في مراجعة ما حدث، لو فرضنا أن هناك ثورة مرتقبة خلال السنوات الخمسة القادمة، وأن أزمة ما ستحدث وسينهار النظام، فما العمل حينها؟ هل نعود لنكرر ما فعلناه مرة أخرى على أمل الخروج بنتائج جديدة؟ أظن أنه حان الوقت لمراجعة ما حدث وتحليله، والخروج بمجموعة من القواعد الحاكمة للحالة المصرية.

التمهيد
يعتبر إضراب عمال المحلة والدعوة لإضراب 6 إبريل 2008 هو بداية التحركات الثورية -إن جاز وصفها بالثورية- مقارنة بالدعوات الأُخرى التي كانت تطلب من السلطة ولا تعارضها أو تهاجمها فتحول الشعار من (عايزأشتغل يا كبير) إلى (ارحل ارحل يا مبارك). تصاعدت حدة الأحداث في ذلك اليوم من عنف وفوضى وقتل مدنيين من قِبل قوات الأمن، تلى ذلك عديد من الوقفات والمسيرات والتظاهرات البسيطة من النشطاء والمدونين وأفراد مستقلين ومجموعات صغيرة من المجتمع لها مطالب فئوية، وتركزت التحركات والوقفات على سلم نقابة الصحفيين ودار القضاء العالي ومجلس الوزراء ومجلس الشعب.

وعلى الجانب الآخر كان هناك صراع سياسي بين الإخوان والحزب الوطني الديمقراطي في النقابات وانتخابات مجلس الشعب، وظهرت حركات تتبنى مواقف أكثر ثورية مثل حركة شباب 6 إبريل وحركة كفاية. وكان للإعلام مساحة كبيرة نسبيًّا من الحرية في النقد وتوجيه اللوم والاتهامات، ولكن وجب التوقف عند رأس النظام وبعض الشخصيات المهمة الأخرى. وأخيرًا ظهور صفحة (كلنا خالد سعيد) وخطابها المميز الأقل ثورية، قام وائل غنيم من خلالها بخفض سقف المطالب لتوسيع الشريحة المتفاعلة وتعميم الشعارات مثل (عيش، حرية، عدالة اجتماعية)، وقلل حدة الخطاب لتشمل وتستوعب أكبر عدد ممكن من جيل الشباب الراغب في التغيير.

 

الحدث
بمراجعة كل ذلك وبعيدًا عن ثورة تونس نجد أنه لا يوجد سمة للثورية بمعناها الحقيقي أو أي تخطيط لحدث ثوري كبير يهز أركان النظام ويسعى لإسقاطه وبناء نظام جديد كهدف محدد لا يخضع للظروف ولا ينتظر تصعيد سقف المطالب، كما حدث في بداية الثورة، فكانت البداية مطالبة بتغيير الحكومة وتبني سياسات جديدة حتى ارتفع السقف تدريجيًّا لإسقاط النظام مع تصاعد حدة الأحداث، فلا يمكننا وصف هذا بثورة حقيقية، فالتجهيزات والتحركات كانت وليدة اللحظة (العاطفية) وتم استغلال ما حدث في تونس كعامل مشجع للتحركات. لماذا لا نقوم بثورة في شهر؟!

 

فتم حشد وإلهام الجماهير واستغلال غضبهم من النظام وبخطة مثل (كرة الثلج) استطاعت المسيرات الخروج عن المساحة التي حددها لها النظام، فبدلاً من سلم نقابة الصحفيين تحركت المسيرات في الشوارع وسط المجتمع وبدأ عدد أفراد المسيرة في الزيادة حتى وصلوا لكوبري قصر النيل، فكانت التحركات وسط الناس فضم عليها الناس وزاد العدد، إذن فالحدث وليد اللحظة حركته العاطفة وبعض الأهداف المشوهة بدون تخطيط سابق ورؤية متكاملة وأهداف واضحة، فلا يوجد ثورة في التاريخ الحديث للمجتمع المصري، إذا فما الذي حدث تحديدًا؟

المجتمع
الشعب المصري بطبعه محب للاستقرار، وساعد على ذلك استقرار المناخ واستقرار نمط الحياة حول وادي النيل، ومع تراكم الظلم والفساد والاستبداد وتتابع حكم الظالمين له تحول الأمر إلى واقع لا يمكن تغييره، ولا يملك أدنى تصور لوضع غيره، كان ذلك قبل ظهور الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والإعلام البديل، في ظل صمت الآباء والأجداد وتزايد الظلم والفساد والسرقة بدأ جيل الأبناء في الظهور وتشكل وعيه بعيدًا عن الجرائد القومية وثوابت جيل الآباء، نظر إلى ما وراء البحرين فوجد الديمقراطيات والتقدم العلمي والنظام المحكم في الحياة والمواطنة، ووجد رؤساء وحكومات تخضع لرقابة الشعب ومسئولة عنه ومنه، فارتفع سقف طموحاته ورفض الواقع.

 

هنا تحديدًا بدأ الصراع في المجتمع بين جيلين بينهما فجوة كبيرة. كانت الظروف تصب لصالح الجيل الطموح الراغب في التغيير، وبتخطيط بسيط جدًا لا يخلوا نجاحه من عامل الصدفة والتوفيق استطاع هذا الجيل الحشد والخروج عن المألوف في 25 يناير وتكرر الأمر في 28 يناير حتى نهاية الثورة، وهذه الفترة كان يقودها جيل الأبناء بدون قيادة قوية أو خطة تحكمها رؤية واضحة أو هدف محدد يسعى لتحقيقه،ولحسن الحظ كانت الرياح تأتي بما تشتهي سفينة هذا الجيل وسقط النظام، ولكن سقوطه لم يمنعه من إعادة بناء نفسه.

جيل الآباء
الجيل العاطفي مقدس الدولة والاستقرار صاحب آفة النسيان، يضم أغلب العوام والمنسحقين أمام الاستبداد بحكم السن وتراكم الخبرات، لديه قدرة كبيرة على تحمل الصراع الداخلي لديه بين قبح الواقع والرضا به لعدم القدرة على تغييره، ونتيجة هذا الصراع والعجز عن التغيير تظهر من خلال التبريرات وبيان مدى قلة الحيلة، يتأثر بشدة بالإعلام دائمًا، يخشى القوة إذا كانت ضده ولا يقوى على مواجهتها، وحين تأتيه الفرصة وتكون القوة في صالحه أو متفقة مع اختياراته يتصرف تلقائيًّا ناحية سحق الآخر وظلمه كرد فعل غير مقصود للاستبداد الواقع عليه من قبل، ويعمل دائمًا بمبدأ (اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش).

 

تظهر السمات السابقة في عدة مواقف نذكر منها على سبيل المثال فترة مبارك كانت درجة غضب الشعب تتناسب طرديًّا مع مساحة الحرية المتاحة للإعلام في برامج التوكشو، ثم بعد ذلك تأييده للثورة في بداية الأمر؛ حيث كانت المعبر الوحيد الحقيقي عما يدور بداخله من رفض للنظام القائم وظلمه وفساده، فكان التأييد ومع بداية تجاوب النظام وتقديمه للتنازلات وخطاب مبارك العاطفي تراجع عن تأييده للثورة استجابة للعاطفة ولحب الاستقرار ورفض المجهول فوعد مبارك بانتخابات حرة خلال ستة أشهر كان يمثل له أقصى أمانيه التغيير والاستقرار.

 

مع أول ضربة وجهها الثوار للشرطة نسي جيل الآباء ما كانت تفعله في عهد مبارك وتعاطف معها باعتبارها أحد عوامل الاستقرار، حتى لو كانت أداة لظلمه وقمعه وسرقته أيضًا، بعد انتهاء الثورة كان تأييده للمجلس العسكري ورحب بالتوافق بينه وبين الإخوان والأحزاب القديمة، فكان ذلك مرة أخرى يمثل له الاستقرار والطريق والأمل بأن يكون القادم أفضل، وكذلك ما حدث في استفتاء مارس وانتخابات مجلس الشعب والرئاسة الأولى حتى تولي السيسي للرئاسة، ونحن الآن في الطريق إلى النقطة صفر من جديد، فكان المجتمع يلتهم وجبات الاستقرار التي تقدمها له السلطة بعد فترات الفوضى والمجهول.

جيل الأبناء
كما قلنا قد رأى ما خلف البحرين فارتفع سقف طموحاته ووجد مساحة حرة للتحرك والحديث والتفكير من خلالها (الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي)، وكان له الإعلام البديل الخاص به فرأى ما يحدث داخل أقسام الشرطة ومعلومات لم يكن يظهرها الإعلام، لم يعيقه ثوابت قديمة مقدسة أو صراع داخلي أو تراكم خبرات نتيجة الاستبداد، فرفض تقبله ولم ينسحق أمام المستبد ولم يخضع للدولة، ولم يقدس الاستقرار كما قدسه الآباء.

 

جاءت الثورة وهو في طور التكوين، فلم يكن على القدر الكافي من الممارسة، والعدد لم يكن كافيًا للسيطرة على الموقف وتقسم هذا العدد الصغير لمجموعات أصغر لعدم وجود تخطيط أو نضج في التحركات أو قيادة قوية حكيمة.

 

نُسقط هذه السمات على مواقف منها على سبيل المثال بداية التحركات والحشد كان عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، ثم بعد ذلك أثناء الثورة لم تكن المطالب واضحة صريحة ولم يكن الهدف محددًا فكانت تخضع لقانون التصعيد مع الأحداث، فكان من الممكن أن ينتهي كل شيء لو سبق النظام الأحداث خطوة واحدة، لكن لحسن الحظ كانوا بالغباء الكافي لنجاح الثورة، والمساعدة في التصعيد، الموقف الثاني نتيجة عدم النضج أو الممارسة اجتمع مجموعة من الشباب ممثلي الثوار مع المجلس العسكري قبل ظهور وجهه القبيح فلم يدركوا أنه جزء أساسي من النظام وأحد مراكز القوى، وآلة الإعلام لم يكن لها تأثير فيه أثناء الثورة، وامتد هذا الأمر بعدها بعد ظهوره على حقيقته ومدافعته عن النظام في أول محاولة حقيقية لمعارضته.

 

نتيجة لعدم وجود القيادة القوية تم تصدير النخبة المثقفة على أنها الممثل عن الثورة والشباب، كانت كافة التحركات مغلقة على جيل الأبناء ولم يشترك فيها جيل الآباء، فالتحركات كانت تسعى للمجهول، وتهدف للفوضى، ولا يوجد لها رؤية محددة واضحة، ومع أول انتصار للثورة ظهر تأثير سمات جيل الأبناء على تصرفاته بشكل أوضح خلال استفتاء مارس ومجلس الشعب، أو حتى انتخابات الرئاسة، فكان دائمًا ممثلاً للفوضى وعدم وجود أهداف محددة ورؤية متكاملة، كانت فرصته قائمة طوال فترة خلو الساحة من مراكز قوى واضحة؛ فلم يكن سوى الشباب والثورة، فضاعت الثورة لعدم جاهزية الشباب، ودخلنا مبكرًا في دائرة الانتخابات، فلم يكن لا الشعب ولا الثورة ولا جيل الأبناء على استعداد لها.

مراكز القوى
يمكنك أن تقيس قوتك عن طريق قياس المسافة بينك وبين القوى القائمة، فعندما كانت القوة مع المال والسلطة كانت تقاس القوة بالقرب من رجال الأعمال والحزب الوطني الديمقراطي، وعندما كانت الثورة كان القياس عن طريق مسافتك منها، عندما ينهار مركز القوى يظهر آخر، فلا تخلو الساحة لفترة طويلة من مركز قوى، ويمكن ترتيب مراكز القوى كالتالي (طبيعة المجتمع – المال – السلطة – الثورة -جمهورية الضباط – النظام القائم).

 

من خلال هذه القاعدة يمكن تفسير بعض المواقف، مع انهيار مركز القوى القائم يبحث الجميع عن مركز قوى جديد، فبعد سقوط النظام ظهر مركز قوى جديد (الثورة) حتى هدأ الأمر قليلاً فكان مركز القوى الجديد (المجلس العسكري ممثلاً عن السلطة وجمهورية الضباط والإخوان ممثلين عن الاستقرار والرؤية الواضحة نسبيًّا واقترابهم من الثورة).

 

احترم المجلس العسكري والإعلام الثورة في فترة من الفترات حين كانت مركز قوى، ويمكن أيضًا تفسير خطابات مرسي الأخيرة (قوله: الشرطة في القلب من ثورة يناير، وآخر حركة تغيير محافظين قام بها قبل سقوطه كان بها كثير من اللواءات كان يسعى للتقرب من مركز الثابت (الدولة العميقة التي فشل في مواجهتها، جمهورية الضباط) وحين حاولوا صنع مركز قوى جديد من الإسلاميين هُزم فأدى ذلك إلى سقوطه.

راجع ما حدث من خلال هذه القاعدة حتى تصل إلى السيسي وهو آخر مركز قوى تم صناعته مؤخرًا، وسرعان ما سيهزم أمام الوضع الاقتصادي والاجتماعي الجديد ويسقط قريبًا.

 

يمكن من خلال التحليل السابق البسيط لما حدث التفكير في طرق للتعامل مع المجتمع ومراكز القوى وكيفية هزيمتها، وبناء مراكز جديدة ومعالجة الخلل ونقاط الضعف في جيل الأبناء حتى لا يفشل مرة أخرى، فالاعتراف بالخطأ ونقاط الضعف بداية تحقيق الأهداف، والنجاح لا يُقاس بمن يعطي فقط لكن لمن يستطيع التحمل حتى النهاية.

الآن استقر الأمر للجميع والوضع كالتالي، لم يعد الإخوان مركز قوة بأي شكل من الأشكال حاليًا، الدولة لم تعد كسابق عهدها من القوة المعنوية لدى المجتمع فقط تأثر الآباء بالأبناء ولم يحدث العكس، تعدد اختلاف مراكز القوى خلال السنوات السابقة أظهر نفاق جميع من يقف في المشهد الآن لتغير آرائهم ومواقفهم.

المجتمع يتغير، تأييد النظام لم يعد مطلقـًا، أنا على ثقة بأن هناك غضبًا، ورفضًا للوضع وسط الآباء، ويمكنك معرفة ذلك من خلال درجة تفاعلهم مع الأحداث، وعدد ساعات متابعتهم لمباريات الدوري والبرامج الرياضية، الجيل الجديد يزداد عددًا ومارس أكثر وزادت ثقته في مواقفه، وما زال يرفض ثوابت الآباء رغم كل ما حدث، لكنه حتى الآن يفقد الرؤية والقيادة والهدف.

 

يتشكل وعي المجتمعات من تراكم الخبرات، والخبرة المكتسبة مما حدث ليست بالقليلة، يمكنك متابعة الصفحات الساخرة وتناولها لما يحدث، وتابع التعليقات وعدد الإعجاب وتيقن أن تغييرًا ما حدث، علينا استغلاله عندما تأتي الفرصة من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد