من التباسات العملية الانتخابية في البلاد، هي الشعارات المشتركة الأهداف لكل القوى السياسية والكيانات المشاركة في الانتخابات، والتي يجري تسويقها إعلاميًا بصورة فضفاضة عامة، حتى تختلط على المشاهد والسامع والرائي الأولويات مع الثانويات، وتضيع الأهداف، غير المرسومة أصلًا، في لجّة الجمل الفضفاضة المؤدية إلى سراب كلما توقعت أنه أصبح قريبًا منك حتى تكتشف بأنه يبتعد مرّة ثانية وبنفس المسافة!

وللإنصاف فإن الخطاب الذي ألقاه الأستاذ أسامة النجيفي في مؤتمر تحالف العراقي الذي عقد في بغداد مؤخرًا، قد قدم فيه برنامجًا للمرحلة القادمة التي يتبنى أهدافها مجموعة الأحزاب المشاركة في التحالف وفي مقدمتها حزب المشروع العربي في العراق وأمينه العام الشيخ خميس الخنجر، والذي يشكل العمود الفقري للتحالف، والذي كان إلى وقت قريب في خانة الخطوط الحمر بالنسبة للكتل السياسية الشيعية، رغم أن الكثير من قياداتهم كانوا يحلّون ضيوفًا عليه خارج العراق، وبعضهم اعترف علنًا (كان رجلًا كريمًا) ولا حاجة لتوضيح أكثر!

قدم النجيفي برنامجًا واضحا عن الأولويات التي تمثلت بحل إشكالية وكارثة النازحين المليونية، عودةً وتعويضًا، كي يمارسوا حياتهم الطبيعية كمواطنين عراقيين من الدرجة الأولى.

وحقيقة على أرضية هذه الأولوية وحلّها تنشأ مخرجات تحقيق الأهداف الأخرى، فما قيمة وطن يعاني الملايين منه من النزوح القسري والهجرة الاختيارية خارج البلاد وتغيير التشكيل الجيو سياسي للبلاد داخليًا، والذي خلق إشكالات بنيوية تأثر بها المجتمع العراقي أفقيًا وعموديًا، أي إن الانقسام السياسي القائم إلى حد كبير على أسس طائفية قد امتد إلى عمق الجسد المجتمعي العراقي، وهذه قضية تحتاج الى حلول جذرية قبل التوجه إلى غيرها من الإشكالات، يقول الشيخ خميس الخنجر في لقاء صحافي عام 2016 حول هذا الموضوع تحديدًا: أنا أعتقد أنه مازالت هناك فرصة من أجل بناء عراق قوي متماسك ومداواة الجراح التي حدثت في العراق، الشعب العراقي بكل مكوناته شعب طيب وكريم ومستعد لأن يتناسى الجراحات وفي مرحلة ما بعد (داعش) نستطيع أن نرمي الكثير من الأخطاء على هذه المرحلة ونستطيع جمع الشعب العراقي مرّة أخرى على أهداف مشتركة.

كيف يمكن الحديث عن العدالة الاجتماعية في الوقت الذي مايزال فيه عراقيون يعيشون في العراء تحت رحمة خيم بائسة تسلخ جلودهم صيفًا وتعجز عن حمايتهم من أمطار وبرد الشتاء!

كيف يمكن الحديث عن اللحمة العرقية مازال أهالي جرف الصخر مشتتون خارج بيوتهم ومناطقهم ولا يسمح لهم بالعودة!

كيف يمكن الحديث عن عدالة وإنصاف بوجود آلاف المغيبين في أماكن مجهولة لا يعرفها إلا الخاطفون أنفسهم وأولو العلم من غيرهم!

تلك هي القضية ومنها تنطلق مرحلة الاصلاح والتغيير والمصالحة المجتمعية وكل بنود وحيثيات البرامج السياسية أو الانتخابية الأخرى سمها ماشئت!

مشكلات حقيقية يتوجب على الجميع وضعها في أولويات برامجها إذا كانت تريد السير في درب السلامة، وليس دروب الندامة التي جرّبنا مهازلها وكوارثها معًا!

رؤية العراق القادم كما جاء في خطاب أسامة النجيفي وتصريح خميس الخنجر، تكون انطلاقتها الحقيقية هي في حل كارثة النازحين والمهاجرين والمغيّبين، من هنا ينبغي أن تكون البداية، وفي غير ذلك لن تكون البرامج السياسية أو الانتخابية إلا حبرًا على ورق، برؤية حسن النية، وكذبًا وخداعًا، برؤية الحقيقة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد