صحيح أن ثورات «الربيع العربي» التي انطلقت في نهايات 2010، أسقطت رؤوس الأنظمة العربية، لكن في المقابل بقيت كيانات هذه الأنظمة موجودة بل وتتحكم في مقاليد صناعة القرار في الدولة وتوجيه دفة السياسة الداخلية والخارجية؛ وأحد شواهد ذلك قدرة بعض الأنظمة على إنتاج ودعم ثورات مضادة، أسهمت في تغيير أو تحويل وجهة الحراك الشعبي، حصل ذلك في مصر إبان سيطرة الجيش على مقاليد الدولة والثورة، ويحدث الآن في سورية.

وهنا، ليس من المفيد كثيرًا البقاء في دائرة توصيف هذه الأحداث، على أنها جاءت عبر انقلابات عسكرية أو دستورية، أو أنها غير قانونية، دون طرح أسئلة محورية بل وهي الأصل في سياق التحليل؛ لماذا فشلت هذه الثورات؟ ولماذا بقيت هذه الأنظمة قائمة؟!

ولذلك، دون السعي لتحليل تركيبة وبنية المجتمع الذي قامت به هذه التحولات أولًا، وتحليل بنية النظام السياسي وشكله ومصادر قوته ثانيًا، فإننا سنفشل دون إصدار توصيف واقعي لهذه الظاهرة.

وتأسيسًا على ما سبق، فإن النظرية الأنسب لدراسة، وفهم تحليل أجزاء هذه الظاهرة، هي نظرية النخبة.

إن السبب الرئيس وراء فشل ثورات ما يسمى «الربيع العربي» يعود لامتلاك عناصر داخل النظام السياسي مفاتيح القوة على صعيد احتكارها المناصب السياسية والاجتماعية داخل هذه الدولة.

وهذه الفئة التي يُطلق عليها علم الاجتماع السياسي النخبة السياسية، هي التي تتحكم في ميادين العمل والحياة داخل الدولة، لإنها تمتلك الخبرة والدراية وبيدها مقاليد الأمور، بل وتمثل القوة الفاعلة، حتى وإن كانت هذه الجماعة صغيرة، لكن تأثيرها له بالغ الأثر في تحديد مستقبل النظام السياسي.

العكس تمامًا بالنسبة لنخبة الجماهير التي ورغم أنها قد تمتلك رؤية وفكرًا مستنيرًا للخروج من الواقع الراهن، إلا أنها تصطدم بطبقة النخبة السياسية من جانب، وعدم امتلاكها القوة المؤثرة من جانب آخر.

إن نظرية النخبة تبني تحليلها انطلاقًا من حقيقة، أن هناك قلة حاكمة وبيدها مقاليد الأمور، وأغلبية محكومة منقادة وليس لها أي علاقة في صناعة القرار السياسي للدولة، وهذا المبدأ يتناقض مع نظريات الديمقراطية والشمولية، التي لا شك أنها تمر باختبار عسير في عالمنا العربي.

وهنا، يكمن عمق التناقض والأزمة في الوطن العربي، ما بين النخبة التي تبحث عن مصالحها وترى أن القوة يجب أن تكون معها فقط، وما بين الجماهير التي ترفض الخضوع لها؛ فغياب القواعد الواضحة للعملية السياسية في المجتمعات العربية، نظرًا لعدم ترسخ الأسس والمبادئ الديمقراطية في ممارساتها السياسية، يجعل النظام السياسي مرتبط بطبيعة هذه النخبة وتوجهاتها، وليس بما تريده الجماهير في الأنظمة الديمقراطية.

وبما أن السياسات الداخلية وتحالفاتها مرتبطة بهذه النخبة، فهذا يعني أن مفهوم الدولة يتهدده الاستقرار والاستمرار، وهذا يمثل انحدارًا غير مسبوق في المحاولات الساعية لإرساء أنظمة ديمقراطية حديثة على غرار الغرب، مما يؤكد مجددًا أنانية هذه النخب في البحث عن مصالحها وليس مصلحة الأمة التي تبحث لأن تكون حاكمة بنفسها ولنفسها، بعيدًا عن قيود هذه النخب وتوجهاتها، وتحالفاتها.

لا يعني كل السابق بالضرورة؛ أن النخبة في الوطن العربي فاسدة ولا تصلح للأنظمة السياسية، بالطبع لا؛ لكن نظرًا ولأن هذه النخب تعارضت مع رغبات الجماهير فهذا أدى لتعميق الأزمة السياسية، على الرغم من أن صيرورات وطبيعة المجتمعات السياسية -وكما جرت العادة- تبين أن السلطة لا يمكن أن تمارس بواسطة الجميع، وأنه لا بد من أن يكون هناك هيئة تقوم بدور إدارة شؤون المجتمع وهي النخبة، شريطة أن تكون صالحة.

لعله من المفيد هنا؛ ولتبيان أصل العلاقة، أن نشير إلى جذور الارتباط الطبيعي بين الدول التي أنشأت أنظمة سياسية مدنية، وبين النخبة التي أبدعت في مجالات الفكر والسياسة والفن وغيرها؛ فالعلاقة تبدو تكاملية هنا لا تنافرية ولا متعارضة، لكن المشكلة تكمن في حيادة هذه النخب عن تطلعات الشعوب.

إن استشراء أزمة النخب في الوطن العربي تعود لعدة أسباب، السبب الأول، ارتباك العلاقة بين الدال والمدلول؛ فلفظ النخبة في العربية يحمل معاني الامتياز والتفضيل والحسن الأخلاقي، فصارت هذه الصفات تَسقطُ بالضرورة على من يندرج في إطارها، ولذلك دلالة غموض المصطلح أدى لفهم مغاير لما هو مرجو منه.

أما السبب الثاني، فيتمثل في غياب قواعد العملية السياسية في الأنظمة العربية المحددة والواضحة والمعلنة، نتيجة استغلال السلطة أو احتكارها، واقتصارها على فئات دون الأخرى، فأدى ذلك لعدم التطابق بين الظاهر وبين الحقيقة، إذ إن السلطة بنظر كثيرين لم تكن إلا وهمًا وسرابًا لم تذهب بالجماهير نحو الاستقرار والتنمية المنشودة.

السبب الثالث، يتمثل في غياب الأسس الواضحة التي تنهض عليها النخبة في الوطن العربي؛ فهي قد تصل إلى درجة من التناقض غير المسبوقة، فهي أحيانًا تتشكل من عوامل سياسية واقتصادية وثقافية ودينية، وفي أحيان أخرى يقوم الانتماء إلى مؤسسات تعليمية، أو عسكرية، أو حزبية، مع أهمية مراعاة الخلفية العرقية والدينية، وتسهم جميعها في تأسيس النخبة السياسية.

وعليه، فإن النخبة في الوطن العربي التي تتكون من القبيلة أو العشيرة أو المذهب أو الإقليم، تتناقض مع الأساس (الأبستمولوجي) لنظرية النخبة الذي يقوم على افتراض أن التقسيم الأفقي للمجتمع هو المحدد الأساسي للظاهرة السياسية وليس التقسيم الرأسي، فالعلاقة بين أقلية تمتلك القوة وأغلبية لا تمتلك منها شيئًا هي الفرضية الأساسية لنظرية النخبة.

هناك سبب رابع لعله يلعب دورًا مهمًا في سياق تحليل هذه الظاهرة، وهي أن النخبة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالزعيم أو الرئيس الذي يعد محور ارتكازها ومبرر وجودها والعنصر الرئيس في الحفاظ على استمرارها، فالعلاقة هنا قائمة على مفهوم علاقة التابع بالمتبوع، كما وصفها علماء (السوسيولوجيا)، لذلك النخبة وفقًا لما تقدم هو متغير تابع لا مستقل، ولا يمتلك التأثير في النظام السياسي.

إن ضعف الثقة بين النخبة والشعوب، في ضوء الأزمات الراهنة والتي جاءت نتيجة اتباع شعارات مخالفة ومناقضة للأفعال، أدى إلى عدم استقرار شرعية معظم هذه النخب وما أدى لبروز نخب مضادة تنازعها الشرعية سواء بوسائل سلمية أو عنيفة، وهذا هو السبب الخامس الذي يعيق دون تطبيق نظرية النخبة بشكلها الفعال والإيجابي في العالم العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد