر هي محور اهتمام العالم، وأن كافة الزعماء وكبار الرؤساء يقدّرون الرئيس مبارك ويعملون له ألف حساب، حتى إنك لن تتعجّب إذا قال لك صديق ما أنه قرأ بأحد الجرائد المصرية أن الرئيس الأمريكي ريجان وكذا الفرنسي ميتران يسعيان إلى محاولة إقناع الرئيس مبارك تسلّم أسلحة ذرية متطوّرة دون مقابل مادي، فهما فقط يريدان الاستماع لكلمات رئيسنا الحكيمة في أدقّ شؤون بلادهما، والاستفادة من رجاحة عقل الرئيس المصري في كافة مناحي الحياة!

 

وحدهم جيل الثمانينيات ومطلع التسعينيات سيدركون كيف كانت مصر عظيمة يشيد بها الجميع، ويتيه القاصي والداني فخرًا برئيسها الحكيم الواعي، وكيف أن معدلات البطالة والتضخم في تناقص مطرد، وكيف أن اقتصادها هو الأفضل بين اقتصاديات القارة السمراء أو ربما في العالم أجمع، لا تتعجّب فإن هذا الجيل يقرأ الصحف المصرية ويشاهد نَشرات التلفاز المحلية!

ولا يحتاج الأمر لعين خبير للقول بأن الثورة التقنية الحالية تشكّل وبالاً على الساسة والإعلاميين الموالين لأية سلطة أو نظام حاكم في العالم؛ فيكفي أن نطّلع على مئات أو ربما آلاف القنوات التلفزيونية الإخبارية على الأقمار الصناعية المحلية أو العالمية لنتأكّد من صحة خبر أو معلومة ما، ويَكفي أيضًا أن نتصفح مواقع كافة الصحف العالمية المرموقة على هاتفنا الذكي أو جهاز الحاسوب الشخصي أو الحاسوب اللوحي (التابلت) لنتعرّف على كل ما هو جديد. كل تلك “الحسنات” التقنية لجيل الألفية الجديدة، جعلتهم يَنظرون إلى واقع مغاير تمامًا لواقع مصر المحروسة في فترة الثمانينيات؛ فمصر لم تَعد محور اهتمام العالم، كما أن زعيمها نفسه لم يَعد أحدًا يذكره، كما انهالت عليها سهام النقد من العديد من المؤسّسات الحقوقية الدولية بسبب قصور واضح في حقوق الإنسان وحريات الصحافة والإعلام وغيرها، كما أن اقتصادها لم يَعد الأفضل ولم يَكن يومًا كذلك، ما يَعني أن ذلك الواقع الافتراضي الذي حاولت بعض وسائل الإعلام “الحكومية” تجسيده على أنه واقع حياتي يعيشه كافة المصريين، بات على النقيض تمامًا؛ واقع خيالي في عقول الساسة وأصحاب القرار في مصر المحروسة وحدهم!

ولكن، لازالت بعض المؤسسات الإعلامية “الحكومية” التي تموّلها الدولة، تَعيش أسيرة ماضيها الجميل، تَرى فقط بعيون الحاكم ولا عين غيره، كما أن كبار صحفييها – أغلبهم من طاعني السن الذين يَرون الصحافة الإلكترونية بدعة من بدع هذا الزمان، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار – لا يزالون يعتقدون أن صحفهم هي الأكثر مصداقية وعراقة في مصر والوطن العربي!

ففي الأسبوع الماضي، تحديدًا في يوم التاسع من أكتوبر الجاري، نَشرت جريدة الأهرام المصرية “العريقة” تقريرًا يتناول مضمون تقرير آخر قامت جريدة نيويورك تايمز الأمريكية من خلال مراسلها في مصر “دايفيد كيركباتريك” بنشره على صفحاتها، علمًا بأن تقرير نيويورك تايمز تناول فيه ردود فعل خطاب الرئيس السيسي الشهر الماضي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وكعادة جريدة الأهرام “الغَراء” في التركيز على الجانب الإيجابي فقط لصورة الرئيس السيسي، قامت بتحريف مضمون تقرير النيويورك تايمز ليبدو أن الرأي العام الأمريكي وأيضًا العالمي يشيد بالرئيس المصري وشخصيته وشعبيته الجارفة وحنكته ودبلوماسيته، حتى تبدو وكأنك تريد النهوض واقفًا والقيام بأداء التحية العسكرية للرئيس بعد قراءتك لكلمات الأهرام الرنّانة!

ولكن، للأسف الشديد، يبدو أن كيركباتريك هذا يعرف اللغة العربية ويقرأ الصحف المصرية، فعندما قرأ ما كتبته الأهرام عن تقريره الأصلي، لمح تشابهًا في بعض الفقرات المترجمة عن الإنجليزية، مع الاختلاف أن كافة الكلمات العربية تصبّ على تلميع صورة الرئيس المصري والتمجيد لثورة 30 يونيو، في حين أن الكلمات الإنجليزية المقابلة إما تنتقد الرئيس السيسي وحاشيته أو تتهكّم على الإعلام المصري ودوره بعد 30 يونيو!

وفي “فعل فاضح” يفوق الصورة “التعبيرية” للأهرام عام 2010 التي قامت فيها الأخيرة بالتلاعب من خلال برنامج “الفوتوشوب” لإظهار الرئيس مبارك يتقدّم زعماء العالم في حين أنه كان في الحقيقة متأخرًا عنهم في الصورة الأصلية، قامت نيويورك تايمز بترجمة تقرير الأهرام “المفبرك” من العربية إلى الإنجليزية وقارنته بنصّ تقريرها الأصلي، فما كان من كافة وسائل الإعلام العالمية أن تحدّثت عن “مهنية” و”مصداقية” الأهرام، ومن المتوقع تدريس ما حَدث على غرار الصورة التعبيرية في مناهج الصحافة بكبرى الجامعات العالمية بمادة دراسية بعنوان: “الصحافة الجيدة وصحافة الأهرام: دروس مكتسبة من واقع الصحافة المصرية”!

ولم يَنته الموقف “المجيد” للأهرام عند هذا الحَد، بل قامت بالاعتذار عما بدر منها من خطأ مهني فادح على موقعها باللغة الإنجليزية، في حين قامت في النسخة الورقية اليومية باللغة العربية يوم الجمعة 17 أكتوبر بالإشادة بـ “مصداقية الأهرام” ومحاولة كَشف “الحقيقة الغائبة” وراء ما حَدث، ملقية باللوم على ترجمة وكالة أنباء الشرق الأوسط لمضمون التقرير الأصلي، وأن ما فعلته الأهرام كان “عن غير عَمد”، وأن هناك العديد من المواقع والصحف الإلكترونية الأخرى قد نَقلت بدورها عن ترجمة وكالة أنباء الشرق الأوسط غير الأمينة، ولكن مراسل جريدة نيويورك تايمز المعروف عنه “مواقفه الرافضة لما جرى في مصر منذ ثورة 30 يونيو” حاول تجسيد أن ما حدث كان خطأً متعمّدًا من الأهرام لتلميع صورة السيسي، وهو ما لم يَحدث، وفقًا لبيان الأهرام!

العجيب أن وكالة أنباء الشرق الوسط قامت بالردّ على “مزاعم” جريدة الأهرام وتلك التُهم الملقاة عليها، بالقول: “تُبدى الوكالة أسفها واستنكارها لمحاولات الزج باسمها فى هذا الموضوع، لتؤكد من جديد مطالبتها لجميع مشتركيها وعلى رأسهم الأهرام بمراعاة أبسط القواعد المهنية بوضع اسم الوكالة على التقارير والأخبار الصادرة عن الوكالة، والتى يتم استخدامها من جانب المشتركين بدلًا من توجيه الاتهامات جزافًا إليها”. ولترجمة هذه الفقرة لغير المتخصّص في شؤون الإعلام والصحافة، فإن جريدة الأهرام استقت مصدرًا لها وهو وكالة أنباء الشرق الأوسط، ولكنها لم تَذكر هذا المصدر في مَتن تقريرها، وأن بالفعل الأمانة الصحفية تُحتّم ذكر المصدر أيًا كان. وهو يَعني أن الأهرام سارعت باتهام وكالة أنباء الشرق الأوسط بعدم المهنية، في حين أن ما فعلته أولًا يُعد سرقة في عالم الصحافة وعدم مهنية أيضًا!

ويبدو أن جريدة الأهرام لم تدرك أن القارئ لم يَعد غافلًا عن الحقيقة؛ فهو يَعرف جيدًا أن جريدة بحجم الأهرام من المؤكّد لديها مَن يعرف الإنجليزية، وكان يجب عليها أن تتأكّد من مقارنة النص الأصلي بذلك المُترجَم، وفي حال وجود اختلاف، يتم على الفور استبعاد النسخة المترجمة والقيام بترجمة أخرى صحفية لمضمون التقرير الأصلي، اللهم إلا إذا خلت مؤسّسة الأهرام العريقة من وجود صحفي بها مُلّم باللغة الإنجليزية وشؤون الترجمة، عندها كل ما على تلك المؤسّسة “المرموقة” أن تَنشر إعلانًا عن وظيفة مترجم صحفي، عندها ستتلقّى الآلاف من الطلبات من أشخاص مؤهّلين للقيام بتلك الوظيفة، وربما يكن منهم “كيركباتريك” نفسه، وهو الأجدر الحقيقة بهذه الوظيفة فهو أثبت أنه يعرف العربية والإنجليزية أكثر من كثير من صحفيي ومسؤولي الأهرام، فقط يجب إغراؤه ماليًا حتى يَترك النيويورك تايمز، وأعتقد أنها ليست بالمهمة المستحيلة لجريدة تَدفع أكثر من مليون جنيه شهريًا لرئيس مجلس إدارتها!

 

وما يَشيب له الولدان بحق، أن جريدة الأهرام تحديدًا التي تتحدّث عن المهنية والمعايير الصحفية العالية والأمانة الصحفية وعدم وجود ما يُسمّى بإملاءات تفرض عليها من السلطة الحاكمة، يَعرف مسؤوليها جيدًا أن لها سجلّ حافل يمتد لأكثر من 50 عامًا يتعلّق بالمحاباة للنُظم الحاكمة على حساب الشعارات الرنّانة التي ذكرتها ولا تلبث تذكرها في كل مناسبة؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، أثبتت العديد من الدراسات أن جريدة الأهرام منحازة بشكل كبير للحكومة والنظام الحاكم في تغطيتها الإخبارية، منها دراسة قمت بها بنفسي إبان ثورة 25 يناير للتغطية الصحفية في هذه الأيام على أربع جرائد وهي: الأهرام والمصري اليوم والتليجراف (البريطانية) وواشنطن بوست (الأمريكية)، لتحليل النصوص الخبرية ومواد الرأي، وكانت نتائج هذه الدراسة تُشير إلى أن جريدة الأهرام كانت أبعد ما يكون عن المهنية والالتزام بميثاق الشرف الصحفي، بين الجرائد الأربعة محلّ الدراسة!

وازداد الأمر بشكل واضح بعد ثورة 30 يونيو؛ ففي أغسطس 2013، نَشرت الأهرام على صفحتها الأولى قصّة كتبها رئيس التحرير يتهم فيه المرشد العام للإخوان المسلمين بالتعاون مع السفيرة الأمريكية “آن باترسون” للإطاحة بالحكومة، علمًا بأن جزء من الخطة كان يتمثّل في إدخال بعض المسلّحين الفلسطينيين من غزة إلى مصر، دون سند أو مصدر واضح تعتمد عليه قصة الأهرام، الأمر الذي دعى “باترسون” وقتذاك إلى الردّ بخطاب نشره موقع السفارة الأمريكية بالقاهرة، جاء فيه: “زعم مقالك أنني قمت شخصيًا بالتورط في مؤامرة لزعزعة استقرار مصر وهو اتهام سخيف وخطير… فهذا المقال لا يُعد صحافة سيئة فحسب، وإنما لا يمكن إدراجه على أنه صحافة من الأساس؛ فهو خيال غرضه تضليل الرأي العام المصري عن عَمد.”!

وكمّ الأخبار المنحازة التي تقوم الأهرام وباقي الصحف القومية التي يموّلها الشعب المصري ذاته، عن عَمد بنشرها لا تُعدّ ولا تُحصى، ولكن الأغرب من هذا وذاك، ذلك الدفاع المستميت من مسؤوليها وكبار محرريها عن توجّهات الجريدة ونزاهتها وأمانتها ومهنيتها،…ألخ.

حقًا، نحن في زمن المسخ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد