يتسم الأدب بطابعه المتغير واتجاهه المتنوع، كونه نتاج إبداع بشري، يرتبط بالإنسان ذاته وبمجريات حياته العلمية والاجتماعية وبعالمه الخارجي. وقد لازم الأدب الإنسان ورافقه منذ المجتمعات الأولى البدائية وحتى يوم الناس هذا، حيث درج مُعبرًا عن حاجات الإنسان ومشاعره.  والرواية هي أحد أجناس الأعمال الأدبية، ولون من ألوانه، وأكثرها استيعابًا للواقع ومتغيراته، تُبنى حكائيًّا وتقتات على المادة التاريخية، وتقدمها بطريقة أكثر إبداعية.

وقد حظي الفن الروائي بالاشتغال والارتقاء الدائمين من قِبل الإنسان في مختلف البقع الجغرافية، حتى أصبح الفن الروائي علامة فريدة ومميزة مقارنة بالأعمال والاشتغالات الأدبية الأخرى. لأنها وببساطة تُعد المخزن الذي تُحفظ فيه الوقائع والأحداث الأنثروبولوجية والمجتمعية والثقافية لكل مجتمع بشري.

ومن ناحية أخرى، إذا أراد الإنسان الابتعاد عن الواقع والانفكاك عن اشتراطاته المزعجة، فلا سبيل إلا باللجوء إلى الرواية، التي توفِّر له فضاءً ميتافيزيقيًّا يحصل فيه على فسحة، ويُبحر في عالمٍ أشبه بأحلام اليقظة. فالفن الروائي يتوفر على بيئة خصبة ومجال حيوي تعمل عناصره ضمنها وفي إطارها، وتُسهم في ترقِّي الخيال البشري وتُجنبه الانزلاق في هاوية الركود، وتعمل كترياق مضاد للبلادة والصلابة.

ومع ذلك، فقد يقول قائل بأن الرواية تُعد حديثة النشأة إذا ما قورنت بالأعمال الأدبية الأخرى، حيث بدأ التنظير لها والاعتراف بها وبخصائصها في القرن السادس عشر. وقد يستشهد هذا القائل بما نشره الناقدون الإيطاليون سنزيو Ceinzio وبينيا Pigna عام 1554 ميلادي، حيث ادعى أنه لا أرسطو ولا من عاشوا قبله قد اهتموا بهذا الجنس الأدبي، ولم يتحدثوا عنه.

وهذا الادعاء مغايرٌ عما ذهب إليه أصحاب النزعة الإنسانية من شراح أرسطو، من الذين عاصروا سنزيو وبينيانا، والذين وضحوا أن كتاب أرسطو لم يتضمن جميع الأجناس الأدبية، بل افتقد إلى عدد منها، فالأدب يتأثر ويستجيب للتغيرات والتبدلات التي تطرأ على المجتمعات الإنسانية. وبالتالي، فالرواية تتبع الحياة، سواء كُتبت شعرًا أو نثرًا.

ويمكن القول بأن نجم الرواية بزغ في القرن السابع عشر الميلادي، حيث بدأ دورته الحديثة بعدما نشر الأديب الإسباني ميجيل دي ثيربانتس روايته الأشهر «دون كيشوت»، وقد
اعتبرت أول رواية أوروبية حديثة لدى الكثير من النقاد.

نشأة الرواية في الغرب

كما جرى تبيانه آنفًا، فإن الرواية لم تكن ضمن كتاب أرسطو، ولم تكن متداولة في عهده كغيرها من الأجناس الأدبية كالملحمة والكوميديا والتراجيديا. ولكن، ومنذ القرن الأول الميلادي، بدأت تظهر على السطح الأدبي موضوعات وضعية وفانتاستيكية في كل من الحقبة اليونانية والرومانية، والتي استمر انتشارها واتساع رقعتها في أوروبا في القرون الوسطى، وبقيت كذلك حتى حلول القرن السادس عشر.

استحوذت تلك الموضوعات على اهتمام النقاد، الذين بادروا بالاعتراف بها وإدراجها ضمن الأجناس الأدبية، إذ امتازت تلك النصوص الروائية القديمة (والتي تُعرفُ بالروايات الإغريقية واللاتينية) بخصائص الخطاب الروائي الذي بدأت تتضح معالمه ما بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر.

ويرى الباحث بيار غريمال أن تلك الروايات الإغريقية واللاتينية قد انحدرت من السفسطائية الثانية.[1]، وهي الحركة الأدبية التي سادت وانتشرت في البلاد التابعة للثقافة الهيلينية منذ القرن الأول الميلادي. وقد ادعى غريمال أن عناصر الرواية يمكن ملاحظتها جليةً عند هوميروس وهيرودوت وفي الميثولوجيا الإغريقية، كالكوميديا والتراجيديا.

وقد سادت الرواية الخيالية أو ما يُعرف بالرومانس Romance في تلك الحقبة الإقطاعية، فكانت موضوعات الأدب الأقرب إلى الاقطاعيين هي الخيال والانفكاك عن الواقع، وتكاد تخلو من العمل الإنساني وتكثر فيها الأدوار التي تقوم بها الشياطين والجان والسحر.[2].

وفي القرن الثامن عشر، عندما حلت الطبقة الوسطى محل الطبقة الإقطاعية، تغيَّرت موضوعات الأدب. أصبح اهتمام الأفراد منكبًّا على المحافظة والمثالية والعجائبية، على عكس موضوعات الأدب التي اهتمت بها الطبقة البرجوازية، التي رأت في الواقع والمغامرات الفردية موضوعًا لها..[3]

مُقاربة هيجل

ويرى هيجل، الفيلسوف الألماني، أن مسار التاريخ الإنساني ليس إلا مسارًا لتطور الوعي البشري. فالملحمة في المجتمع القديم كانت صورة تُعبر عن وعي من عاش في تلك الحقبة. فالنمط المُعاش آنذاك كان يؤمن بالقوى الخارقة الماورائية التي تسير الكون وتتحكم في مصير الإنسان. فتلك الملاحم الشعرية كانت تسرد الصراع الدرامي بين الإنسان وإرادته، وبين القوى الخارقة.

وكذا الرواية، فهي صورة تُعبر عن وعي المجتمع الحديث، الذي لم يعد يؤمن بشكل أو بآخر، بتلك القوى الماورائية التي تحرك الكون وتسيطر على الإنسان، وكأنما نشأت حالة من التنافر بين الإنسان الحديث وتلك الملاحم. فالوعي لدى الإنسان الحديث بات يميل إلى الإيمان بوجود قوانين عقلية تعمل في تنظيم هذا العالم، وبالتالي، أخذ يبحث عن نمط جديد يتلاءم ووعيه ومعطيات الواقع الحديث.

فإذا كانت الملحمة هي سليلة العقلية القديمة التي ترى العالم وتصوره طفحانًا وغاصًّا بالآلهة والأشباح الفاعلة والمؤثرة، فإن الرواية سليلة العقلية الحديثة التي تخلَّت عن الغيبيات واستعاضت عنها بالواقع المُعاش. ويمكننا القول إن هيجل قد وضع الرواية بديلًا عن الملحمة، أو أن الروايةما هي إلا ملحمة العصر الحديث [4].

الرواية عند لوكاتش

قدم لوكاتش تفسيرًا خاصًّا لظهور الرواية؛ إذ علله بقيام الصراع الطبقي مستفيدًا ومستندًا إلى نظرية كارل ماركس في التحليل الاجتماعي للطبقات. إذ عبَّر بوصف الرواية بأنها ملحمة برجوازية، فالرواية تركز على الفرد وإثبات ذاته وقدراته في خضم مغامرة صعبة، على عكس الملحمة التي تركز على المجتمع.

ويعتقد لوكاتش أن ظهور الرواية تزامن مع الثورة الصناعية وبزوغ الطبقة البرجوازية في القرن التاسع عشر، حيث كانت الرواية هي النمط الذي يعبر عن حياة تلك الطبقة. ويعلل لوكاتش كون الرواية هي الأسلوب الذي وجد البرجوازيون ضالتهم فيه، بقوله إن الملاحم الشعرية لم تعد باستطاعتها مجاراة إيقاع العصر الحديث.

لم يقتصر لوكاتش على التفسير المادي لظهور الرواية، بل يقدم تفسيرًا آخر يتعلق بالوعي، تأسيًا بهيجل، فيقول بأن الرواية ما هي إلا ملحمة عالم بلا آلهة. ويقصد لوكاتش بذلك أن الطبقة البرجوازية التي فرضت قيمها على المجتمع، حملت بين طياتها وعيًا يختلف عن الوعي السائد في الفترة اليونانية (فن الرواية.. ملحمة العصر الحديث).

وقد حدد لوكاتش أربعة أنماطٍ للرواية من حيث تناولها لعلاقة البطل بالعالم، وهي كالتالي:

النمط الأول: الرواية المثالية التجريدية: وفيها يكون وعي البطل أضيق من أن يدرك تعقد العالم. ورواية دون كيشوت تعد مثالًا على هذا النمط.

النمط الثاني: الرواية النفسية: هنا يكون الوعي أكثر اتساعًا من العالم المحكوم بالمواضعات. وبمعنى آخر، هي تعبير عن انفصال الذات عن العالم الخارجي.

النمط الثالث: فهي النمط الذي يتوسط النمطين الأول والثاني، إذ هو أشبه بوجود مصالحة بين الذات والواقع الخارجي.

النمط الرابع: وهو التطور الذي طرأ على الرواية، ففي الربع الأول من هذا القرن شهدت الرواية تغييرًا كبيرًا في مركز الثقل، والذي يعبر عنه جولدان بـ«تصدع دور الشخصية في الأدب الحديث ورقّته»[5].

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد