تعد المسألة الطائفية من أعقد المسائل في سوريا وبالأخص فيما يتعلق بالطائفة العلوية، حيث يختلط داخل المجتمع وفي الذاكرة العامة المعنى الأمني بالتجهيل الشعبي والاستثمار السلطوي بغية تفريق المجتمع وإغراقه بالعدوات البينية وهي سياسة ممنهجة اتبعها آل الأسد. وحسب الخطيب الذي يعد وضع الطائفة العلوية من المواضيع الشائكة، امتزج فيه التاريخي مع السياسي.

بنيت الرؤية الوطنية عند الخطيب على التزام بما توافق عليه المؤسسون في جمعية التمدن وهي (من أقدم الجمعيات الأهلية في سورية، تأسست عام 1932، على يد مجموعة من العلماء والقادة الإصلاحيين، وفكرتها الأساسية قامت على أن الاستعمار يأتي ومعه فكر وفن وثقافة ومدارس وتعليم، ومقاومته بالسلاح لا تكفي، فلا بد من مقابل لكل ما يطرحه، فكان هدف الجمعية الرئيس: تبيان الإسلام تبيانًا صحيحًا شاملًا في كل مناحي دعوته وثقافته ومكارمه وعدالته وحضارته، والعمل على تحقيق ذلك ويقول عبد الكريم اليافي: لقد تبلور جزء من المشاعر الدينية في سورية أول الأمر في جمعية التمدن الإسلامي التي تأسست عام 1932 وعكفت على إصدار مجلتها الشهرية ومنشوراتها المتعددة والقيام ببعض المحاضرات العامة ولكنها كلها تدور حول الإسلام والحياة الاجتماعية” ، وقد استمر صدور مجلة الجمعية مدة تسعة وأربعين عامًا! قبل أن تجبر على التوقف، وقد ضمت الجمعية كبار رجال العلم والفكر، وتميزت بفكرها، وبالعلنية، وابتعدت عن الصراع السياسي، كما رفضت العنف كمبدأ في العمل، ولم تقع في متاهة العمل السري، وما تزال حتى اليوم (رغم منعها من أي نشاط ثقافي)، تقوم بدور رائد في مساعدة الفقراء وعلاج آلاف المرضى كل عام.

وعى الخطيب أن أسباب أزمة الهوية في سوريا هي من صناعة النظام، ولذلك قام بتفكيك وتحديد دور الهوية في إنشاء الدولة وعلاقتها بالسلطة وحقوق المواطنة من جهة والأزمات التي تواجه الهوية في سورية خاصة الطائفية وذلك بحثًا عن حقن الدين وتحييدًا لقوة الدولة في التلاعب بالدم السوري.

وقد آن للأمة بكل مكوناتها أن تخرج من عقد التاريخ، وتبني المستقبل، وتناقش الإشكاليات الموجودة ببصيرة موضوعية، وقلوب مفتوحة.

فكيف ينظر معاذ الخطيب باعتباره رجل سياسة وثقافة ووطنية ودين إلى العلويين؟

يبد أ الخطيب عرض موقفه من العلويين ويسطر ذلك بنتيجة مغايرة لما هو سائد:

فليس كل علوي هو سلطوي أو أمني أو مستفيد بل يقرر أن ظلمًا وحيفًا حل بهم حيث نراه يقول: (لقد اطلعت ومن قبل أطراف موثوقة على حوادث تقشعر لها الأبدان، وظلم مخيف، تعرض له أبناء وبنات الطائفة العلوية قبل عشرات السنين، مما يخجل التاريخ من ذكر مرارته، ولكن في نفس الوقت فإنه ليس ذنب أي طائفة ظهور مفسدين ينتسبون إليها، ويجرون طوائفهم لدفع ثمن باهظ نتيجة ظلمهم وفسادهم، لأنهم كما أفسدوا في غيرهم فقد أفسدوا في طوائفهم التي ينتسبون إليها وظلموها.

لا نتحدث عن بعض العناصر الفاسدة، والتي لا تخلو طائفة منها، والتي ربما تستغل طائفتها بانتهازية مخيفة، وتتاجر بآلام الناس لركوب مصالحها الخاصة سياسية كانت أم اقتصادية أم دينية، بل نتحدث عن العلويين باعتبارهم كيانًا بشريًّا، عاش مهمشًا دون أن تمتد إليه يد حانية، وقلب مفتوح، بحيث يساعد على فهمه وإدراك معاناته.

كان لي تجارب شخصية إيجابية ومثمرة مع بعض أفراد الطائفة العلوية، وأخص منهم بالذكر العالم الجليل الشيخ محمد الحكيم رحمه الله، والمفكر والشاعر داعية حقوق الإنسان الدكتور محمود صارم).

صحيح (أن بيان الحق أمانة ثقيلة) يذكر الخطيب أن الطائفة قد عانت من:

• تهميش واضح.

• عدم فهم لها.

• ساهمت العزلة في غلو أفراد منها وشططهم، بل تغلغل خرافات خطيرة لا يرضى بها علماؤهم، ولا مثقفوهم.

• استعملت الأطراف المقابلة موضوع التكفير والإخراج من الملة سلاحًا خطيرًا للعزل وزيادة التهميش، دون أن تحس بآلام العلويين ومعاناتهم.

• الشعبويون أبعدوهمز عن العالم، وحصروهم في الجبال، ومنعوهم من الاختلاط بغيرهم، وأغروا بعض المؤلفين آنئذ. كتبوا عن العلويين (النصيرية) ما لا ينبغي أن يُكتب، وهاجموهم في كتبهم هجومًا ليس بمستحسن ولا يجوز أن نقرهم عليه.

يبين الخطيب الصفات السيكولوجية لأبناء الطائفة العلوية فيذكر أن (العلوي عمومًا إنسان فيه من الصفات الإيجابية ما قد يندر عند غيره، وهو شديد الحذر والارتياب، بسبب ماض أليم، ولكنه إن وثق بك صار أقرب الناس إليك). ويعيب الخطيب على أبناء الإسلام والفقه قصور البعض في منطقهم ومنطلقهم فيبين أنه (بينما كان الواجب أن يكون الإسلام هو المعصم الجامع الذي يضم الأصابع كلها، فإن عدم النضوج لدى شرائح من المكون السوري! أدى إلى نزوفات دامية لم تفد أحدًا، بل صنعت جرحًا غائرًا.

يجب على العقلاء من كل الأطراف أن يساعدوا على البرء منه، وفوق ذلك فإن يد السياسة الدولية، حاولت أن تزيد الشقة بين الطوائف، وقد أخفقت أثناء الاحتلال، ونجحت بعد الاستقلال)

ويبدأ الخطيب بسرد الوقائع التاريخية التي تحكم نظرته إلى العلويين: الشيء الذي لا يعرفه الأكثرون، ولم يُشر إليه من قبل هو أنه وجد فرع أو لجنة لجمعية التمدن الإسلامي في -قضاء صافيتا، في قرية بيت الشيخ يونس، ومعلوم أن هذه القرية كلها من العلويين، وكانت هناك صلات قوية بين الطرفين، ويمكن معرفة أسبابها من خلال المقال التالي، لكاتب من صافيتا (بيت الشيخ يونس) يقول: نشطت في الجبل العلوي دعايات الأجنبي، ففتكت ببعض أهلها فتكًا ذريعًا وأصبحوا على ما هم عليه من حالة سيئة، فأمسوا لا يكادون يعرفون من أحكام دينهم شيئًا، نقول هذا مع العلم بأن دعاة الأجنبي المستعمر على الرغم مما بذلوا لم يسيطروا إلا على طبقة قليلة ضعيفة الإرادة كثيرة السذاجة.

ومعلوم أن العلويين من صميم الإسلام وقلب العروبة، وقد كان المستعمر يحاول أن يحقق أغراضه ومآربه فيهم، فنرجو من أولي الأمر الآن أن يصلحوا ما أُفسد، ويغرسوا ما نجني منه ثمرات طيبة، حتى لا تخلو مدرسة إسلامية أولية أو ابتدائية في محافظة العلويين من تطبيق درس وقواعد الدين الإسلامي في الصفوف على اختلافها، وأن تفتح مدارس كثيرة كي تكافح الأمية، لأن ثقافة الأمة وتوجيهها إلى الأعمال الصالحة النبيلة لا تتوقف إلا على تربية النشء وتعليمه الأهداف الكاملة الشريفة، والمبادئ المستقيمة، وهي رسالة نبينا العظيم وإسلامنا القويم، وشريعته السمحاء .

وبناء على اقتراح جاء من مصياف، قرر مجلس الإدارة -السعي لزيادة عدد مقاعد الطلاب العلويين والدروز في الكلية الشرعية-. كما بُحث في معونة طالب علوي لاستكمال دراسته، فكُلف الأستاذ الخطيب السعيَ لتأمين دراسته ومنامه وطعامه في بعض المدارس.

بل إن التواصل وإعادة الالتحام بلغت حدًا مدهشًا، فقرر مجلس الإدارة: التوسط بشأن الطلاب العلويين في الكلية الشرعية، وما يُطلب منهم من تقديم الكفالة، وإخراجهم من المدرسة، وتكليف الأستاذ الخطيب بذلك. ولما لم تجد الوسائط قرر المجلس: مراجعة وزير العدل بشأن إخراج الطلاب العلويين من الكلية الشرعية، لعدم تقديم أوليائهم كفالة، رغم تسامح العمدة رسميًا بذلك عند انتسابهم، ومع الدروز تألفًا لهم وترغيبًا لطلب العلم فيهم.

لقد كان عند رجال التمدن خوف حقيقي في أن ينجح الاحتلال في شق الطائفة العلوية عن الجسم الإسلامي الذي ينتسبون إليه، فبذلوا كل جهودهم لدعم إخوانهم، وفتح ما أمكن من الأبواب لهم.

ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الشيخ المجاهد صالح العلي -العلوي- قد توفي بين ذراعي أخيه العالم السني الجليل الشيخ محمد المجذوب -رحمهما الله جميعًا-.

الخلاصة: أن الخطيب لم يهادن الوعي التقليدي الذي أقصى العلويين ولم يقبل إملاء السلطة وإزجاء التقديس للعلويين كما لم يخلط كما تفعل العامة السياسي بالديني، فلم يعترف بأن التسلط علوي كما يروج شعبيًا وكما يتلاعب بذلك المغرضون من العلويين ومن المنتفعين من غير العلويين.

ليس في ذهن الخطيب أي طائفة كريمة ولا طائفة لئيمة بل الجميع واحد أمام القانون والمواطنة، وكان الخطيب جريئًا في الاعتراف بأن السنة قصروا جدًا في التعامل مع العلويين وأن الطائفة العلوية استثمرتها إرادات مفسدة دولية وداخلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد