«ما أسوأ أن تذهب بنا حكاياتنا إلى غير ما نحب، ما أسوأ أن تستنزف حتى يجفّ ضرعها ثم نجد أنفسنا نحن أصحابها فارغين تمامًا» هل كان اسمه داوود أم ديفيد أم داويت أم أدال؟ هل كان مولودًا غير شرعي من ثمار النضال في إرتيريا؟ أم مسيحيًا انتزع من أمه في صباه؟ أم ابن مفقود لعائلة أفريقية من يهود الفلاشا أخفت ديانتها؟ هل أنقذته حكاياته المختلفة أم قادته إلى مصير بائس؟

الحكاية لعبة خطرة قد تفلت من أيدينا في ذروة ما نعتقد أننا نملكها.

هويات متعددة.. وجه واحد

رواية (رغوة سوداء) للكاتب الروائي والصحفي الإرتيري حجي جابر، صدرت الطبعة الأولى منها عن دار التنوير 2018 في 256 صفحة. يلعب فيها الكاتب بخطوط زمن متداخلة، متنقلًا مع البطل بين (غوندار) في إرتيريا، ومخيم (إنداغابونا) في إثيوبيا، إلى حي (نافيه شأنان) في تل أبيب، ثم إلى شقة مشتركة في القدس، معرجًا بذاكرته على قصة حبه في (كمشتاتو) في بلده إرتيريا.

أماكن متعددة وهويات مختلفة لرجل واحد تحمل كل منها اسمًا وقصة وديانة مختلفة، وحدها ملامحه لم يستطع تغييرها، لهذا كان يمشي مطرقًا برأسه مغطيًا وجهه بالشال كي لا يلمح أحدٌ لونه الأسمر الذي كان يجذب النظرات العنصرية إليه أيًا كانت الديانة التي يتقمصها، إلا أنه ظل يكافح مصرًا على القصص التي اختلقها لتساعده على عبور خطوة في طريق الخلاص، ومقترفًا بعض الخطايا ليقفز خطوات أخرى.

أخذ مكانًا لم يكن له، لكن أيًا يكن الأمر فقد ربح، والرابحون يجدون ألف مبرر للخطايا التي ارتكبوها في السباق.

اللامنتمي

ظهرت شخصية البطل تخوض سباقًا وجوديًا متجردًا من انتمائه إلى وطنه الذي كان يتساقط منه كلما سار في طريقه بعيدًا إلى أن تلاشى تمامًا كما وصفه الكاتب، كما لم يأتِ على ذكر أسرته أو شخص قريب منه، رجل وحيد تمامًا كل ما كان يفكر فيه هو الحياة، العيش في مكان لائق يعامل فيه باعتباره إنسانًا بعيدًا عن سجن الهوية واللون والانتماء، كل ما كان يفكر فيه هو العيش بأمان.

كما لم يظهر انتماؤه الديني فقد تنقل دون تفكير بين دين وآخر بحسب احتياجه، في حين انبعثت عواطفه الروحية بحريّة بين جميع الأديان، حيث وقف مسلوب الأنفاس في كنيسة القيامة، وعانق شجرة في المسجد الأقصى، ودسّ في حائط المبكى ورقة أمنيات كتب فيها كلمة واحدة: «النجاة».

الهجرة إلى الشمال

تناولت الرواية قضية الهجرة من أفريقيا، القارة التي تعاني الكثير من دولها الفقر والصراعات والحروب الداخلية، تناول هذه القضية في وقت سابق الكاتب البرتغالي جوزيه كاتوتسيلا في روايته (لا تقولي إنك خائفة)، التي صدرت عام 2016، عن قصة حقيقية للعداءة الصومالية سامية يوسف عمر التي قررت الهروب من بلدها الصومال الذي كان يعاني حربًا أهلية، حيث وصفت روايته المأساة الإنسانية للمهاجرين، وتعرضهم لابتزاز المهربين والمجرمين وقطاع الطرق، وقدم صورة واضحة لرحلة الجحيم في الحاويات الساخنة في طرق الهروب المقفرة في أفريقيا ومشاهد الرعب والموت والذل والاعتداء، ومحاولة المهاجرين البقاء على قيد الحياة في رحلة يقودها الموت.

لم تظهر هذه المعاناة في رواية (رغوة سوداء) حيث استخدم البطل خياله وحكاياته ليفتح أبوابًا مغلقة، كما لجأ أحيانًا إلى السرقة والكذب والاحتيال ليحقق هدفه، فلم يظهر بصورة البطل المثالي الذي ينال تعاطف القارئ، بل ظهر بوصفه شخصية وجودية متطرفة لا تفكر إلا بإثبات وجودها بأي طريقة متاحة، أيًا كانت الوسيلة.

تبدأ الأحداث بوصوله إلى إنداغابونا في إثيوبيا دون ذكر ما دفعه إلى الهروب من إرتيريا، حتى في حديثه مع الموظف الأوروبي المسؤول عن قبول اللاجئين في المخيم تنقطع حكايته حين يبدأ بوصف معاناته في (الوادي الأزرق)، حين يكتفي الأوروبي بسماع قصة الحب التي بدا مستمتعًا بها.

كما سارت الأمور بسهولة تثير التساؤل، فلم يواجه البطل تحديات حقيقية في طريقه، ولم تنكشف جرائمه ولم تسبب قصصه المختلقة خطرًا حقيقيًا، حيث يتغاضى الموظفون في إثيوبيا عن دفعه رشوة ليحصل على الهوية الإسرائيلية، حتى أن من اكتشفوا كذبه لم يفعلوا شيئًا تجاهه، فقط نظرات احتقار، وعجوز لئيمة تصرخ حين تراه طالبة منهم أن لا يصدقوه فلا يسمعها أحد، فهل هذا ما يحدث في الواقع؟ أم أن الرواية تجاوزت تفاصيل هذه المعارك الصغيرة لتركز على الرحلة ذاتها؟

تعدد الهويات

في رواية (الساعة الخامسة والعشرون) للكاتب الروماني قسطنطين جيورجيو يتنقل بطل الرواية إيوهان موريتز بين هويات وشخصيات مختلفة تُفرض عليه، تم إلصاق اليهودية به في الحرب العالمية الثانية ليلقى في معسكرات الاعتقال النازية، حيث عاني هناك دون ذنب، ثم تنقل من معسكر إلى آخر بهويات مختلفة متهَمًا في كل منها بانتمائه إلى خصمها، ليعيش ملحمة إنسانية مؤثرة.

في (رغوة سوداء) في بدايات العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين تقريبًا حدث العكس تمامًا، حين كان طريق الخلاص أمام البطل هو ادعاء انتمائه إلى اليهودية ليرحل إلى أرض الميعاد، إسرائيل، التي رأى فيها الحياة المنتظرة، رغم عدم اعترافه بالأديان إلا أنه يفعل أي شيء ليعيش حياة لائقة.

كان اليهود الأصليون ينظرون إليه باحتقار لمعرفتهم بكذبه وحصوله على ميزات لا يستحقها، وكان سكان إنداغابونا ينظرون إليه بحسد لأن اليهود في المخيم أكثر حظًا ويحصلون على فرص معيشية أفضل، وفي تل أبيب طلب منه رفيقه السوداني أن يختلق له قصة يحصل فيها مثله على الامتيازات التي ينالها يهود البيتا (الفلاشا) الذين كان يتم تمييزهم عن المهاجرين الأفارقة في إسرائيل.

الراوي

اعتمد الكاتب في الرواية أسلوب السارد الغائب، ما جعل القارئ بعيدًا عن مشاعر البطل، بعيدًا عن حديثه الذاتي الذي ربما كان سيبرر به زلاته ويدفع القارئ للتعاطف معه، إلا أن الخطاب ينتقل إلى البطل في فصول قليلة حين يحكي لموظف الهجرة قصة حبه في كمشتاتو، في جزء ربما كان هو الأضعف في الرواية، حيث يطلب منه الموظف المسؤول عن طلبات اللجوء في مخيم إنداغابونا في إثيوبيا عرض سبب طلبه اللجوء إلى دولة ثالثة، فيبدأ بسرد قصة حب تبدو طويلة، كما تظهر المبالغة في ردود فعل المفوض المنبهر بتفاصيل قصة حب عادية، إلا أن الكاتب يتدارك هذه الهشاشة برفض طلب اللجوء في النهاية، بصدمة مفاجئة تعيد مسار الأحداث إلى الواقعية، وتدفع البطل إلى البحث عن طريق آخر.

حتى السرد على لسان البطل كان سردًا للأحداث دون الخوض في الحديث الذاتي أو التعبير عن مشاعر، أو عرض أفكار، أو آراء، مما حافظ على المسافة الباردة بين القارئ والبطل.

نهاية عبثية

في رواية (لا تقولي إنك خائفة) تموت بطلة الرواية في نهايتها وهي تقفز من المركب على بعد خطوات من حلمها، وكأن معاناتها كانت بلا جدوى. وهذا ما حدث مع بطل (رغوة سوداء) الذي مات بطلقة رصاص خاطئة وهو يسير في الشارع، بعد أن قطع تلك المسافة ليصل إلى أرض الأمان، ورمى عنه أقنعته ليحتفظ أخيرًا بالقناع الذي قد يساعده على العيش ولو مختبئًا في منزل أفريقي مسلم في القدس، يتجاوز قلقه ومخاوفه وماضيه ثم يموت هكذا دون سبب، مختتمًا معركة وجود انتهت ككل القصص المشابهة، حين تسقط صخرة سيزيف على رأسه عندما يصل إلى القمة.

كل مكان يلفظه إلى السطح كرغوة دون أن يمنحه التفاتة تبقيه في العمق.

داوود- ديفيد- داويت كانت ملامحه الأفريقية ترفعه إلى السطح في كل مكان، تفضح حكاياته الوهمية، وتدفعه النظرات المحتقرة المرتابة إلى الوراء، حين كان خياله يندفع ليحفر بقصصه طريقًا للهروب.

حمل بطل الرواية حكاياته التي ساعدته على تجاوز الراكضين معه في سباق الهروب، يدهسهم مرة ويدهسونه مرة في طريقهم إلى الخلاص.

الناس هنا جميعًا مثله ينشدون النجاة، لا يهمهم من يسقط وسط الطريق.

مغزل الحكاية

في رواية (لعبة المغزل) لحجي جابر (صدرت عام 2015) تقول بطلة الحكاية واصفةً حركة يدي جدتها التي تغزل الصوف: «حركة اليدين السريعة في اتجاهات متقابلة، وكأن كل عصا مغزل تنقض غزل الأخرى بينما هما يتكاملان في المضي بالصوف إلى لحظة ذروته». ربما هذا ما فعله قلم حجي جابر في غزل حبكة الرغوة السوداء، التي حملت أيضًا خيالًا يعيدنا إلى (لعبة المغزل) وهي رواية أخرى له قامت أيضًا على الحكايات، الحكايات التي يختلط فيها الخيال بالواقع خالقًا تلك اللذة الفريدة للمتذوق.

ثمة براعة في الإمساك بجوانب القصة من كل اتجاه، بحيث لا تنفرط خيوط الحكاية حتى النهاية.

(رغوة سوداء) رواية ظهرت فيها براعة جابر في اللعب بخيوط الحكاية، وتميز خياله الذي خاطر بالسير في مناطق خطرة، أنقذته حياديته من السقوط فيها، كما تمكن بذكاء من وضع مفاتيحه في يد القارئ ليخلق هو الآخر حكايته الخاصة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, قراءات, كتب, نقد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد