قرأت الكثير من الأعمال الأدبية، ولكن لم ألاحظ أبدًا متى كانت البداية، وهذه الرواية كانت الأولى التي استوقفتني نقطة بدايتها، بعض الأعمال تختار حدثًا واحدًا، ثم يكمل الأبطال حياتهم في سلام والبعض الآخر تكون حياتهم الكاملة هي الحدث، وليست حبكةً معينة، ولكن لم أدر أيهم اختار كازنتكيس هل كانت حياة الأبطال هي الحبكة أم الحدث الرئيس في الرواية أم أنها خليط كلاهما!

البداية عندما تقرر قرية يونانية إعادة مشهد صلب المسيح باختيار عدد من القرويين حسب صفاتهم ليمثلوا المسيح، يهوذا وعدد من الرسل، ولكن الاختيارت رغم أنها لمسرحية دينية تقليدية، لكن يطلب من الممثلين التزام أخلاق الرسل لتكون المسرحية أكثر تأثيرًا وهذه المطالبة نابعة من داخلهم، وليست من قسيس القرية الذي يكرهه الجميع بالفعل.

المياه التي تظل راكدة زمنًا طويلًا لابد وأن تفسد، وكذلك الروح تفسد إذا عاشت في دعة وسكون زمنًا طويلًا، فيرسل الله الريح التي تثير العاصفة فتحرك صفحة الماء وتبعث فيها الحياة من جديد وتدب الحياة في النفوس الميتة من جديد.

إذا استمرت الرواية بهذه الحبكة فقط لتوقعت عمل رائع مع الكثير من التفاصيل عن القرية ومعلومات عن الشخصيات إلى يوم تمثيل المسرحية وكانت لتكفيني، ولكن خيالي لم يتوقع محاكاة أكبر للحرب بين الخير والشر.

الحدث الرئيس هو وصول قرويين آخرين، ولكن من قرية دمرها الحرب بين جنود تركية واليونان وتشرد أهلها؛ لذا جمع القس ما تبقى من الناجين وقام بالفرار طمعًا في أرض جديدة لرعاياه، الحوار الأول بين القسيس المطرود الجائع وشعبه المشرد والقسيس السمين ذي الأملاك والثراء وراعي القرية التي تنضب من الخير هو البداية، ومحور باقي العمل، حيث المئات من الأعذار وتحريف المبادئ من الدين كي يخبرك كازانتكيس ماذا يمكن أن يفعل العالم كي يتنصل من مساعدة المحتاج أو حتى أداء واجبه العادي.

لا يمكننى الجزم أن هذا هو الحدث الأساسي، الرواية دسمة أكثر من أن نختزلها في مشهد أو مشهدين؛ لأن الأحداث بالفعل تتابع مع القرية لعدة أشهر يتغير بها الناس ويدركون حقائق كانت أمامهم منذ ولدوا، ولكن الإبصار الحقيقي يتطلب بعض الصدمات لذا لا تعود أبدًا حياة القرية كما كانت من قبل ويبدأ صراع عالمي وفكري لا يليق أبدًا بقرية مهمشة مثل هذه القرية.

قد يبدو النطاق العام للمسرحية هو عن الديانة المسيحية، ولكن الصراع القائم بين الطرفين هو تسلسل كل صراع من بداية مشاجرات الأطفال إلى الحروب العالمية بلا تغيرات كبيرة محسوبة سوى تغيرات السلاح والقوى التي تملك القوة للتاثير في نطاق أكبر فقط، لذا يمكنك رؤيه كل التغيرات النفسية والالتواءات والتبريرات التي استخدمت على مر العصور رغم أن هذه التعميمات لم تظهر في حبكة الرواية بشكل واضح لشدة تماسك الأحداث وتلاحقها.

أنتم الذين غيرّتم المسيح وصورتموه حسب هواكم أيها القساوسة والأساقفة والأعيان. صنعتم مسيحًا على شاكلتكم، مرائيا آكلًا للسحت، كذوبًا جبانًا مرابيًا، تمتلئ خزائنه بالذهب. مسيحكم جعلتم منه شريكًا في الجريمة مع كل قوى البطش على ظهر الأرض ليبقي على لحمه وماله.

يمكن قراءة الشخصيات منفردة كقصص عابرة، كل منها لها رمز وعبرة، أرملة القرية وقصة الظلم الاجتماعى والعهر، العجوز البخيل وشهوة الإنسان إلى المال، عمدة القرية ومنطق الاختلافات الطبيقة عبر الزمن، آكل الجبس وقصة الحقد غير المبرر، تتشابك كل هذه القصص، ولكن في النهاية نرى الرموز واضحة بغض النظر عن الحبكة الأصلية للرواية.

لرواية طويلة مثل المسيح يصلب من جديد في 600 صفحة لم تكن مملة إطلاقًا، بل مليئة بالشخصيات ولا يمكن اعتبار بعضهم شخصيات ثانوية، بل شاركت كل الشخصيات بالتساوي في أحداث لا حصر لها حتى البطال الرئيس هو (الراعي مانويل) لا يكن تميزه عن باقي الشخصيات؛ لأن نظام السرد ينتشر في كل أرجاء القرية، وليس له راوٍ واحد، لذا أصبحت الرواية مثل تأريخ لنفوس أهالي القرية بكل فكرة طيبة أو حقيرة، وليست الشخصيات المتعددة فقط التي أعطت للرواية متعتها، بل الأحداث المتلاحقة من حدث إلى حدث ومن كارثة إلى أخرى حتى يتلاشى عامل الوحدة وتظن أن الرواية تتنقل بين المئات من الأحداث والشخصيات الرئيسة.

أما عن فلسفة الرواية فهي متنوعة ليست دينية ولا سياسية، إلا إذا كنت تنوى قراءتها من أحد المنظورين، الأبطال في الرواية يبحثون عن راحة النفس ليس إلا، لم تقنعهم شعارات القسيس ولا أعيان القرية، بل اتخذوا ميزانًا أخلاقيًا خاصًا، وقاموا بتفسير كلمات الإنجيل فقط بقلبهم وهو يقوم على ما يرون أنه صحيح حتى وإن لم يكن قانونيًا، بينما قام أعيان القرية بالعكس، وهو تميز كلام الإنجيل بما يتماشى مع قوانينهم النتيجة هي نسبة تحريف من كلا الطرفين، ولكن من أجل قضيتين مختلفتين.

في المجمل لدينا رواية ملحمية مليئة بالأفكار والأحداث الدسمة التي قد تغير بعض وجهات نظرك لنظام السلطة أو النظام الديني أو ربما كامل المنظومة الأخلاقية المتبعة لذا لم أستكثر للحظة واحدة أن أعتبرها من أفضل قراءتي.

لا جدوى يا يسوع.. لا جدوي.. مضى على صلبك ألف عام، وما زال الناس يصلبونك من جديد.. أي يسوع ربي.. متي ستولد يا إلهي ولا تصلب ثانية.. ولكن تعيش بين ظهرانينا خالدًا إلى الأبد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!