لكل منا نزعاته القومية، وهوية يعتز بها ويحافظ عليها، لكن بعيدًا عن دغدغة العواطف والمشاعر، وبعيدًا عن الشعارات الطوباوية غير القابلة للتطبيق، هناك وقائع وحقائق تجعلنا نتطرق لفكرة مهمة بعين مجردة وفكر موضوعي، ربما تآكلت هذه الفكرة مع مرور الزمان، لكنها ما زالت حاضرة بشكل غير مباشر في كل أقوالنا وأحلامنا.

في كل مناطق العالم هناك بلدان وتكتلات تعاني من الاضطهاد والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية المعقدة، لكن تختلف نوعية الاضطهاد في كل تلك البلدان عن نوعية الاضطهاد والنكبة الذي نعيشهما في الوطن العربي، فمشاكل الفقر مثلًا التي تعاني منها دول أمريكا الجنوبية وبعض دول أفريقيا وآسيا نتيجة أسباب أغلبها داخلية، على عكس مشاكل العالم العربي من مغربه إلى مشرقه، الذي كان دائمًا محط أنظار كل قوة توسعية في العالم، بدءًا من التوسع الفارسي قبل الميلاد، مرورًا بالاحتلال الغربي، إلى الاحتلال المتعدد الأنواع الذي نعيش تحته الآن، وذلك لما تملكه المنطقة من خيرات وثروات، دون نسيان موقعها الجغرافي المهم، فبالمعطيات التاريخية والمعاصرة، المنطقة العربية أكثر تعرضًا للاستعمارات والتوسعات الإمبريالية على عكس باقي مناطق العالم التي لم تعان من المشكل ذاته، وحتى إذا كانت قد تم احتلالها من قبل فلم تكن بالشكل والحدة نفسيهما.

في موضوع التسمية ومصطلح «الوحدة العربية»، قد ينزعج البعض من هذا الاسم ويصفه بالعنصري، وقد يتهم صاحبه بطمس هوية الآخرين، وغيرها من التهم دون أن يتعرف إلى الأسباب من ورائه، بداية لا يمكن لأحدنا أن ينكر وجود قوميات أخرى تتقاسم معنا المنطقة، لكن بلغة الأرقام هي ليست أكثرية في المنطقة من العراق شرقًا إلى المغرب غربًا، حتى المناطق الذي تم «تعريبها» كما يدعي البعض، تم ذلك في مرحلة تاريخية كانت تعرف بالهجرة المفتوحة بين البلدان، وكانت فترة مليئة بالغزوات والتفاعلات بين مختلف القوميات، فلم يكن شيء ثابثًا، بل كانت مرحلة انتقالية ومفصلية في تاريخ المنطقة، تشكلت فيها عدة وقائع نراها الآن؛ لذلك فالوضع الديمغرافي الذي نراه الآن هو نتيجة مرحلة تاريخية اشتهرت بالهجرة والحروب والتنقل الحر في كل أنحاء العالم. فمن يدعي أن الأرض كانت له قبل مجيء العرب، عليه أن يدرك أن حتى هو قبل مجيئه إليها كانت لأحد ما، وقبل ذلك الأحد كانت أرض الله، فالتاريخ بطبعه يتغير وينتج لنا وقائع جديدة حسب الظروف والتفاعلات.

في موضوع الاستهداف الغربي أو الإمبريالي بصفة عامة للمنطقة، فهو استهداف للعرب والأكراد والأمازيغ وكل القوميات؛ لأنه استهداف مبني على أساس جغرافي، وعلى أساس الثرواث التي تملكها المنطقة، وليس على أساس عرقي أو طائفي، فذلك الهيكل الاستعماري لا تهمه لغتك وقوميتك، بقدر ما تهمه المصالح التي جاء من أجلها لأرضك، فعندما ننادي بالوحدة فنقصد وحدة كل قوميات المنطقة تحت سقف واحد، لصد ذلك المد التوسعي الذي نعاني منه، وهذا جواب على من يصف الفكرة بـ«العنصرية والإقصائية»، قد يسألني سائل: كيف سيتم توحيد كل شعوب المنطقة العربية وهم لا يملكون الثقافة الواحدة، ولا يفكرون بالطريقة نفسها؟ وإجابتي: قد نجد في البلد الواحد تعددية ثقافية، فسكان الأرياف لا يفكرون بطريقة سكان المدن نفسها، وقد يكون الفرق شاسعًا أحيانًا، هل هذا يمنعهم من العيش تحت سقف وطن واحد؟ وقد يقول لي قائل: ومنذ متى كان المغرب مثلًا بلدًا عربيًّا؟ ولماذا سندخل تحت سقف العروبة ونحن لسنا عربًا؟ فأجيبه بسؤال: وهل يمكنك فصل المغرب عن محيطه العربي؟ فتسمية الوحدة «العربية» لا يعني طمس الهويات الأخرى، فكم من دولة تنتمي لأوروبا جغرافيًّا ولا تنتمي للاتحاد الأوروبي، وهناك دول لا تنتمي لأوروبا جغرافيًّا لكنها قد تنتمي للاتحاد المشترك، فهل ذلك يعني طمس هويتهم؟ فمن يحمل هوية ما ويعتز بها، لا ينتظر الاعتراف بها من طرف الآخرين إذا كان صاحبها يعترف بها. وقد يسأل آخر، كيف ستتوحد الدول العربية في اتحاد واحد وهي ليست من المستوى الاقتصادي نفسه؟ فأجيب: وهل نجد في الوطن الواحد كل المناطق تعيش في المستوى نفسه؟ وهل في الاتحاد الأوروبي مستوى ألمانيا هو مستوى بلغاريا أو كرواتيا؟ فهل ذلك منعهم من تشكيل الوحدة؟

فإذا كانت أوروبا لا تعاني من القوى التوسعية ومع ذلك شكلت كيانًا واحدًا، فماذا على العرب أن يفعلون؟ الذي يعانون من التمدد الإيراني من جهة، والنفوذ الأمريكي من جهة، والتوسع الروسي الجديد من جهة، والكيان الإسرائيلي الغاصب من جهة، ألا يقتضي ذلك تشكيل محور موحد من المحيط إلى الخليج لبتر هذه الأيادي من منطقتنا، والخروج من نكبتنا التي نحن عالقون فيها؟ هذا الكلام لن يغير في المعادلة شيئًا، لكن إذا لم تع شعوب المنطقة الخطر القادم إليها، بعد 100 سنة سنكتب المجدلات بعنوان «يومًا ما كان لدينا وطن»، فمن الآن أصبحنا نرى صور الخميني في شوارع بيروت، واللطميات في المسجد الأموي في دمشق، وأمريكا تتعامل مع دول الخليج كأنهم ولاية أمريكية رقم 51، والقادم سيكون أسوأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد