في الذكرى السنوية الثانية للانقلاب التركي الذي حصل ليلة 15 يوليو (تموز) 2016، والذي نُسب لجماعة لفتح الله كولن. عاشت تركيا واحدةً من تلك الليالي التي سيذكرها التاريخ ويخلد أحداثها، الليلة التي انتصرت فيها قوة الشعب، وإرادته، وديمقراطيته، وسعيهم لبناء تركيا على من أرادوا تدمير تركيا وجرها إلى الهاوية.

كُنت أحد متابعي هذا الحدث من على شاشات التلفاز للقنوات والوكالات الاخبارية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومرتقبًا ماذا سيحصل، من سينتصر، من سيفوز بتركيا، وعدة تساؤلات طرحتها على نفسي.

فكان قد نقل خبر على إحدى القنوات أنه يوجد انقلاب عسكري في تركيا، وفي اللحظة نفسها على قناة أخرى كان الخبر هو استلام العسكر لمقاليد الحكم والسلطة الآن تحت قيادة الجيش، وعلى قناة إخبارية أخرى كانت الرواية هي أن الرئيس التركي قد رُفض طلب لجوئه لإحدى الدول الأوربية.

وتوالت الأحداث والأخبار من عاجلٍ لآخر، ومن بلاغ لآخر، ومن قناة لأخرى، مع وجود التوتر والقلق إزاء تلك الأحداث التي توالت من مصدرٍ لآخر دون القدرة على معرفة الحقيقة، أيها أصح، وأيها أدق، وأيها ذو مصداقية أكثر. الأنباء كثيرة والمعلقون والمتابعون كُثر، والخبر العاجل يصدر الواحد تلو الآخر، من خطيرٍ لأخطر، والوقت العصيب الذي كان يساير هذه الأحداث كلها.

ماذا بعد، إلامَ تؤول إليه البلاد؟ وأي طريق ستسلك؟

وما هي إلا دقائق وخرج الرئيس التركي عبر تطبيق الفيس تايم بإعلانٍ أردوغاني مخاطبًا وداعيًا الشعب التركي بالانتفاض والنزول للساحات، والوقوف بوجه هذا الانقلاب وردع فاعليه، وطلب من أفراد الجيش والقوات المسلحة إيقاف أصحاب الخيانة ومعاقبتهم، ومنعهم من سلب تركيا من أهلها ومواطنيها.

ماذا فعل الشعب التركي حينها؟

هل جلسوا في منازلهم يتابعون ما يحدث في بلادهم مترقبين ذلك بخوف؟ لا لم يفعلوا.

ما إن انتهى الخطاب إلا استنفر الشعب التركي، وملأ ساحات وشوارع الشمال التركي، كالعاصمة أنقرة، وآسيا الصغرى (إسطنبول)، إلى الجنوب في غازي عنتاب، وإقليم هاتاي، وشتى المحافظات وساحات وميادين تركيا، منددين ورافضين هذا الانقلاب العسكري، وأصوات التكبيرات والدعوات تصدر من المتظاهرين ومن مآذن المساجد، ووقفوا بوجه الدبابات وقاوموا السلاح وهم عُزّل، وانتصر وعي الشعب وشغفه وحبه للديمقراطية.

في تلك الليلة أثبت الشعب التركي للعالم أجمع أنهم شعبٌ عظيم يستحقُ نصرًا كهذا، ويستحق حكومةً تحترم حقوقه ومطالبه، ويستحق حكومةً تعمل على جعله مفتخرًا بنفسه بين الشعوب الأخرى.

وتناقلت وسائل الإعلام تصريحات مختلفة للجيش والقوات المسلحة تفيد بنجاح الانقلاب، وسيطرة الجيش على الحكم، وتصريحات أخرى تفيد بأن الحكومة ورئيسها على رأس السلطة.

وكما هي العادة، فلا بد أن يكون للإعلام العربي والغربي دورٌ كبيرٌ في نقل هذه الأحداث وترجمتها بلغته الخاصة، وعلى طريقته التي يريدها، فمنهم من كان معارضًا للرئيس التركي وحكومته، ولا يرغب بوجوده على الساحة الدولية سياسيًّا، واقتصاديًّا وعسكريًّا، ولا حتى بين شعبه وعلى أرضه، فهم حتمًا لا يريدون لتركيا أن تكون منافسًا لهم، لذلك عَمِلوا جاهدين للوصول نحو هدفهم وغايتهم المنشودة بشتى الطرق والأساليب، فعَمِلوا على تفصيل هذا الحدث، ونقله، وترجمته بما يتماشى مع مصالحهم.

ورأينا العديد من القنوات والجهات الإعلامية قد حذفت ما نشر عن نجاح الانقلاب، وكأنهم يباركون، لكن مباركتهم لم تدم طويلاً، بل لم تأخذ مجرى واسعًا ليقال عنها مباركة.

ولكن لم يُمح ذلك من ذاكرة الشعوب، ومن القارئين، والسامعين، والمتابعين، وسُجِل في صفحاتهم من قبل متابعيهم الذين كانوا يشاهدون تزييف الحقيقة، وهذا مرفوض لدى الجهات الإعلامية التي تسعى لتكون إعلامية بكل معنى، وتعمل على نقل الخبر بحذافيره وبكل مصداقية.

تلك التي لا يملكونها بل جندوا قنواتهم وصحفهم وغيره من ممتلكاتهم الإعلامية المسيسة حسب رغباتهم، ولخدمتهم، والتركيز على القضايا التي يريدونها، وتهميش قضايا أكثر أهمية ومصيرية.

ما حدث كان مشهدًا عظيمًا وليلة مليئة بالأحداث، لم ينم فيها الشعب التركي، وتجمهروا واحتشدوا في كبرى الساحات والميادين، وظل الاحتشاد مستمرًا في الساحات لأكثر من ثلاثة أسابيع احتفالًا بالنصر المحقق بتلك الليلة ولحماية بلادهم.

وسيُحي الشعب التركي هذه الليلة، ويكرر هذه اللحظات في كل سنة من ليلة الخامس عشر من يوليو (تموز)، وكما رأينا أنهم أعادوا الكرة في انتخاب الديمقراطية، وتجديد العهد مع الطيب أردوغان في الانتخابات المصيرية التي شهدتها تركيا في الرابع عشر من يونيو (حزيران)، والتي حققت فيها تركيا والشعب التركي النصر بنصر الطيب أردوغان وحزبه «العدالة والتنمية»، والتي أدى فيها أردوغان القسم الدستوري واعدًا شعبه بإكمال مسيرته لإعلاء شأن تركيا، وإيصالها لمصاف الدول، فالآن بدأت حقيبة جديدة لتركيا ولشعبها.

إذ أطلق الطيب أردوغان على تركيا «Yeni Türkiye»أي تركيا الجديدة التي بدأت، وستستمر في تحقيق التنمية والعدالة لتركيا.

فهنيئًا للشعب التركي، ولحكومته على النصر في الليلتين الخامس عشر من يوليو (تموز)، والرابع عشر من يونيو (حزيران).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد