حراك السترات الصفراء حراكٌ شعبيّ تعيش على وقعه فرنسا منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) ضد زيادة أسعار المحروقات وكبح الضرائب المرتفعة. بلغ عدد المشاركين في الاحتجاجات عشرات الآلاف، من الطبقة المتوسطة ودونها، لكن هناك كذلك بعض المشاركين من مديري المؤسسات، وعنصر جديد هم أنصار اليمين المتطرف.

السترات الصفراء (Les gilets jaunes) بالفرنسيّة هي السترات التي يرتديها العمال، وكذلك السائقون عند معاينة الحوادث، حتى يتبيّن لونها الفوسفوري في جنح الظلام، ارتداها المحتجّون في فرنسا، وأطلقوا اسمها على احتجاجهم، ورغم وضوح مطالبهم الفرنسية بامتياز، إلا أن بعض وسائل الإعلام العربية صمّمت على إقحام عناصر عربية في هذا الحراك الأصفر.

بعض وسائل الإعلام العربية والصحافيين المقرّبين من الأنظمة الحاكمة استغلّوا المظاهرات الفرنسيه واتهموا تنظيمات معارضة في بلادهم بها، وخرج بعضهم ليتحدّث بجديّة عن أن للإخوان يدًا في حراك السترات الصفراء، هذا التدليس لم يشارك فيه الإعلام فقط، بل بعض المطبلين العرب في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد عمدوا على مقارنة إجراءات القمع التي تقوم بها بلدانهم وتجاوزات الشرطة الفرنسيّة، بمنطق هل رأيتم؟ ليست بلادنا فقط التي تمارس القمع، حتى الدول الأوروبية تفعل ذلك.

تصرّ بعض وسائل إعلام عربية، وإعلاميون على أن للإخوان المسلمين ومواطني شمال أفريقيا يد في الاحتجاجات الفرنسية. خرج الإعلامي المصري محمد الباز في حلقة تلفزيونية من برنامجه (90 دقيقة) قائلًا: إن التظاهرات التي وصلت حدّ المطالبة برحيل الرئيس الفرنسي ماكرون، خلفتها جماعات الإخوان الإرهابية مشددًا أن التنظيم الدولي للإخوان هو من يقف خلف أحداث فرنسا. لم يفوت الباز الفرص لكي يهاجم الدوحة ويتهمها بدعم الإخوان المشاركين في أحداث فرنسا.

وتعتبر مصر جماعةَ الإخوان جماعةً إرهابيّة، منذ أن عزل الجيش المصري الرئيسَ المنتمي للجماعة محمد مرسي في العام 2013، ليس الإعلام المصري الوحيد الدي يتهم جماعةَ الإخوان،حيث خرجت تقارير من وسائل إعلام إماراتيّة تتبنى نفس وجهة النظر الإعلام المصري، حيث كل الاتهامات توجه إلى الدوحة والإخوان، وأيضًا نشرت المصري اليوم تقريرًا نقلًا عن الخبراء والمتخصّصين في شؤون الحركات الإسلامية، حيث قالت إن بعض العناصر السريّة المنتمية لجماعة الإخوان ضالعون في الاحتجاجات التي تجتاح فرنسا.

ليس الإخوان والدوحة الوحيدين اللذين يتهمهما الإعلام العربي بدعم عدم استقرار فرنسا. بل كان لمواطني شمال أفريقيا نصيب من الاتهامات؛ حيث كتب الصحافي السعودي محمد يحيى القحطاني على حسابه في «تويتر» أن «المجنّسين من تونس والمغرب والجزائر، هم الصداع النصفي المزمن في فرنسا»، في تلميح إلى أن الفرنسيين من ذوي الأصول المغاربية هم السبب في الاحتجاجات الأخيرة؛ بسبب أنهم جزء من مشكلة البطالة والجريمة والإرهاب والمخالفات القانونية، بحسب تغريدته.

وقد فاته أن هؤلاء مواطنين فرنسيون كاملي الحقوق. حديث القحطاني الذي وصفه مستخدمون للموقع بالعنصري كان مشابهًا لتغريدات أخرى تحمل المعنى نفسه، لكن في المقابل ظهرت تغريدات ساخرة من الأمر ومن محاولة الترويج لفكرة عنصريّة، واعتبر بعض العرب في مواقع التواصل أن القريبين من السلطة يظنون أنهم يعلمون كواليس ما يدور في فرنسا أكثر من الفرنسيين أنفسهم.

ما يحصل في فرنسا اليوم ليس بسبب الإخون أو الدوحة أو عرب شمال أفريقيا، بل مواطنين فرنسيين يطالبون الحكومة أن تتراجع عن زيادة الرسوم على المحروقات وكبح الضرائب المرتفعة ورفع المقدرة الشرائيّة التي توشك على الانهيار، لا يصدّق أن شعبًا يمكنه التحرّك بمفرده والاعتراض على القرارات الحكومية دون حاجته لأيادٍ خارجيّة للقيام بذلك أن تدعمه الدوحة أو الإخوان. فيما يقبع مواطنون في دول الضفة الجنوبية من المتوسط في السجون دون محاكمة ودون توجيه تهمة فقط لأنهم حاولوا الحصول على أبسط حقوق الإنسان، في ظلّ صمت جزء كبير من إعلام بلادهم الذي اشتبه عليه صاحب السترة الصفراء بصاحب الجلباب فأصبح يرى الدوحة والإخوان في كل مكان.

المصادر:

تغريدة القحطاني

فيديو محمد الباز

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!