بينما يأخذ الجميع الأرواح.. أنا سأنقذها.

قالها من أعماق قلبِه وهو مُقدمٌ على حربٍ ضروس، ومع ذلك لا يحمل إلا حقيبة الإسعافاتِ الأولية والكتاب المقدَّس وصورة محبوبتِه الجميلة.

يحكي فيلم Hacksaw Ridge قصة واقعية للجندي الأمريكي «ديزموند دوس» الذي شارك في معركة وقعت على «تل هاكسو» بين الجيشين الأمريكي والياباني خلال الحرب العالمية الثانية، لعب دور بطولة الفيلم الممثل: «أندرو جارفيلد» في دور «ديزموند دوس»، وكتب السيناريو «روبرت شنكان» و«أندرو نايت» وأخرجه الممثل والمخرج «ميل جيبسون».

يخاطب الفيلم العمق الإنساني، ويطرح التساؤل عن شعور العائدين من الحرب، كيف يعيشون وبماذا يشعرون بعد أن عادوا دون أصدقائهم ورفاقهم في ساحات المعارك؟ تَجسَّد ذلك من خلال والد «دوس» الذي شارك في الحرب العالمية الأولى وعاد وحده حيًا بعد أن قُتِل أصدقاؤه، يعيش حالة نفسية مأساوية، حيًا بجسده ميّتًا بقلبه، مُتشبثًا بقبور أصدقائه، متسائلًا لماذا كان عليه هو بالذات أن يعيش بعد ما رآهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة؟ ليقارن نفسه بابنه «دوس» الذي يشارك في الحرب العالمية الثانية، لكنه يسلك مسلكًا مختلفًا عن أبيه.
فـ«دوس» الذي عانى من حالة أبيه النفسية التي سببت له ولعائلته المعاناة، عاهد الله ألا يحمل سلاحًا في وجه أيّ إنسانٍ أبدًا طوال حياته مهما كلف الأمر، تطوع للمشاركة في الجيش مُسعفًا، رفض حمل البندقية وامتنع عن التدريب على استخدامها، لم يحمل سلاحًا أبدًا طوال الحرب، ورفض مغادرة التل بعد انسحاب كتيبته فقط لينقذ المُصابين. ظل وحيدًا على التل محاصرًا بنيران الجيش الياباني، يحمل أصدقاءه واحدًا تلو الآخر، يربطهم بالحبال ثم يُدليهم من أعلى التل ليحملهم الجنود في الأسفل، لم يتوقف طوال الليل، إلى درجة تشقق يديه وإنهاك جسده، حتى أنقذ جميع المصابين وحمل معه جثة صديقه الذي لقي حَتفه.

اعتمد الفيلم على اللغة البصرية للتعبير عن المشاعر الإنسانية الدفينة، كما حمل العديد من العلامات والدلالات التي أثرت على مواقف الشاب «دوس».
«دُلَّني»: نداء بسيط صَلَّى فيه دوس لله ليَدُله على الطريق، هل ينسحب مع كتيبته أم يعود لنقل المصابين؟ مما دفع «دوس» إلى العودة نحو نيرانِ الحرب وحده، إذ كيف لمقاتلٍ نبيلٍ أن يعود حيًا تاركًا أصدقاءه لمصيرهم؟ كيف للمرء أن يُكمل حياته بعد أن شهد موت رفاقه؟! سيعيش بجسده نعم، لكن قلبه سيكون هناك وسط نيران المعركة.

«ساعدني كي أحمِل واحدًا آخر.. واحدًا آخر.. واحدًا آخر»: نداءٌ يترجى فيه الله مرةً أخرى ليمنح جسده الضعيف والمُنهَك القوة الكافية لينقذ المزيد، اليدان متقطّعتان من آثار الحبال، يختلط أسود الرماد بأحمر الدماء في يَدَي «دوس» المتشققتين، تلك هي الأيادي المُتعبة دائمًا، تحمل عبء الآخرين، وهَمّ راحتهم، أولئك الذين يحاربون لأجل الذين لن يعرفوهم أبدًا، لن يلتقوا بهم، لن يشكروهم، الذين يُحاربون حتى الرمق الأخير والرَمَق الأغلى من أجلك.

«الأمريكي النبيل»: جسَّده «دوس» عندما دخل مخابئ الجيش الياباني أثناء فراراه من نيرانه، التقى يابانيًا مُصابًا، فأسعفه بما لديه من أدوات، ليُجسد نُبل الإنسانية الذي لا يعترف إلا بالحق في الحياة، يجسدها الجندي – الأمريكي – أمام عدوه الذي يهرب من نيرانه.

«اليابانيون وحوش»: لا تظهر تلك الدلالة فقط من خلال هيئاتهم وأساليبهم في القتال، بل أيضًا في تعاملهم مع الجرحى، في السلاح المُزدوَج، بندقية من ناحية وسيف من ناحية أخرى لذبح المصابين، تجسيد للوحشية والبدائية وانعدام الإنسانية.

يحمل الفيلم العديد من الرسائل؛ الإيمان، الطفولة، مأساة الحرب، الصداقة، وأخيرًا الحب.
أُنتِج الفيلم عام 2016 وحصل على جائزتي أوسكار في الدورة 89 للحفل، إحداهما لأفضل مونتاج فيديو والأخرى لأفضل ميكساج صوت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد