انتبه، أمامك مفترق طرق، خفّف سرعتك قليلًا.

ربّما تجد هذه اللافتة ماثلةً أمامك على رصيف إحدى الطرقات، تحثّك على خفض سرعتك الجنونية عندما توشك على تغيير اتجاهك، والانعطاف نحو طريقٍ آخر مختلف، بنهايةٍ مختلفةٍ غالبًا. تلك اللوحة المعدنيّة ذات التصميم البدائيّ التي تحمل على عاتقها كبح جماح جنون السائقين والحفاظ على حيواتهم يومًا بعد يوم دون كلل أو ملل تبدو للوهلة الأولى ذات قيمةٍ متدنيّة، إلا أنّ إمعان النظر فيها، وتخيّل عواقب فقدانها يعد مؤشرًا على أهمّيتها البالغة ووظيفتها المفصلية في سلامتنا نحن البشر.

وعلى ذلك قس:

من يكبح جماح ذواتنا ويخفض سرعاتنا الجنونية في هذه الحياة؟

أما من لافتةٍ تنبّهنا إلى وجود مفترقات طرق قادمة أمامنا تحدّد من سنكون مع مرور الزمن؟

هل من لافتةٍ تحذرنا عندما نكون قاب قوسين أو أدنى من بلوغ منعطفنا التالي؛ حتى يتسنى لنا التفكير مليًا في خيارتنا عنده، قبل أن ندير عجلة قراراتنا يمينًا أو يسارًا بزاويةٍ قد تغيّر مسار حياتنا كاملًا؟

أما من تحذير يهزّنا لنستيقظ من سباتنا أصلًا كي ننتبه إلى مفترقات حياتنا؛ وبالتالي ننتبه إلى وجود «خياراتٍ» متعددة فيها، نخرج بها من فلسفة الإنسان المسيّر إلى إنسان مخير واعٍ لما سيختار، ومستعد لتحمّل نتائج خياراته.

والجواب «لا». لن تتواجد هذه اللافتة السحرية، ولن تظهر فجأة من العدم حتمًا لتخبرنا بإجابات كلّ هذه الأسئلة، ولن نراها قائمةً أمامنا تشير إلى أهمية قرارنا القادم؛ لكن هناك البديل حتمًا.

في كلّ منعطفٍ من حياتنا ثمّة «قرار»، وفي طيّاته «عدّة خيارتٍ» نريد أن نفاضل فيما بينها. كلّ خيار منها يقودنا بدوره إلى نتيجة مستقلّة عن غيره من الخيارات، أحدها صواب والبقيّة خطأ، أو دعنا نقول أحدها يلائمنا ولا حاجة لنا فيما تبقى، كاختيار التخصص الجامعيّ مثلًا، نجد أنفسنا في تخصص معيّن ولا تلائمنا باقي التخصصات وإن كانت متاحة.

والبديل عن تلك اللافتة هو وصفة سحرية قادرة على إدارة مركبة حياتنا بذكاءٍ منقطع النظير، وتحديدًا إدارة اتخاذنا لقراراتنا المصيريّة؛ إذ لا نعرف في مجتمعاتنا سوى ثلاثة قرارات ونقاط تحوّل «واضحة»، ألا وهي اختيار التصنيف المدرسيّ –الثانوية-، واختيار التخصص الجامعيّ، واختيار شريك الحياة الدائم، ويظنّ الجميع أنها المنعطفات الوحيدة «بالغة الخطورة» في حياتنا في حين أنها الأسهل والأوضح.

نعم، المنعطفات المخيفة عند القيادة لا تكون واضحة للعيان، وينطبق الأمر على حياتنا أيضًا فتجدها في القرارات المفاجئة والمصيرية في آن واحد، أو في بعض الإشارات التي تصلنا على حين غفلة منّا فلا نلقي لها بالًا أو نتغافل عنها، كعيوب مفصلية بدت لفتاة في فترة خطبتها وتغافلت عنها؛ فذاقت الويلات مع شريك حياتها بعد أن عرفته جيدًا بعد فوات الأوان، أو كندوة عن اختيار التخصص الجامعيّ غاب عنها ذلك الشاب متكاسلًا ليغرق في تخصص لا يكنّ له حبًّا، ولن يستطيع معه صبرًا، هي ذاتها جملة طائشة في مكان عام ترددت على مسامع أحدهم ولامست حلّ مشكلة تقضّ مضجعه؛ فدخلت أذنه اليمنى وخرجت من اليسرى.

كلّها رسائل تحمل في طيّاتها معنى العدل الإلهيّ على إطلاقه، والذي يقتضي أن يعطيك درسًا ثم يختبرك به، ولن يختبرك قبل أن يمنحك ما يلزمك من أدوات لتخطي الاختبار.

وبالعودة إلى وصفتنا السحرية، وأدوات اختبارنا القادم، قليل من الصبر والتأني قبل اتخاذ أيّ قرار، كثير من التفكير الموجه توجيهًا صحيحًا، ولا بأس ببعض المشورة –التي تأخذها لتعينك على اتخاذ القرار لا لتتخذه عوضًا عنك– وفقط.

فقط! نعم فقط، على بساطة هذه المكونات، لا عجب أنّها السبيل الوحيد لجعلنا نتمتّع بالمرونة اللازمة للتجاوب مع منعطفات حياتنا واحدًا تلو الآخر، دون أن ننسى المكون الأهمّ –وفيه يكمن السرّ فعلًا– إنها الشجاعة يا صديق، تزوّد بها، بالكثير منها، ستحتاجها بقوة لتواجه عنف الحياة واصطداماتها المتتالية دون سقوط.

أما عنّي:

فنجان قهوة كان هذا هو المنعطف الأعظم في حياتي، بعد رحيل والدي مبكرًا عن هذه الحياة.

تخّيلوا، فنجان قهوة زهيد الثمن دعوت صديقًا قديمًا لاحتسائه عندما كان في زيارة مجاورة لنا ولجمال «رزق القدر»، دعاني ذلك الصديق لأول عمل تطوعيّ في حياتي، ترددت كعادتي قبل الموافقة، ولم أكن أعلم حينها أنّي مقبل على أعنف منعطفات حياتي وأجملها على الإطلاق. توالت الأحداث بانسيابٍ غير مسبوق، العمل التطوعيّ يقودني لأجد ذاتي –بكل ما تحمله الكلمة من معنى– في فترة قصيرة للغاية كأنّي زرعت في تربة وأنبتتني مرة أخرى، ليقودني العمل التطوعيّ بعدها لمؤتمرٍ للحديث أمام العامة، وذلك المؤتمر يقودني بطريقة ما لمنصة مدونات الجزيرة على حين غفلة منّي، ودون تخطيط مسبق، ولا أدري إلى أين ستقودني هي بدورها، أو تقودكم أنتم فربّما تكون هذه الحروف بمثابة منعطفات لبعضكم، تذكي في ذواتكم شرارة فكرة قد تغيّر حياتكم تمامًا. قد تكون «فنجان القهوة» الخاص بكم.

وتذكر دومًا عزيزي القارئ أنّك لست ضوءًا، ربّما تنير الطريق للكثير من حولك وتكون ملهمًا لكنّك لست ضوءًا أبدًا. الضوء وحده من يسير مستقيمًا، احذر أن توغل في طريقك عند اكتشافك أنه خاطئ بدعوى «سيجعل الله من هذا مخرجًا»، خذ أول مخرج تقابله وعد إلى نقطة الصفر بإرادتك قبل أن تعود لها سقوطًا، اختر مجددًا، وصل متأخرًا، أن تصل متأخرًا إلى ما تريد خير من الوصول باكرًا إلى مكان لا تنتمي له، إلى مكانٍ ستكون به «عاديًّا».

ركّز في منعطفاتك مليًّا، اضبط سرعتك لتسبق من حولك وتدرك منعطفاتك في آن واحد. أكررها مرة أخرى تحلّ بالشجاعة يا صديق، لا مكان للجبناء في هذه الحياة.

خذ قرارك منفردًا بذاتك ولذاتك متحررًا من كلّ الضغوط، ثق بذاتك مليًّا، وثق بأنّ سقوطك سيضاعف من قوتك، انفض عنك غبار منعطفاتك السابقة وخياراتك الخاطئة، واربط أحزمتك تأهبًا لــ«المنعطف القادم» وتعامل معه وكأنه «الأخير».

ابحث عن الإبرة في كوم القشّ، جد في إخفاقك إشارة لنجاح سيتبعه في الرسوب، الإفلاس، الخسارة، الوفاة… في كلّ اصطدام عنيف في حياتك، جد إشارة لمنعطف عظيم سيقودك إلى النور في نهاية النفق، إلى ذاتك التي تنتظر اكتشافها، فما الحياة إلا بضعة أيام وقرارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد