كم منا تمنى لو أن أسطورة آلة الزمن حقيقة، فتأخذه إلى حيث يريد ويتجول بين الزمان والمكان ويرى مقاصده من جمال وحسن حال وراحة بال سمع عنها في جلسة تاريخ، أو قرأ بعض تفاصيله في كتاب لأديب أحسن الوصف والصُنع.

أما في مصر طيبة الذكر والأرض والبشر، فهناك يمتلك كل من يحيا على ترابها آلة زمن تأخذه كل عام إلى حيث يريد فيعانق كل ما يسر ويُبحر في سعادة لا حد لها ولا حدود، فتطمئن القلوب وتنتفض من الضلوع فرحا ابتهاجا من عظمة ما تراه العين في داخله.

إنها ليلة العيد التي طالما تركت في قلوبنا أثرًا منذ أن كنا أطفالًا وذكريات لا تنساها أي ذاكرة مهما زادت عليها الهموم والأعباء، فليلة العيد بمثابة عيد منفصل تمامًا عما يعقبها من أعياد الفطر والأضحى، أعود بكامل روحي إلى تفاصيل هذه الليلة من كل عام حين كنت طفلًا.

تبدأ قصة كل ليلة عيد مع تجمع أطفال الشارع بانتظار الخبر السعيد من أحد المنازل بصوت أم أو أخت منتبهة للراديو أو التلفزيون وهي تقوم بتنظيف المنزل، تُخبرنا بأن غدًا هو أول أيام عيد الفطر، وفق ما أعلنته دار الإفتاء المصرية، على أنغام أم كلثوم محتفية بقدوم الليلة التي يلتقي فيها القمر مع الشمس في سماء مصر، فينطلق كل منا إلى حيث توجد ملابسه الجديدة ويبدأ في إخراجها وشراء ما نقص وما أكثر تأجيل شراء الأحذية والجوارب إلى ليلة العيد.

وما أكثر الطلبات والأسئلة التي تتلقاها الأمهات والأخوات، فيجبن بروح يملؤها الحب والسعادة رغم انشغالهم بأعمال تجهيز المنزل بأجمل الثياب هو الآخر ليلتقي بالعيد بما يليق به.

ونظل طوال الليل وفي أحضاننا ملابس العيد بفرحة غامرة وترقب ننتظر شمس يوم العيد وآذان الفجر ليتبدل الحال ونُصبح نحن في أحضان ملابس العيد بارتدائها.

ليلة يعيشها كل طفل في مصر في كل عام وكأنه عريس ينتظر ليلة زفافة بفارغ الصبر ويترقب بسعادة عامرة ليلة عمره.

ثم في الشباب ما أجملها أيضا تلك الليالي بتجمع الأصدقاء والأحبة وجلوسهم طوال الليل في فرحة وسعادة واحتفال بقدوم ليلة العيد والعيد، ثم الانصراف قبل صلاة الفجر وتكرار الجمع واللقاء في صلاة العيد.

على الرغم من أنه سادس ليلة عيد فطر في الغربة وأشعر بالحنين والاحتياج لوجود من تبتهج قلوبنا بوجودهم معنا في تلك المناسبات إلا أنني أسعد وأركب آلة الزمن إلى كل ليالي السعادة وتغمرني بفيض كرمها وأشعر مع إحياء كل تفصيلة بأن قلبي لا يتوقف عن الابتسامة ويتمنى لو أن تطول الليلة فأعود وأُعيد الليالي، وكلما تنتهي الرحلة أبدأها من جديد.

أجد نفسي ومهما كنت متعبًا غير راغب في النوم، وأنشغل بكي ملابس العيد، جديدة كانت أو قديمة – لم أشتر في الغربة ملابس للعيد إلا قليلًا، وقليلًا جدًا – وتلميع الحذاء على أنغام يا ليلة العيد، والتي بدونها لا أرى العيد أو أي جديد على صعيد السعادة، وأظل طوال الليل حتى الصباح أصول وأجول في المنزل أردد خلف الست، وأشاهد أجمل الأيام في قلبي وعقلي.

رحلة العودة إلى حيث الزمان الذي لا تشوه فيه، بليلة لن تجد مثلها في مصادر السعادة، ولا مثيل لها بدورها في تجديد الطاقات، وإنارة النفوس مهما كان الواقع يحكمه السواد والتوحش.

وكل عام وكل الأمة الإسلامية بخير بمناسبة حلول عيد الفطر وعلى أمل أن يمر كل مرة ونلتقي بما يُسعد ويسر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات