تعيش حركة النهضة التونسية هذه الأيام نقاشًا داخليًّا حول الموقف من الرئاسيات، ومن المنتظر أن يعلن غدًا الثلاثاء عن موقف مجلس شورى الحزب من هذا الموضوع.

يعرف الحزب بعد وفاة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، بعد إعلان الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الرزنامة الجديدة للانتخابات، والتي تقدمت بموجبها الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها عن موعد الانتخابات التشريعية؛ إذ ثبت موعد 15 سبتمبر (أيلول) 2019 موعدًا جديدًا للدور الأول للانتخابات الرئاسية، في حين حافظت الهيئة على تاريخ 6 أكتوبر (تشرين الأول) موعدًا للانتخابات الرئاسية.

خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2014، اتخذت حركة النهضة موقف الحياد، ولم تلتزم النهضة الرسمية بدعم أي مرشح، أعاد النهضويون حينها ذلك إلى الوضع الإقليمي، ورفض القوى الدولية لترشيح نهضوي لرئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى غياب مرشح نهضوي قادر على الفوز حينها.

اشتغلت النهضة في الفترة الممتدة بين 2014 و2019، باعتماد ما سمته الدبلوماسية الشعبية، على طمأنة الرأي العام الدولي والوطني، وأجرت العديد من المراجعات التي من شأنها أن ترفع حفيظة البعض حولها، وتزيل بعضًا من اللبس عند آخرين، وقد نجحت إلى حد ما في ذلك، ورغم ذلك لم يتمكن رئيس النهضة، مرشحها الطبيعي للرئاسية حسب القانون الأساسي للحزب، من الحصول على قبول التونسيين مرشحًا للرئاسة، رغم ما يحظى به من احترام لدى فئة واسعة من النخب وعموم الشعب.

اختار الأستاذ الغنوشي المراهنة على التشريعية، وترشح رئيسًا لقائمة النهضة في دائرة تونس 1، فكان واضحًا أن النهضة ستراهن على رئاسة البرلمان بصفتها السلطة الأصلية، مقابل عدم المراهنة على منصب رئيس الجمهورية، رغم عدم إعلانها لذلك.

عدلت الرزنامة الجديدة، وما عاينه جملة من قيادات النهضة، من بروز اسم الشيخ عبد الفتاح مورو في الاستراتيجية الانتخابية عند بعضهم، لتطرح على مجلس شورى النهضة في دورته الاستثنائية المنعقدة بتاريخ 3 أغسطس (آب) 2019 فكرة ترشيح النهضة لشخصية الشيخ عبد الفتاح مورو.

من هو عبد الفتاح مورو؟

يعد الشيخ عبد الفتاح مورو الرئيس الحالي للبرلمان التونسي، ونائب رئيس حركة النهضة من مؤسسي الجماعة الإسلامية في نهاية الستينات التي تحولت من بعد إلى حركة الاتجاه الإسلامي، ثم حركة النهضة حاليًا، وهو من مواليد 1 يونيو (حزيران) 1948 بتونس العاصمة، عمل الأستاذ مورو قاضيًا فترة السبعينات، ثم التحق بمهنة المحاماة، إذ يعد اليوم من أبرز شيوخ المهنة في البلاد.

يعرف عبد الفتاح مورو بثقافته الموسوعية وقدرته الخطابية العالية، بالإضافة إلى روحه المرحة، وتطبعه بالشخصية التونسية التقليدية.

تمكن الأستاذ مورو خلال مرحلة توليه نيابة رئيس البرلمان من فرض الاحترام على أغلب نواب المجلس، كما نجح في البروز كرجل دولة يحترم القانون والمؤسسات؛ مما بوأه للحصول على ثقة عدد من التونسيين ليكون مرشحهم المفضل لموقع رئاسة الجمهورية.

عرفت علاقة الشيخ عبد الفتاح مورو وحركة النهضة مدًا وجزرًا منذ التسعينات، إذ استقال منها سابقًا، وتقدم لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي سنة 2011 مستقلًا، ليعود إلى النهضة خلال مؤتمرها التاسع سنة 2012.

هل ترشح النهضة من داخلها؟

يدفع عدد من أعضاء مجلس شورى حركة النهضة إلى ترشيح نهضوي لرئاسة الجمهورية، وهو الرأي الأغلب عند النهضويين، ويجمع أغلبهم على الأستاذ عبد الفتاح مورو مرشحًا لهم لهذا المنصب.

حجة الدافعين إلى الترشيح من داخل القيادات النهضوية يمكن تلخيصها حسب تصريح حمدي الزواري، عضو لجنة السياسات بمجلس شورى حركة النهضة، لموقع ساسة بوست في «انعكاسات ديناميكية الانتخابات الرئاسية ونتائجها ستكون مباشرة ومحددة على الانتخابات التشريعية، وأن عدم وجود مرشح نهضوي في الانتخابات الرئاسية سيغيب الحركة عن المشهد، وسيجعل رصيدها الانتخابي مشتتًا بين مترشحين قريبين من الدائرة المحافظة، أو تاريخيًّا من النهضة»، وقد أضاف الزواري بأن «ما حصل من تجاوب إيجابي من قبل التونسيين مع فكرة ترشح الشيخ عبد الفتاح مورو حفز غالبية من القيادات النهضوية في مختلف هياكلها المركزية والمحلية، على إمكانية المراهنة عليه في السباق الرئاسي».

ما يعوز إمكانية تحقيق ترشيح الشيخ مورو لأهدافه المعلنة هو ما ذكرناه سابقًا في علاقته غير المستقرة بالجسم النهضوي، وهو ما يمكن تجاوزه بقليل من الجهد من قبل القيادات النهضوية إن رأت مصلحة في ذلك.

المكتب التنفيذي حاسم في الترشيح من الخارج

صرح الدكتور رفيق عبد السلام عضو المكتب التنفيذي لحركة النهضة بأن التنفيذي حسم لصالح مرشح من الخارج، أي إن النهضة، إذا تمكن التنفيذي من إقناع مجلس الشورى بفكرة الترشيح من الخارج، سيبحث عن شخصية توافقية لدعمها في سباق الانتخابات الرئاسية، قد يكون موقف المكتب التنفيذي للحركة مبنيًّا على تخوفات قديمة، قد تجد في الوقت الراهن ما يدعمها، وهي أساسًا رفض القوى الفاعلة لمرشح إسلامي في منصب رئاسة الجمهورية، وقد تكون التخوفات مردها الحرص على مواصلة سياسة التوافق في توزيع السلطة بين شركاء المرحلة القادمة، إذ يمنع هذا التوجه مراهنة النهضة على الحكومة والبرلمان، وكذلك رئاسة الجمهورية، بما سيعيد فزاعة التغول إلى المشهد.

من مبررات الداعين إلى عدم مراهنة النهضة على موقع الرئاسة أيضًا، هو ما يمثله هذا المنصب من رمزية وعدم أهمية في الدستور التونسي، الذي يركز أغلب الصلاحيات في البرلمان ورئاسة الحكومة.

الملاحظ هنا، ومن خلال تعميق النظر في الأسماء المترشحة، الذي بلغ عددها 18 مترشحًا إلى اليوم، هو غياب اسم يمكن أن يكون محل إجماع من قبل القاعدة النهضوية، ويمكن بناء توافق معه يحقق الاستقرار على مستوى الحكم.

تبقى النهضة الحزب الأهم في تونس، وتبقى تونس في حاجة إلى مزيد ترسيخ مقومات العملية الديمقراطية، ولعل من أبرز هذه المقومات تحقيق السيادة الوطنية. مهما كان موقف النهضة من الانتخابات الرئاسية، فإن عدم مشاركة حزب بمكانة النهضة في تونس في محطة انتخابية تعد مفصلية من تاريخ البلاد، بسبب تعارض ذلك مع رغبة قوى دولية، يبقى نقيصة من نقائص مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد.

عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية سيكون له انعكاسات سلبية على نتائج الانتخابات التشريعية، بما سيجعلها في موقع ضعف في توافقات تشكيل المشهد السياسي بعد الانتخابات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد